آخر تعديل الإثنين 20 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596443

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    موقفنا من القرآن الكريم

    أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
    ها هي تباشير رمضان تلوح في الأفق ، وها هي إرهاصات تتبدى في بيوتاتنا ، في شوارعنا ، في جوامعنا ، وها هي أجواء رمضان تقدم قبل أوان رمضان لتمهد لأجواء رمضان الحقيقية ، فماذا أعددنا لرمضان ، وكيف نستقبل رمضان ؟ لا أريد أن أتحدث عن احتفاليات رمضان ، ولا أريد أن أتحدث عن استقبال رمضان الشكلي ، ولكنني أكتفي اليوم بالحديث عن أمر مهم جداً ، أوليس رمضان شهر القرآن ؟! أوليس القرآن قد أنزل في رمضان حيث قال الله عز وجل : ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ 
    البقرة : 185 الجواب : بلى ، رمضان شهر القرآن ، لذلك أدعو شباب الأمة ، وأدعو مثقفي الأمة ، وأدعو نساء الأمة ، وأدعو المسؤولين في الأمة إلى مائدة القرآن الكريم ، ولعله من التأكيد الضروري أن أبين أن الإنسان في فكره ومنهاجه بحاجة إلى ملاذ وإلى مستند يعصمه عن الخطأ الجسيم ولا بد له أيضاً من ملاذ ومستند يعصمه عن المجون والفسوق والفجور ، ولا بد للإنسان من ملاذ لعقله حتى يستقيم العقل في حركته التي هي التفسير . من أجل هذا كله نقول للإنسان : إن ملاذك وعقلك وفكرك وحياتك وأخلاقك القرآن الكريم ، فلقد سئل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن الترمذي عن المَخرَج من الفتن إذا ما حلَّت عندما قال : " ألا إنه ستكون فتن كقطع الليل المظلم " قلنا ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : " كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الكتاب الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الصراط المستقيم " إنه الملاذ والموئل لفكرنا وعقلنا ، وها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كما جاء في موطأ الإمام مالك : " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي " وفي رواية : " كتاب الله وعترتي أهل بيتي تمسكوا بهما " لكنني أقول حينما أدعو نفسي وإياكم إلى الكتاب الملاذ ، إلى الكتاب الملجأ ، إلى الكتاب الموئل ، إلى الكتاب المعلم ، إلى الكتاب الهادي ، إلى الكتاب الجامع الذي يجمع الأمة العربية والإسلامية تراني أيضاً أؤكد على أمور ثلاثة نتعامل من خلالها مع القرآن ، فالقرآن الكريم يحتاج منا إلى ثلاثة مواقف معاً .
    الموقف الأول : التلاوة ، والتلاوة تعني العناية بالنطق ، تحسين النطق ، أن تقرأ القرآن الكريم بشكل جيد من حيث اللفظ ، أن تلفظه ، أن تجوِّده ، أن تحسن أداءه ، أن تقوله بشكل صحيح .
    الموقف الثاني : القراءة ، والقراءة تعني العناية بالقرآن من حيث المعنى ، أن تبحث عن معنى القرآن وأنت تتلوه ، فهذه قراءة ، التلاوة عناية باللفظ ، والقراءة عناية بالمعنى ، ابحث عن المعنى ولا أريدك قارئاً للقرآن الكريم بشكل لا تفهم أثناء القراءة ما تقرأ . ضع تفسيراً بجانبك ، سل الإمام ، سل الخطيب ، سل ذاك الذي تلقاه في المدرسة ، سل مدرس التربية الإسلامية ، قل له ماذا تعني كلمة تقرؤها في القرآن الكريم ، ماذا تعني على سبيل المثال ﴿ أياماً معدودة ﴾ البقرة : 80 ولماذا قال الله ﴿ أياماً معدودة ﴾
    البقرة : 80 وقال في موطن آخر ﴿ أياماً معدودات ﴾ البقرة : 184 ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ الهمزة : 1 ما الفرق بين همزة ولمزة ، ماذا تعني كلمة همزة وماذا تعني كلمة لمزة ، لماذا قال الله ﴿ الصمد . لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ الإخلاص : 2 - 4 ماذا تعني هذه الكلمات ، وكيف أفهمها ، وإلا إن اقتصرنا على التلاوة شهر فموقفنا ناقص مع القرآن الكريم . التلاوة : العناية باللفظ ، والقراءة العناية بالمعنى .
    الموقف الثالث : التدبر ، والتدبر عناية بالتطبيق ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾
    محمد : 24 التدبر العناية بالتطبيق ، إذا قرأت القرآن وتلوته ولم تطبقه كان القرآن حجة عليك يوم القيامة ، ونحن ندعو في رمضان وفي غير رمضان : اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ، اللهم اجعل القرآن حجة لنا ولا تجعل القرآن حجة علين ، إذا لم تتدبر القرآن ، إذا لم تطبقه بعد قراءته وتلاوته فأنت جعلت من القرآن حجة عليك . هذا هو الموقف الثالث مع القرآن الكريم . تذكروا يا شباب الإسلام ، يا رجال الإسلام ، يا مثقفي الإسلام ، تذكروا أن حق القرآن عليكم قراءة وتلاوة وتدبر ، أن تتلوه ، أن تحسن لفظه وأداءه الشكلي ، وأن تقرأه ، أن تعنى بمعانيه ، وأن تتدبره ، أن تحسن تطبيقه ، ولعلي قلت في أكثر من مناسبة عندما تقرأ القرآن الكريم لا بد أن تتذكر من واعياً في أن هذا القرآن موجه إليك أنت إليك ، عندما يقول لك ربك ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ البقرة : 245 فأنت المخاطب ، عندما يقول الله عز وجل : ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ البقرة : 43 فأنت المخاطب ، أنت الذي تتلو وتقرأ لتتدبر ، عندما يقول الله ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ النحل : 90 فأنت المخاطب ولا تقل هذا كلام موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الصحابة الكرام ، لا يمكن ، وقد قلت هذا على هذا المنبر ، لا يمكن أن تكون قارئاً للقرآن الكريم إلا إذا قرأته وكأنه عليك قد أنزل .
    سئلت أكثر من مرة من قبل أناس لا يعرفون شيئاً عن القرآن ، ما القرآن ؟ ما مواضيعه ؟ عمَّ يتحدث القرآن الكريم ؟ وقلت هذا أيضاً في أكثر من محاضرة ولقاء : نريد من شبابنا إذا ما سئلوا هذا السؤال أن يقدموا لمحة عن القرآن الكريم ، عن مواضيعه ، عما يحتوي عليه هذا الكتاب العظيم ، وإلا فكيف تقدم نفسك على أنك واحد من أفراد القرآن الكريم ، وواحد من أتباع القرآن الكريم ، ولا يجوز لنا البتة أن نحتج ونعتذر بأننّا لسنا من أصحاب اختصاص القرآن الكريم . أنا لا أقول دققوا وفصلوا ، ولكن أقول لكم : اتلوا واقرؤوا وتدبروا واعرفوا أيضاً عمَّ يتحدث القرآن الكريم . لو جاءك إنسان غير مسلم ، أو مسلم جاهل في إسلامه ، وقال لك تقول لي : اتبع القرآن الكريم ، فما القرآن ؟ لعلي أيضاً قلت : أن القرآن الكريم بعد دراسة وتقصٍّ من قبلي ومن قبل آخرين سباقين قالوا : إن القرآن الكريم يحتوي على العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والقصص ومجادلة الكفار ويحتوي على خَلق الكون ، وعلى خَلق الإنسان ، وعلى الجهاد وتبيانه ، والدعوة ، والدعوة إليها ، ويحتوي على تفاصيل تتعلق باليوم الآخر . هذه عشرة مواضيع يحتوي عليها القرآن الكريم ، وقد ذكرتها وفصلتها في أكثر من مناسبة ، ولكنني الآن أكتفي بذكر العناوين لأحيل التفاصيل إليكم أنتم في شهر رمضان ضعوا هذه العناوين ، ضع العقيدة ، العبادة ، المعاملة ، الأخلاق ، القصص ، مجادلة أهل الكتاب ، مجادلة الكفار ، خلق الكون ، خلق الإنسان ، اليوم الآخر ، ضع هذه العناوين أمامك القرآن الكريم ، فإذا مررت بآية تتحدث عن العقيدة سجلها ، أو سجل على أضعف التقدير رقم الآية والسورة التي تحوي هذه الآية ، وبعد ذلك تنتهي في آخر رمضان وقد عرفت مواضيع القرآن والآيات التي تدخل تحت كل موضوع ، أليس جديراً بشبابنا ، نحن نريد أن نكون عمليين ، لا أن نتحدث عن دعوة مجمِلة ومجمَلة للقرآن الكريم ، ضع في بيتك بجانب القرآن فسيتعلم أولادك منك ، ضع دفتراً وقلماً ، واحمل الدفتر والقلم ، عندما تقرأ القرآن الكريم وضع فيه تحت هذه العناوين ، ضع الآيات التي تنسجم مع العنوان ، هذا ما سيجعل منك إنساناً قرآنياً ، إنساناً تتحرك بالقرآن ، إنساناً إذا ما حللت في مجلس ما سيكون حديثك عن القرآن الكريم ، لأن الإنسان يتحدث بما يشتغل به هكذا يقول علماء النفس ، عندما تشتغل بموضوع ويسيطر عليك الموضوع فسيكون هذا الموضوع حديثك في كل مجلس ، في كل مكان ، ونحن نريد أن يكون حديثنا في رمضان وفي غير رمضان حول القرآن ، لأن القرآن كما قلت في البداية ملاذنا ، لأن القرآن موئلنا ، لأن القرآن عاصمنا ، لأن القرآن الكريم هو الكتاب الهادي إلى الصراط المستقيم ، إلى الطريق الحق ، إلى كل خير للإنسان ، ولكن هذا الكلام سيتلقاه منا الآخرون ، غير مقتنعين ، لأننا نحكيه حكاية إجمال ، أما لو رأى الآخرون ، شبابنا ، مثقفينا ، كتابنا ، رجالنا ، نساءنا ، أطباءنا ، صيادليينا ، لو رأى هؤلاء المحامين منا ، القضاة منا ، يحومون حول القرآن ، يتخذون منه واحة يستظلون فيها من هجير الحياة ، سيسأل الآخرون عن هذا الكتاب ، لكن مجرد الادعاء لا يكفي ، ولا يؤثر في دعوتنا الآخرين إلى القرآن الكريم ، إن أول مرحلة هي يجب أن نُشغل أنفسنا بالقرآن الكريم ، والمرحلة التالية أن نشغل الآخرين بالقرآن الكريم .
    لما أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يهاجر إلى المدينة مصعباً ، سيدنا مصعب ، قال له بعد عودته : ما فعلت يا مصعب ؟ قال : يا رسول الله ! ما تركت بيتاً من بيوت المدينة إلا وأشغلته بالقرآن ، لأن مصعباً اشتغل بالقرآن ، لأن مصعباً عمل عملاً تفصيلياً حيال القرآن وبالتالي أثر إيجاباً على الآخرين . إن أخوف ما نخاف منه أن يتحول القرآن إلى شعيرة صامتة ، أن يتحول إلى رمز لا فاعلية له في الحياة العملية ، أن يتحول إلى مقروء أو إلى متلو في المناسبات ، هذا ما نخشاه وما نخاف منه ، والذي لا يريده أعداؤنا هو الذي نريده ، أتعرفون ما لا يريده أعداؤنا ؟ أعداؤنا لا يريدوننا أن ينكب شبابنا على القرآن الكريم ، أعداؤنا لا يريدون شبابنا أن يتلون القرآن الكريم ، أعداؤنا يقولون بكل وضوح إن الأمة لا تجتمع إلا على القرآن ، وبالتالي سنفسد علاقتهم بالقرآن الكريم ، هذه كلمات أعدائنا ، ولذلك أدعوكم باسم الله الكريم الرحيم إلى مائدة القرآن الكريم في رمضان على أساس من وعي وعلى أساس من فهم وعلى أساس من تلاوة وتدبر وقراءة ، وعلى أساس من تفصيل ، ولتكن أيضاً دعوة لدولتنا الكريمة من أجل زيادة عناية بالقرآن الكريم في إعلامنا ، في صحفنا ، في إذاعاتنا ، أقول إلى زيادة عناية ، أدعو الدولة الكريمة التي نحبها وتحبنا ، لا نشكل معها إلا رديفاً ، ولا تشكل معنا إلا رديفاً ، ندعوها وندعو المسؤولين من أجل أن يتبعوا القرآن الكريم من خلال ما قدمت ، من خلال التفصيل ، من خلال التلاوة والقراءة والتدبر عبر كل تجليات العلاقة مع الشعب ، عبر كل تجليات الإعلام ، عبر كل تجليات اللقاءات ، نريد مسابقات للقرآن الكريم ، ليس من أجل التلاوة فحسب ، ولكننا نريد مسابقات للقرآن الكريم تتبنى من قبل دولتنا الكريمة ، نريد تعميم ثقافة القرآن ، لقد عقد منذ أكثر من عشرة أيام عقد في منظمة الأمم المتحدة في نيويورك مؤتمر ، أتدرون ما كان عنوانه ؟ عنوان المؤتمر : دور القرآن الكريم في محو الأمية ، لأن القرآن الكريم إذ يقرأ فهو سبيل عظيم لإزالة الأمية عن الشعوب . نحن نعاني من أمية ، ومن كان قارئاً للقرآن الكريم تالياً متدبراً فلن يكون أمياً ، وسيقوَّم لسانه. عقد مؤتمر من عشرة أيام أو من خمسة عشر يوماً حول دور القرآن الكريم في إزالة الأمية عن الناس ، عن المجتمعات ، ونحن نريد أن نعنى بالقرآن الكريم ، ليست القضية قضية دين فحسب ، ولكن القضية قضية عروبة ، ولكن القضية قضية وحدة ، ولكن القضية قضية إيمان ، ولكن القضية قضية ثقافة ، ولكن القضية قضية أخلاق ، من أجل كل هذه الأمور ندعو إلى القرآن الكريم وإلى تبنيه وإلى أن يكون محوراً هاماً في ثقافتنا ، في جامعاتنا ، في مدارسنا ، في كل مكان ، ولئن كانت الدولة الكريمة لا تنظر إليه من حيث كونه كتاباً للمسلمين فأنا أعذرها وأقول لها : حتى لا يكون الأمر طائفياً أو دينياً ولكن انظري إليه من حيث كونه أفضل كتاب في اللغة العربية ، من حيث كونه أفضل كتاب في الأخلاق ، من حيث كونه أفضل كتاب في الثقافة ، حتى في الإعجاز العلمي ، من هذه النظرات كلها ، ولا أريد أن تنظري إليه من حيث كونه كتاباً للمسلمين ، القضية ليست صعبة ، والقضية عندما نصدق في متابعتها فهي ميسرة ، والله عز وجل يقول ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾
    القمر : 17 أي للعلم ، ويحق للأمم المتحدة ولغيرها من المنظمات أن تدعو إلى ضرورة إعادة العلاقة مع القرآن الكريم ليس من أجل تمتين الدين الإسلامي ، ما أظن أن منظمة الأمم المتحدة كانت دعوتها من أجل تمتين الدين الإسلامي ، إنها ومن وجه مشروع دعت إليه ليكون طريقاً للقضاء على الأمية ونعم هذا الوجه .
    أذكركم في رمضان وفي غير رمضان بكتاب أنزل في رمضان . اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا يا رب العالمين ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .
     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    موقفنا مع القرآن الكريمالرحمن علم القرآن -1الرحمن علم القرآن -2موقفنا من الله والنبي والإنسان/ منبجالقرآن الكريم

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017