آخر تعديل الخميس 23 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596857

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    الحوار من الإنسان إلى الإسلام

    المسلم إنسان عالمي يبحث عن مدعوه، وليس عن عدوه
    فالدعوة أصل في الإنسان ، والعداوة طارئ غريب

    1 - جدلية العلاقة بين الخلق والخلق

    - إشكالية :
    لماذا الحوار؟! وهل العالم جاد في تبنيه سبيلا للقاء ؟ وهل هناك اتفاق على مضمونه ومعناه ؟ مادام الحوار شكلية وصيغة .
    من الحكَم في الحوار، ومن المرجع الحاكم على أطرافه ؟
    هل الحوار صرعة أو صرخة عابرة ؟أم هو ثابتة إنسانية، تغيب إذ يسود القمع، وتظهر حين يزول.
    هل الحوار إعلان رفض، وردة فعل على سباق التسلح المخيف، ذي التنوع الأكثر من تعددية فنون الحوار وطرقه ؟ هل قرر العالم بمن فيه الحوار للتعايش ؟ أم هو قرار الضعيف ليقوى، والقوي ليتمكن ويستولي ؟ ويستعدي ويستعلي ؟ التساؤلات جد وفيرة، ولازالت في ازدياد.

    2- الإنسان والكلمة :
    الإنسان تركيبة معقدة، والتعقيد هنا في مقابل البساطة المرفوضة، وهو في النهاية مجموعة معان تنظمها خصوصية فطرية مستقلة، في قالب خلقي راق: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم

    التين/4، تشكل هذه المجموعة وحدة قائمة بذاتها، وكينونة نواة نوعية للعالم، ونقطة استقطاب واعية، تدور حولها، وفي فلكها، الأشياء كلها: ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) لقمان/2 و ( إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) الكهف/5 ، وكأني بكل و حدة من هذه الوحدات عالما مستقلا ، ولاغرو و لا غرابة أن تكون إضافة الرب إلى العالمين، الواردة في كتب السماء بشكل عام، تعني إسنادَ الربِّ إلى الإنسان، والإنسانِ والإنسان، أي إلى الناس، لأن كل واحد من الناس عالم. " أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ".
    ولنعد إلى المعاني المكونة - كما أسلفنا - لنجدها تعبيرا صادرا عبر الكلمة، أو ما يقوم مقامها، أي مقام الكلمة.
    ومن هنا كانت الكلمة هذه، الركن الأهم في حد الإنسان وتعريفه ورسمه، فقد قالوا معر فين: الإنسان حيوان ناطق يأتلف مع بقية المخلوقات الحية في مطلق الحياة المادية، وينفرد بالنطق، الذي هو صوت الكلمة، وبالكلمة التي هي لبوس المعنى، وبالمعنى الذي هو المرتكز والأساس ولعله النفحة الإلهية التي ميز بها الإنسان: ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) الحجر/92. هذه قصة الكلمة والإنسان، اختصرناها وكثفناها.

    3- الحوار والكلمة :
    الحوار مراجعة ومواجهة، والمراجعة إنسانية، وما دامت إنسانية فهي في المعنى عبر الكلمة المنطوقة أو المكتوبة، وربما عبر إشارتها المعهودة لدى من لا يحسن نطقها أو تناول قلمها. والحوار مواجهة بين من اختصوا بالوجه المعبر، والوجه صفحة مرسلة ومستقبلة في آن معا :
    فالفم فيه: مصدر معرفة مقولة ومرسلة.
    والأذن فيه: طريق موصلة للفكر إلى مستقر الصدر، الصدر الحاوي: ( ألم نشرح لك صدرك ) الشرح/1، و (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ) طه/52.
    وأما العين الباصرة فكفيلة بدعم الفم قائلا مرسلاً ، ودعم الأذن مستقبلة.
    الحوار فن في المراجعة والمواجهة، تراجع بينك وبين ذاتك، وتواجه الآخر بما راجعت وبما حوّرت في خلدك وداخلك، وهو على الكلمة يقوم، وقد غدا اليوم فناً من الفنون المؤهلة إلى درجة العلوم1 له قواعده ونظمه وأسسه.
    وحاوَرَ : " تعني لقاء على الكلمة، فإذا ما تم اللقاء على سواها الذي لا يمت إليها، غدا الأمر مسمى بحسب الوسيلة البديل، قاتل " ... إلخ.
    على أن الكلمة التي يرتكز عليها الحوار، مراجعة ومواجهة، ليست مطلقة ولا حرة من قيد يبقيها سمة إنسانية لائقة، فليس القصد في الحوار أن تتكلم، ولكن القصد والمطلوب أن تصبر على كلام الآخر، فلا تستخدم في مواجهته - ولو كان ما يصدر عنه غير لائق - إلا اللائق: ( وإذا خاطب هم الجاهلون قالوا سلاماً ) الفرقان/36.
    إن الكلمة الأس في الحوار هي التي تستتبع كلمة أخرى، ولا تفضي إلى حنق أو إثارة، لأن الكلمة في انطلاقها وغايتها نوعان: فقد تكون أداة فتك وفتنة، وقد تكون سبيل مواصلة إنسانية، ولم أقل سبيل اتفاق، لأن التواصل بالكلمة - وبغض النظر عن الاتفاق أو عدمه - هو غاية الحوار: ( وقولوا للناس حسناً ) البقرة/38،.
    و "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " 2 كما قال صلى الله عليه وسلم.
    وشتان بين كلمة مرغوبة تعني الخير وتحمله، وبين كلمة أخرى تعني الشر وتسو قه: " إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم " 3، كما قال محمد صلى الله عليه وسلم أيضا .
    الحوار في النهاية: كلمة مناسبة للإنسان الذي اختير أمينا في الأرض، وموضوعا شاغلاً لأهل السماء. فهل من سبيل إلى تلاق بين الإنسان والحوار، أو إلى إعادة التلاقي، وهما معا للكلمة ومعها وبها ؟

    4- الإنسان والحوار :
    كلاهما يقومان على الكلمة، وتجمعهما الكلمة، فهل يجوز لنا أن نقول: الإنسان حوار والحوار إنسان ؟
    إني لأجيب بنعم، وأنا واثق أن العلاقة وطيدة، والحكم رشيد. وعلى أساس الحوار يلتقي الإنسان الإنسان ، لأن الحوار فعلة الإنسان الرئيسة، مادامت هذه الفعلة تتعامل مع الكلمة.
    أو ليس الإنسان - حسب معطيات كل الديانات - حامل كلمة ، وناقل كلمة، ومبل غ كلمة، وتلك مهمته التي كلف بها أمانة يسعى إلى أدائها بكل جدية، فمن : ( اقرأ ) العلق/1، إلى: ( سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) المزمل/5، إلى: ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) فصلت/03، إلى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أ نزل إليك من ربك ) المائدة/76.
    وهل هذا إلا حوار ؟ ما دمنا قد عر فنا الحوار وعر فناه على أنه الكلمة تراجع ويواجه بها.
    فمن أعرض عنها فلم يستقبلها: ( وإني كلما دعوت هم لتغفر لهم جعلوا أصابع هم في آذانهم واستغشو ا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ) نوح/7، أو استبدل بها سواها في الإرسال( قالوا حر قوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ) الأنبياء/86; من كان كذلك فقد بعدت عليه الشقة مع إنسانيته، وأضحى إلى سوء يبعده عن معانيه التي تحمل سر ه، وغدا حينها منسلخاً ، ( فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث ، وإن تتركه يلهث) . الأعراف /176.
    الحديث، أخيراً ، عن الإنسان والحوار حديث عن نون والقلم، عن الصحيفة والحرف، حديث عن مجلىً يظهر إنسانية الإنسان.
    يقول فروم: " الإنسان بالحب يسمو، وبالقيم يسود، وبالحوار يتقدم " 4.

    5- الإسلام والكلمة :
    الإسلام - كغيره من الديانات - قام على الكلمة وأسس عليها، استقبلها من السماء بأمانة عن طريق الوحي، وأرسلها إلى الناس بوفاء عن طريق التبليغ والدعوة والرسالة. ولو أحصينا ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة عن الكلمة، وكونها الأصل المرتكز والمحور، لما أبقينا لغيرها شيئا في عالم المصادر.
    فالعلم الذي يفترش جل صفحات القرآن الكريم، والتفكير الذي يشغل حيزاً كبيرا في أسطر هذا السفر العظيم، والدعوة التي ملأت أركان الكتاب الكريم، والسلام والسلم اللذان د عي إليهما الإنسان مرارا وتكرارا ، والإيمان، والتقوى، و ...، دليل على أن الإسلام كلمة، لأن هاتيك المصطلحات التي أتينا على ذكرها تواً لا تعني إلا الكلمة ، والكلمة فقط، فإن رفعتها - أقصد الكلمة - منها - أي من المصطلحات - غدت الأخيرة هذه حروفا صوتية، أو لفظا دون قول، كما يقول النحاة.
    والكلمة في الدين الحنيف تتسم بثلاث سمات:

    1- الإنتاجية.
    2- قابلية التوريث.
    3- البعد الرباني.
    أما الإنتاجية: فالدلالة والمعنى المحدد المفهوم، الذي يرى فيه العصر والمكان، والمؤدي في الأخير إلى سلوك، وإذا لم تملك الكلمة مقومات الإنتاج فهي الثرثرة المضيِّعة المضيَّعة.
    وأما قابلية التوريث: فإمكانية النقل والتعليم لمن يعيها: ( وتعيها أذن واعية ) الحاقة/21، ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) النساء/311.
    وأما البعد الرباني: فالكلمة من الله دون سواه : ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) الرحمن/1-4،
    ( وعلَّم آدم الأسماء كلها) بقرة/13.
    الكلمة في الإسلام لها نسب ، وهكذا ينبغي أن تكون بشكل عام، ومن لا ينسب الكلمة إلى الله يُسَاءَل عن مصدره المعتمد لكلمته، ولم عدل عن ربه مصدراً يأخذ عنه ؟! فهل وجد ما ينافي العقل ؟ أم رأى في عقله ما يمكن أن يمده ؟ فليفصح إذا (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) البقرة/111.
    إن مشكلة الكلمة هذه مشكلة ما قبل الحوار، وعلى الإنسان أن يحل هذه المشكلة بينه وبين ذاته، قبل أن يثيرها مشكلة مستعصية مع غيره: ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة/73.
    قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا موطنا عن غرة زلقا
    ونحن نقول: قد ر لكلمتك قبل الحوار مصدرها.

    6- الإسلام والحوار :
    أسُّ كليهما الكلمة، والسمة الأهم لكل منهما الكلمة، وعلى هذا فالإسلام حوار يبتدئ من الذات ومعها، ويستمر ويتتابع مع الآخر، أعني مع الإنسان، وينتهي إعلانا مفاده: ( قد تبين الرشد من الغي ) البقرة/652، و( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) الشورى/84.
    أما بدايته مع الذات:
    فاقرأ معي قصة إبراهيم : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين . فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر. فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . وحاجه قومه … ) الأنعام 57،80 ، وأما متابعته واستمراره ليتجاوز إلى الآخر فاقرأ المجادلة: ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ) المجادلة/1. ورتل أيضا : ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً ) الكهف/73. واتل أيضا: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) آل عمران/46.
    وأما نهايته الإعلانية:
    ( فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) غافر/44. و ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) سبأ/42.
    وها نحن نسوق مثالين مستلين من السيرة النبوية، أولهما حوار مع مشرك، والثاني مع شاب مؤمن يبغي فعل كبيرة ورذيلة.
    1: روى ابن خزيمة بإسناده، أن قريشا جاءت إلى الحصين، والد عمران، وكانوا يعظمونه، فقالوا له: كلم هذا الرجل - أي محمداً - فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم. فجاءوا معه حتى جلسوا قريبا من باب النبي ، فقال: " أوسعوا للشيخ " وعمران وأصحابه متوافرون، فقال حصين: ما هذا الذي بلغني عنك، أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم ؟
    فقال النبي : " يا حصين، كم تعبد من إله ؟ ".
    فقال حصين: سبعا في الأرض وواحدا في السماء.
    فقال النبي : " فإذا أصابك الضر من تدعو ؟ ".
    فقال حصين: الذي في السماء.
    فقال النبي : " فيستجيب لك وحده وتشركه معهم، أرضيته في الشكر، أم تخاف أن يغلب عليك ؟! ".
    فقال حصين: ولا واحدة من هاتين. قال: وعلمت أني لم أكلم مثله.
    فقال النبي : " يا حصين أسلم تسلم ".
    فقال حصين: إن لي قوما وعشيرة ، فماذا أقول ؟
    قال : " قل اللهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأسألك علما ينفعني ".
    فقالها حصين. فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه ابنه عمران، فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي بكى.
    2: روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني، أن رجلا جاء إلى النبي يستأذنه في الزنى.
    فقال النبي : " أترضاه لابنتك ؟ ".
    فقال الرجل: لا.
    فقال : " وكذلك الناس لا يرضونه ".
    فقال : " أترضاه لأمك ؟ ".
    فقال الرجل: لا.
    فقال: " كذلك الناس لا يرضونه ".
    ثم قر به، ومسح صدره قائلا : " اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، واغفر ذنبه " .
    فقال الرجل: دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شيء أحب إلى قلبي من الزنى، وخرجت وما شيء أبغض إلى قلبي منه.

    7- دائرة الحوار ومجاله :
    الإنسان كله،كل ما يصدر عنه، كل ما تفرزه قواه العقلية وقدراته الإدراكية، لايندُّ عن ذلك منه شيء، ولا يستبعد منه معطى، أو أمر ، أو قضية إنسانية.
    قل ما تريد إذا كنت محاوراً ، واسمع ما يقال، وأ جب عليه إذا كنت طرفا في الحوار.
    تحرر من كل تحرج وأنت تسأل وتحاور: تأتي امرأة من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ فقال النبي : " نعم ". فقالت عائشة: رحم الله نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء من التفقه في الدين5
    بادر وأخر ج كل ما يعتلج في داخلك وأنت تطرق باب الحوار، وقد كان النبي يقف أحيانا ويقول: " سلوني أيها الناس ما شئتم "6
    كن واضحا وأنت تحاور : ( قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ) طه/521.
    أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إليه، وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا ابن عبد المطلب ".
    فقال : أمحمد ؟ قال : " نعم ".
    قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك ؟
    قال: " لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك " .
    قال: أنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولا ؟
    قال: " اللهم نعم ".
    قال: فأنشدك بالله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟
    قال: " اللهم نعم ".
    قال: فأنشدك بالله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟
    قال: " اللهم نعم ".
    الإنسان بساحاته كلها مجال للحوار، وضمن دائرة الحوار، لا تغيب منه ساحة عن شمس الحوار، ولا تمتنع فيه مساحة من استمتاع بوابل الحوار الطي بمن وافقك حاوره ليوافقك عن بينة، ومن خالفك حاوره ليخالفك عن معرفة.
    فإن رُفضت محاوراً حر اً فتحول محارباً حتى تعود محاوراً ، وإن ظلمت فمنعت من إرسال الكلمة، فانطلق مقاتلاً إلى أن تستطيع إرسالها، وإن أ خرجت بالقوة الظالمة من دارك التي تملك موثقا على أنها دارك، فادفع الفعل بمثله : ( فمن اعتد ى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) البقرة/491، ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) النساء/49.
    الحوار هو الأصل: ( ادخلوا في السلم كافة ) البقرة/802، وأما سواه - إذ تستخدم القوة المادية - فعرض طارئ شرع للدفع: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا ) البقرة/091.
    ولا أريد أن أعد ما يمكن أن يدخل في سجل الحوار، وما لا يمكن أن يحتوي عليه هذا السجل، ما دمت قد قلت: إن الإنسان بكل ما يصدر عنه محل حوار. فهل يستعد الإنسان ؟
    يا أيها الإنسان: إذا كان المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وهما أداتا الحوار، فليس هو إذا بالجوارح أو بالفتك ...
    ألم يأن لبني الإنسان أن يعامل بعضهم بعضا كما يعامل الإنسان نفسه حين تخالفه نفسه، و "لا يؤمن أحد كم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " 7، كما قال محمد صلى الله عليه وسلم.
    فهل رأيت معتدياً على نفسه حين تخالفه نفسه أو يخالفها ؟ وهل يلجأ هذا إلى القوة فينسف نفسه إذا خالفته ؟ فإن فعل هذا كان منتحرا ، وكان عقابه خلودا في نار جهنم، كما جاء في مجمل أدبيات هذا الإسلام، بل الأديان كلها.
    وقد يقول قائل: فمن الذي يرعى الحوار حتى لا ينتهي إلى دمار ؟ من الذي يضبطه ؟ ومن الذي يتولى عقاب من اشتطّ من الأطراف ؟ مَن ؟ من ؟
    وهذا قول معتبر له حظ من النظر، ونشير في الإجابة إلى وجوب تنصيب قاض حاكم، نرجع إليه مقرين بضرورة الالتزام بحكمه واعتماد قراره، والقاضي يتخذ شكل فرد أو مؤسسة أومنظمة، والمهم هو الإذعان له، والإيمان بضرورته، والعمل على إيجاده، ونأمل اليوم من المنظمات الدولية التي أخذت هذا الدور، أن تلعب الدور بشكل أفضل، وبجدية أكثر، من خلال إلزام أعضائها بمقرراتها: ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) الحجرات/9، وتعميم حوار ينصب على ضرورة التزام الأعضاء بها، وإلا كانت اسما عائقا عن عمل جاد ، وصورة مانعة من فعل حق.
    ونرفض اقتراحات معادية للحوار، مثل التي صدرت عن فوكوياما حين قال: " كل الحضارات ستذوب في الحضارة الأمريكية" .
    وعن هانتنغتون الذي قال في كتابه ؛الإسلام والغرب آفاق من الصدام : أن الإسلام خطر أخضر، وهو ذاتي التدمير، ويحذر من تحالف الإسلام مع الكونفوشيوسية، ويؤكد على أن هناك صداما بين الحضارة الإسلامية من جهة، والمسيحية واليهودية من الجهة الثانية.

    8- الحوار إرادة ومسؤولية وتحديات :
    ما كان الحوار في يوم من الأيام مجرد تنظيم يصدره قرار، ولا كان محض قضية يشر ع بمرسوم، لكنه - أولا وآخرا - إرادة نابعة من الداخل، تتحمل من أجلها الصعوبات: ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) لقمان/71.
    الحوار مسؤولية كلمة ، وحصانة كلمة، وسيادة كلمة، لأن الكلمة هي الأصل كما أسلفنا; ولأن الكلمة موقف ، ولأن الكلمة مرتكز السلوك; ولأن الكلمة هي كل شيء لدى الإنسان.
    الحوار تحد في حلبة الكلمة يؤكد على أطرافه البقاء فيها، وعدم الخروج منها إلى حلبة السيف، أو اللسان، أو البارودة، أو النووي، أو ... (وإن كنتم في ريب مم ا نز لنا على عبدنا فأت وا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) البقرة/302.
    الحوار أمانة لا يراد منه الإدانة. لكنما الكلمة المقنعة هي الغاية المرجوة، ولتظهر على أي لسان من ألسنة الفرقاء المتحاورة شاءت. فنحن في حوارنا لا ندين، ولكننا نسعى إلى إظهار الذي به ندين: " لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساءوا أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم على إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا ألا تظلموا "8 .
    الحوار إنقاذ من جوع يستفحل، وعطش يتفشى، لأن ثمن الطعام والمياه تحول إلى متفجرة دمرت حاضرا وهددت مستقبلا .

    9- نداء إلى الإنسان من أجل حوار جاد من أجل تعايش :
    أيها الإنسان في كل مكان، ادخل السلام والسلم، واعمل على أن يذكرك من بعدك داعي لقاء ووفاق، لا داعي نزاع وفراق، اسع لمستقبل العالم ليكون إنسانيا ، أعمل عقلك فيما يبقي لا فيما يفني، وفيما يجمع لا فيما يبلع.
    أيها الإنسان، حاور ولا يستخفنك السفاكون، حاور ففي الحوار حياة، وفي الحوار تطور نحو الأفضل.
    أيها الإنسان، أمن الناس من جهتك، وقل لنفسك ؛كما تدين تدان، فاختر العمار على الدمار، أدع ، بلِّغ ، علّم ، فكر ، ولكن إياك أن تقتل، وتفتك، وتسفك. لا تمانع من لا يعجبك رأيه من الحديث والنقاش، وجاهد لتسمعه كما تسمع من يثني عليك ويمدحك، والعاقل من أََخذ لا من أُخذ.
    أيها الإنسان، إلى متى ستظل مهددا ؟ وأنت ترفض الحوار، لا أريد مثالية في الحديث، لكني أرجو الكثير في هذا الشأن لننال من الكثير القليل، ليتابع من بعدنا حتى يغدو القليل كثيرا .

    أيها الإنسان:
    أنت المحور والقطب والمرتكز والأسّ ، فإن صلحت صلح الكون كله، وإن فسدت فسد الكون كله: ( فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . ولا يخاف عقباها ) الشمس/31-51.
    فهل تسعى يا إنسان إليه ؟ وإنا معك ساعون.

    10- شروط الحوار :
    ويمكن تلخيصها بما يلي:
    1. تحديد المصطلحات وتبيانها: ولطالما أخفق الحوار لسوء فهم انتاب المفاهيم المتداولة فيه، إذ يتكلم طرف عن مصطلح ما بتعريف قائم في ذهنه، يختلف عن ذاك التعريف الذي قام في ذهن الطرف الآخر، ولو أنهما اتفقا لقطعا شوطا في الوصول إلى المراد.
    وضوح الغاية من الحوار: هل الحوار لمجرد الحوار ؟ أم إن هناك غاية يراد تحقيقها والوصول إليها ؟ وأخشى ما أخشاه أن يغدو الحوار هواية ووسيلة تسلية، وأن يعزل عن دوره البناء في خدمة المجتمع وتطويره.
    2. تساوي الأطراف من حيث الاعتبار: يجتمع المتحاورون تحت قنطرة الحوار دون سواها، وتسقط سائر الصفات والألقاب، وتتهاوى القوى المسكتة.
    3. احترام المتحاورين بعضَهم: إنه خلاف، وخلاف إنساني، فهل يحوّله الإنسان إلى خلاف وحشي يبتعد عن الإنسان ومساره وطبيعته ? هل نستبدل بالحوار المغني للإنسان إنساني ته بحوار يقترب من الحيوان?!
    4. الإنصاف: بإقرار ما هو خطأ، وما هو صواب، وبغياب الإنصاف تغيب حتما الحقيقةوبإرادة الإنصاف تبدو الحقيقة، فالقضية موضوعية، وليست ذاتية.
    5. المرجع المت فق عليه في الحوار: من الحَكم ? هذا ما ينبغي توضيحه في عالم الحوار. لقد رضينا شرع الله، وعلى الآخرين أن يبينوا ما يريدون.

    11- نداء إلى المسلمين من أجل حوار فاعل، من أجل تعاون :
    ندعوا المسلمين إلى حوار يقرّب بعد إذ يُعرّف، فالمشكلة في أحكام متخذة حيال بعضنا، لا تستند إلى معرفة موثقة عن بعضنا.

    أيها المسلمون:
    التقوا على مائدة الحوار، وليجنّد كل منا نفسه ليسمع الآخر حتى يعرفه.
    فإلى متى نطرح الحوار أسلوبا جميلا للتغني دون التبني ?!
    وإلى متى سنظل أسرى جرائم التاريخ التي باعدت بعضنا عن بعض ?!
    وإلى متى سنبقى نردد المصالحة باللسان، ونسلك سبيل المسالحة بالفعل والميدان ?!
    وإلى متى سنتوارى عن ساح المسامحة، لنظهر في قعر المسافحة ?!
    وإلى متى سنعيش الفرقة قد را ننسج خيوطه بدمائنا المسترخصة منا ?!
    وإلى متى سيلاحقنا الماضي المرفوض، ليغدوا الواقع والحاضر المفروض ?!
    لقد سامنا كل مفلس، وانتزعت مهابتنا من قلب عدو نا، حتى صارت خطوط التاريخ أقوى في تكويننا من نصوص القرآن، وذبذبات السياسة في ملف الزمن السابق أقوى وأعظم أثرا فينا من معاني السنة المشرفة، الداعية إلى الوحدة والاعتصام.

    لقد استبدلنا بالنصوص الأساسية بعض التطبيقات البشرية الخاطئة، ونهلنا منها أحكام علاقاتنا، وآداب لقائنا، ورفض حوارنا، حتى لكأن السنة والشيعة، والصوفية والسلفية - هكذا مفر قين - قدر محتوم، لا يمكن أن تقاومه آيات القرآن المكلفة لهؤلاء جميعا بالتوحيد والاتحاد.
    أملي أن نحسم الخلاف بيننا بحوار جاد فاعل، قبل أن يحسم علينا، إن لم نقل أن نحسم في وجودنا.

    يا مسلم:
    حاور المسلم ولا تحاربه: فإذا اتفقتما فتعاونا.
    وإذا اختلفتما فقد أغنيتما إسلامكم.
    وتعاونا، وهل التعاون - في النهاية - إلا وليد الحوار، فأين فريضة التعاون وتعاونوا ، وأين قبلها فريضة الحوار لتعارفوا فالمسلم أخو المسلم.
    ولنلتق دون ألقاب، أفلا يكفينا الإسلام ?!

     


    سؤال - 1 : ما رأيكم بالحوار بين الحكام العرب والصهاينة،وما رأيكم بطريقة الحوار بين المقاومين والصهاينة؟
    جواب - 1 : نحن نعتمد الحوار إذ يقوم على الكلمة الحرة. أنت تحاور إذاً أنت تلتقي مع إنسان لتقول الكلمة التي تريد، ولتسمع منه الكلمة التي يريد، وفي النهاية يجب أن يكون هناك راع رضيناه حتى يحكم فيماإذا كان الواحد منا على حق أم لا. نريد عدلا في إطلاق ما نريد، وفي سماع ما يقال، وأن يكون هناك حاكمعادل. لأن وجود قاض ، سواء أكان فردا أم مؤسسة، أمر ضروري، وأن يكون هذا القاضي بتنصيب من المتحاورين. المشكلة أن بعض من يقوم بالحوار يريد أن يفرض مقولاته من خلال الحوار. ربما كان الحوار الآن حوار الضعيف ليقوى، أوحوار القوي من أجل أن يستولي ويستعلي، وهذه قضية مرفوضة،لأن الحوار غدا اليوم علما له قواعده ونظمه وأساليبه، وليس قضية شخصية يلبسها الإنسان الذي يريد أن يحاور، أويضمنها، ما يبغي من معان وصيغ.

    سؤال - 2 : ما رأيكم في لغة الإسلام الحوارية في الوقت الحاضر، عبر الوسائل الإعلامية الحديثة ؟ هل ترون أن علماء الشريعة يتقنون اللغة الحوارية المعاصرة ?
    جواب - 2 : لا أريد أن أدافع ولا أن أتهم، ولكن إذا كان علماء الشريعة لا يتقنون اللغة الحوارية المعاصرة فربما لأن حلقات الحوار ومجالاته لم تفسح لهم من قبل، فلم يحاورهم أحد، وإنما رأوا أنفسهم بين ليلة وضحاها يُدعون إلى حوار شكلي، على قناة فضائية أوصفحات إعلامية، أوفي مجلة،أوجريدة، فهم إلى حدما ضعاففي هذا الأمر، لذلك فإننا سنحاول أن نقوي أنفسنا، حتى نمتلك لغة حوارية قابلة للتصدير، وقابلة لأن تكون أنموذجا ومثالا .

    سؤال - 3 : الحوار الآن حوار حكام، فأين حوار الشعب والإسلام في مواقعنا العربية ?
    جواب - 3 : الحوار الآن بين الحكام والشعب مفقود، ومن أجل ذلك لم يرض الشعب عن حوار الحكام. عندما تكون هناك حوارات بين الشعب والحكام يمكن أن يرضى الشعب عن حوار الحكام، لكن حلقة الحوار مفقودة بين الشعب والحاكم، وبالتالي عندما يحاور الحاكم إنسانا آخر - أعتقد أنه حتى لو كان مضمون هذا الحوار مقبولا لدى الشعب - فلن يقبل به الشعب، لأنه يتمنى أن تكون الصلة وثيقة بينه وبين حاكمه، فإذا ما حاور حاكمه جهة أخرى حاور بقوته وقوة الشعب، ومن حاور بقوته وقوة الشعب فالله سيكون معه. أما من حاور مستقلا عن إرادة الشعب، أوقوة الشعب، فأعتقد أن ذلك سيكون كما قال الله تعالى:
    ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم الأنفال/64 .

    سؤال - 4 : لقد قمت بعِظة أدبية مستمدة من الإسلام، وهذا أمر جيد، وقلت إن المواجهة بالحوار يجب أن تكون مواجهة طيبة لا سلبية. لكن عندما يكون الإنسان مظلوما فإن الإطار القرآني واضح بالنسبة له: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم النساء/841. صحيح أن مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، ولكن في أوضاعنا العربية والإسلامية، هل نستطيع أن نقابل أمثال نتنياهو بالتحيات والكلمات الطيبة ? أنا أعتقد أن مواجهة الظلم بالكلمة الطيبة هو أمر وموقف سلبي، فما قولكم ?
    جواب - 4 : لقد ذكرت أولا بأن محاضرتي هي موعظة، وأنا أعلق فأقول: يشرفني أن أقدم موعظة، لأن الموعظة منهج قرآني، وأحب دائما أن نكون على هذا المنهج.ثانيا : أرجو أن يتذكر السائل الكريم كلمتي التي قلت ها والتي أعيدها الآن: إن رفضت محاورا فتحول محاربا حتى تعود محاورا، وإن ظلمت فمنعت من إرسال الكلمة فانطلق مقاتلا إلى أن تستطيع إرسالها، وإن أخرجت بالقوة الظالمة من دارك التي تملك موثقا على أنها دارك فادفع الفعل بمثله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم . وإذا كنا قادرين على أن نضع السيف موضع الكلمة حيث لم تعد تنفع الكلمة وتصلح فسنكون مقصرين، وهذه قضية واضحة وجلية. لقد قلت كلمة وأعيدها: لسنا ضد أحد، ولكن لا نسمح لأحدأن يكون ضدنا.

    سؤال - 5 : يكون الحوار أحيانا بسبب وجود منكر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:(من رأى منكم منكرا فليغيرهبيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) كيف توفق بين هذا الحديث وبين قولك حاور ولا تقاتل?
    جواب - 5 : لا أقول حاور ولا تقاتل على إطلاقها، كما نوهت قبل قليل، ولكنني أقول: حاور من وافقك لتكون الموافقة عن بينة، وحاور من خالفك لتكون المخالفة عن معرفة، حتى تستدرك هذه المخالفة بالمعرفة، فإذا استدركت من خلال الكلمة فبها ونعمت، وإن لم تستدرك بالكلمة فيمكن أن تتابع بغير الكلمة. أما فيما يتعلق بالحديث الشريف، فإنه لا يعني أن هناك ترتيبا، فإذا ما كنت أمام منكر يجب أن أغير بيدي... لا. هذه اليد ينبغي أن تقوم على بي نة كلامية، وأن أوضح أن هذا منكر، وإذا ما أزال الإنسان الذي ارتكب منكرا بيده فعلي ألا أعمل يدي لأنني أطلب، فلتكن الإزالة بيد الآخر، وليس بيدي، فالمقصود بالحديث بـ ( يده) ليس يدالمستنكر للمنكر، وإنما المهم الإزالة الفعلية، وتحبذأن تكون بيد غيرك أنت، أيها الآمر بالمعروف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى الناس عن أن يشربوا الخمر فهم الذين قاموا وأهرقوا الخمر في شوارع المدينة.

    سؤال - 6 : يقول محمد عابد الجابري باستقالة العقل العربي، وانتصار العرفان، وتحو ل البيان إلى عقل عادة ، وتحو ل البرهان إلى عادة عقلية ، وهذا من المظاهر الرئيسة لظاهرة الاستقالة في العقل العربي ، ما رأيك بهذا الكلام? وإن وافقتموه فهل تعتقدون أن أصحاب التيار العرفاني استطاعوا إدارة الحوار في العالم الإسلامي ?
    جواب - 6 : فيما يخص الحوار في العالم الإسلامي سبق وأن قلت : إنه لا يزال ضعيفاً ، بغض النظر عمن يقوده أو يمسك بدفته ، ولكنني لا أستطيع أن أقول إن العقل العربي استقال أو لم يستقل ،أقول : إن العقل العربي الآن يبحث عن مصدر ، ألم تر أن الواحد منا عندما يتحدث عن القرآن ، أو يأتي بآية من القرآن ، أو بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخيل للإنسان العربي المستمع أنه يسرد كلاماً أدبياً ? المشكلة ليست في أن العقل العربي استقال ، ولكن في أنه يتخبط في البحث عن مصدر وعن مادة ، لأن العقل هو قوة وقدرة على المحاكمة ، ويحتاج إلى مادة يتعامل معها . العقل العربي في حيرة من أمره ، هل يتعامل مع المادة الإسلامية التي جاءت عبر المصادر ، أم يتعامل مع غيرها ؟ ولذلك تطرح مشاريع مختلفة : مشروع إسلامي ، مشروع اشتراكي ، ويساري... إلخ ، ونحن نريد أن يستفيق العقل العربي ليعود إلى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان ، وهذا أدبيات ، وعلم ، وموضوع ، وحوار ، وصيغة ، والله أعلم .

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017