آخر تعديل الإثنين 16 يوليو 2018
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 623694

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم

    لا زلنا في لطائف سورة الشعراء، وقد وصلنا إلى قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام:

    ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم

    اللطيفة الأولى: أريد بدايةً أن أسألكم، لا على سبيل الاختبار والامتحان، بل على سبيل المدارسة والتفكر: ما الذي تعنيه هذه الآيات في فهمكم لها ؟ وأظن أن معظمكم سيقول: المعنى واضح، فلا مالَ ينفع ولا بنين، بل النافع يوم القيامة هو القلب السليم.

    وهنا أسأل السؤال الثاني: هل المال والبنون لا ينفعان يوم القيامة فعلاً ؟ أم إنهما قد ينفعان ؟

    والجواب: إن كلنا يعلم أن المال ينفع، وأن البنين ينفعون أيضاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له". والصدقة الجارية مال... والولد الصالح من البنين ! إذن: ما الذي تعنيه هذه الآيات فعلاً ؟

    ومن أجل الجواب أطرح سؤالاً جديداً: ما إعراب (مَنْ) في قوله تعالى: ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم ؟

    نحن نفصل بين الآيتين في الإعراب، والصحيح أن نجعلهما متصلتين معنىً وإعراباً، ليكون تقدير الكلام: يوم لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا من أتى الله بقلب سليم، فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البر، وبنوه الصالحون. فـ (مَنْ) هنا مفعول به للفعل (ينفع) وليست مستثنى، فأداة الاستثناء هنا لا عمل لها.

     اللطيفة الثانية: ما الذي يعنيه وصف (سليم) ؟ هل السلامة لا شيء ؟ أي هي مجرد الخلوّ من العوارض والفراغ منها ؟ السلامة – في ما أراه – تعني: إمساك الشيء على ما يناسبه، أي على وظيفته التي خُلِق لها. وأضرب مثالاً من أجل التوضيح: الكَفُّ السليم هو الذي يمسك على ما يناسبه، وما يناسب الكف هو القبض والبَسط، فإن كان الكف قادراً على القيام بوظيفته، ممسكاً عليها، متمكناً منها، فهو كف سليم. والعين السليمة هي العين التي تمسك على ما يناسبها، أي تقوم بوظيفتها، وهي الإبصار. والأنف السليم هو الأنف الذي يمسك على ما يناسبه، وما يناسبه هو الشم. والجسم السليم هو الجسم الذي تقوم أعضاؤه وأجهزته بوظائفها التي خُلقت لأجلها. فالجثة لا تسمى سليمة، وإن كانت تامة الأعضاء لا نقص فيها، لأن هذه الأعضاء لا تمسك على ما يناسبها، أي لا تقوم بوظيفتها المطلوبة منها.

    ولكن لم قلنا تمسك على ما يناسبها ؟ لقد عبرنا بالإمساك، لأن الإمساك يعني أن يحوز الشيء على ما يناسبه بوفاء واستيعاب، فإن نقص الأداء ولم يحز على وظيفته بوفاء تام، فقد نقص الإمساك، وتراجعت درجة السلامة.

    إذن:

    السلامة أن يمسك الشيء على ما يناسبه. وسلامة القلب أن يمسك القلب على ما يناسبه، وأن يحوز عليه بقوة ووفاء. فما الذي يناسب القلب أن يمسكه ويحوز عليه ؟ إنه الإيمان بالله تعالى.

    وعندها يصبح معنى الآية: يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا إذا كان المال والبنون صادرين عن صاحب قلب سليم ممسك على وظيفته التي هي الإيمان بالله تعالى. ولذلك قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة لأن العمل الصالح لا يكون مقبولاً عند الله تعالى إلا إذا استند إلى قلب سليم، وسلامة القلب بالإمساك على ما يناسبه وهو الإيمان بالله.

    وأذكر هنا حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". والقلب المقصود هنا هو القلب حساً ومعنى، فالعمل الصالح كاليد، فإذا لم يكن القلب صالحاً سليماً ممسكاً على وظيفته التي تناسبه لم تستطع اليد أن تؤدي وظيفتها، وأن تمسك عليها كما يجب. هذا على صعيد الحس والمادة، وكذلك على صعيد المعنى، فمن عمل صالحاً – بحسب الظاهر – لكن عمله هذا لم يستند إلى قلب سليم ممسك على وظيفته المناسبة وهي الإيمان، فإن عمله هذا لا ينفعه.

    والجدير بالذكر في هذا المقام أن كلمة (سليم) وردت في القرآن الكريم مرتين فقط، إحداهما على لسان إبراهيم عليه السلام، في هذه الآية من سورة الشعراء، والثانية في سورة الصافات، وقد جاءت هناك وصفاً لإبراهيم عليه السلام أيضاً من قبل الحق تبارك وتعالى إذ قال: ﴿وإنّ من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكاً آلهة دون الله تريدون الصافات/83-86. أي جاء ربه بقلب سليم ممسك على ما يناسبه وهو الإيمان بالله تعالى، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿أئفكاً آلهة دون الله تريدون، أي إن قلوبكم أمسكت على ما لا يناسبها، وهو الإفك، فإن أردتم النجاح فلتمسك قلوبكم على الإيمان بالله تعالى، فهو وحده المناسب لها.

    ولأن الإيمان وظيفة القلب فقد عرفه العلماء بقولهم: هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. ولما سأل ذلك الرجل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قل في الإسلام قولاً لا اسأل عنه أحداً بعدك. أجابه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قل آمنت بالله ثم استقم".

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2018