آخر تعديل الأربعاء 21 يونيو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 580582

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    بين عولمتين ، عولمة الغرب وعولمة الإسلام ، وعلى العاقل أن يختار

    القسم الأول : عولمة الغرب :

    أولاً : تعريف العولمة :
    العولمة : من العالم ، على وزن " فوعلة " أو " فعللة " وهو رباعي مخترع . وتعولمنا : أي صرنا عالميين . والعالمية : اتحاد شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة بالجملة . ويغدو الانتماء للعالم كله بدلاً من الانتماء لدولة ، فهي باختصار : إعطاء الشيء صفة العالمية من حيث النطاق والتطبيق .
    وقد عرفت العولمة بأنها : الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البعدين الزماني والمكاني مما يجعل العالم يبدو صغيراً يحتم على البشر التقارب بعضهم من بعض .
    وهناك تعريف يقول : هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك ، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة ، أو انتماء إلى وطن محدد لدولة معينة ، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية . وهي باختصار : هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم ، مضافاً إلى انتشاره في الظاهر .
    وبعبارة أخرى : هيمنة النمط الرأسمالي الأمريكي ، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي ، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي وذلك ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي وهو الفضاء الكوني برمَّته ، وتعيين زماني تاريخي وهو حقبة ما بعد الدولة القومية .
    وإن هذا المعنى يصب في عودة الهيمنة الغربية من جديد ، ولكنها تحمله على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح ومدججة بالعلم والثقافة ، حتى وإن كانت غير إنسانية ، وهكذا خرج النظام الرأسمالي من واجهة المزاحمة والمنافسة الحرة إلى واجهة الاحتكار والهيمنة والاستعمار .
    ونؤكد هنا أمراً نستعجل ذكره فنقول : إن الرأسمالية والعولمة مخالفة للفطرة والعقلانية ، وسيكون مصيرها نتيجة لهذا نفس مصير الشيوعية والاشتراكية سقوطاً وزوالاً ، ولعل " عولمة الإسلام " الجادة الصحيحة هي المرشح البديل .

    ثانياً : جذور العولمة الغربية :
    ظهرت الليبرالية الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد سقوط الشيوعية وتفكك الاشتراكية وتفسخ اليمين التقليدي ، وكان ظهورها بثوب العولمة لتغزو كل الدول وتدعو إلى حرية انتقال رأس المال ، وإلغاء الحواجز الجمركية ، والإطاحة بالأنظمة لتعزيز حرية المبادلات التجارية ، بحيث أفرز نوعاً من التباعد بين النشاط المالي والنشاط الاقتصادي ، فمن أصل رأسمال قدره ألف وخمسمائة مليار دولار تدور في دوامة العمليات اليومية على الصعيد العالمي نجد أن هناك واحداً بالمائة فقط يخصص للبحث عن ثروات جديدة ، بينما يدوَّر الباقي في إطار المضاربات . ومعه تحول النظام الرأسمالي إلى نظام عالمي بقيادة أمريكا ، والسبب هو أن أمريكا واسعة من حيث الثروات وديموقراطية ولو بنسبة من حيث النظام ، وممتدة من حيث الجغرافية ، ووفيرة من حيث السكان ، وقد ابتدأت أمريكا بسلوك اتجاه فرض هيمنتها على العالم ، مع تعاظم القوة الاقتصادية للشركات المتعددة القوميات ، والتي مثلت سلطة هذه العولمة دون أن تعلن عن هويتها أو ولاءاتها .
    وكلنا يعلم ويذكر المظاهرات الاحتجاجية التي نظمت في " سياتل " عام ألفين ، بمناسبة اجتماع وزراء الدول الأعضاء في منظمة التجارة الدولية , وقد استطاع المتظاهرون احتجاز الرئيس الأمريكي " بيل كلينتون " في الفندق أربع ساعات ونصف , وبعد أن وصل إلى المؤتمر أشار في خطابه إلى أن الدول يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الشعارات التي نادى بها المتظاهرون , وقد سمعها بنفسه وكان منها :
    - " الرأسمالية وحش قاتل " .
    - " نطالب بقيم الإنسان , وليس بقيم ملاَّك الشركات الكبرى " .
    - " النظام الرأسمالي يدفع المواطنين إلى الانتحار " .
    وكذلك جرى في " ما لبورن " باستراليا , إذ قامت مظاهرة مناهضة ومنددة إبان افتتاح " قمة آسيا المحيط الهادي للمنتدى الاقتصادي العالمي " , وكان من جملة ما رفعه المتظاهرون من شعارات :
    - " ناهضوا العولمة قبل أن يملكنا رجال الأعمال والمال " .
    وفي بيان وقعته / 1200/ منظمة من سبع وثمانين دولة جاء فيها : " إن منظمة التجارة العالمية في السنوات الخمس الأخيرة قد أسهمت بدور بارز في تركيز الثروة في أيدي أقلية من الأثرياء , جنباً إلى جنب مع تفشي الفقر لأغلبية سكان الأرض , ... إن الاتفاقات التي أبرمت في الأرغواي للتجارة قد استهدفت فتح أسواق جديدة لصالح المؤسسات متعددة الجنسيات , وعلى حساب الاقتصاد الوطني والعاملين الزراعيين " .

    ثالثاً – أهداف العولمة الغربية :
    إن أهم أهداف العولمة الغربية : سيادة النظام الغربي , وهيمنة الأفكار الغربية وثقافتها , إذ أن جوهر وكُنه عملية العولمة يتمثل - وبصورة خاصة – في تسهيل حركة الناس وانتقال المعلومات والسلع والخدمات على النطاق العالمي .
    وتشمل الحركة والانتقال , إذاً , أموراً ستة :
    أ – رأس المال .
    ب – السلع .
    ج – الأفكار .
    د – الأفراد .
    هـ -الخدمات .
    و – المعلومات والمؤسسات الاقتصادية .
    وعلى هذا : فالعولمة الغربية تتجلى أكثر ما تتجلى في مجالين أساسيين هما : المجال الاقتصادي والمجال السياسي . وقد تداخل المجالان وتبدًّيا من خلال :
    أ – الإقبال المتنامي على التكتل الاقتصادي .
    ب – تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات وتنامي أرباحها .
    ج – إثارة المشكلات الاقتصادية وتدويلها : كالفقر والأمية والتلوث .
    د – تزايد دور التقنيات والتغييرات السريعة في أسلوب الإنتاج ونوعيته .
    هـ - شيوع ظاهرة القرية العالمية والأسرة الواحدة , وكثرة الاحتكاك بين الشعوب .
    و – تقدم وسائل الإعلام وتطورها , وتأثيرها الكبير على حياة الإنسان , وتشابك الثقافات وتداخلها .
    ولا يخفى بعد هذا : أن العولمة أضحت تعني " الأمركة " والأمركة تعني السيطرة والهيمنة والتحكم والتلاعب بالسياسة والاقتصاد في مختلف البلاد والعباد , بل قد أخذت تمتد وتمتد لتطال ثقافات الشعوب , وتنال من الهويات الوطنية والقومية , وطفقت تسعى جادة لتعميم نمط من السلوك والأخلاق والآداب وأساليب العيش والتدبير , والأمر في حقيقته احتلال للعقل وللتفكير , وتسييرهما بعد الاحتلال وفق أهداف المحتل ومصالحه الشخصية , وقد أشار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب إلى ذلك وأكد عليه حين قال في أجواء الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية : " إن القرن القادم سيشهد انتصار القيم الأمريكية وأنماط العيش والسلوك الأمريكي " .

    رابعاً : أدوات العولمة الغربية :
    1- الشركات متعددة الجنسيات : إن الشركات تعد اليوم من أهم الأدوات التي تستخدمها الرأسمالية الغربية ، ولا سيما الأمريكية ، وذلك للعوامل التالية :
    أ – الشيوع الواسع والانتشار السريع ، ولقد بلغ عدد الشركات متعددة الجنسيات ما يقرب من أربعين ألف شركة ، يطال نشاطها القارات الخمس والمحيطات الست .
    ب- نهوض تلك الشركات بمهمة تدويل المنتجات والخدمات والتجارة والاستثمارات ، مما أدى إلى سيادة أنماط عالمية في ميدان الاستثمار والاستهلاك والتصدير والتسويق .
    جـ - انسلاخ النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي عن المواقف المشرفة وعن المشاعر والعواطف الإنسانية كلما تصادم حق الإنسانية مع حيوية الاقتصاد ، وقد فصل عن العمل في المؤسسات الأمريكية ما يقارب خمسين مليون عامل ، في مدة لا تتجاوز العشرين عاماً الماضية .
    2- إسرائيل إحدى أدوات العولمة : لأنها تفتت الوحدة المنشودة لمنطقة الشرق الأوسط ، أو للأمة العربية ، في رأس حربة تغرز في جسم من يمكن أن يحمل لواء عولمة مقابلة ، بل محبطة لعولمة الغرب .
    وقد سعت أمريكا منذ فترة ليست وجيزة إلى دعم إسرائيل مادياً وعسكرياً واقتصادياً ، وقد صرَّح أحد الرؤساء الأمريكيين قائلاً : " إن لأمريكا مصلحة خاصة ليس في إسرائيل فقط ، بل في التعاون المشترك بين بلدينا في المنطقة ، ونحن نتفهم ونؤيد بحزم حاجة إسرائيل إلى الاحتفاظ بالتفوق العسكري النوعي على خصومها العرب ، ويلزم إقامة لجنة أمريكية إسرائيلية مشتركة في ميدان التقنيات وصنائع القرن الحادي والعشرين " .
    3- الفساد الجنسي : لأنه يجلب اقتصاداً للشركات الكبرى ، وهذه الشركات لا يهمها إلا الربح ، ولم يعد الأمر بالنسبة لها فضيلة أو سواها ، بل القضية احتكار ربح . وتفيد أرقام منظمة الصحة العالمية أن خمسمائة ألف امرأة وصلن إلى دول الاتحاد الأوروبي في نهاية 1995 عبر المتاجرة بهم ، وقدر المسؤولون الأمريكيون في مؤتمر بكين الخامس عدد تلك النساء اللواتي دخلن إلى الولايات المتحدة الأمريكية بخمسين ألف امرأة .

    خامساً : سلبيات أخرى في العولمة الغربية :
    1- يحكم هذا النظام قانون تضخيم الأرباح ولو على حساب أرواح جياع ملايين من الناس.
    2- يحكم هذا النظام العلمانية " التي ترفض كل الشرائع الإلهية ، ومرجعية النظام العلماني : المنفعة الخاصة المادية " .
    3- أشاعت الفساد الأخلاقي ، فقد انتشرت المخدرات ، وجرائم القتل ، وسقطت كرامة الإنسان ، وبُدِّل أمنه خوفاً ، وهبطت المثل ، وتفوقت الماديات على المعنويات في كل شيء .
    4- انتشر الفقر وازداد سطحاً وعمقاً ، فقد دلت الدراسات على أن ثلاثة مليارات ونصف المليار من سكان العالم لا يحصل إلا على 6% فقط من الدخل العالمي ، فيما يحصل الملياران ونصف المليار الأخرى على 94% من الدخل العالمي ، وفي تقرير رسمي نشر فيه : " إن أربعين ألفاً يموتون يومياً جوعاً ، وإن ما يقرب من مليار إنسان يعانون من سوء التغذية ، وإن حوالي مليار ونصف المليار من دون مياه صالحة للشرب ، وإن مليار إنسان عاطل عن العمل ، وإن ثلاثمائة وخمسين ألف طفل يموت يومياً في أنحاء العالم ، بينما يقدر ما تسيطر عليه شركات السلاح وأسواق المخدرات من المال بـ 90% من الاقتصاد العالمي .
    5- إن العولمة الغربية قضت على حقوق الإنسان الثقافية : فالعولمة الغربية كالوحش الكاسر ، التي تأتي على الأخضر واليابس الذي نبت خارج إطارها ، لتمحوه وبدون هوادة ، ومن المعلوم أن لكل مجتمع قيمه المتجذرة فيه ومُثله الراسخة في ضميره ، وهذه القيم وتلك المثل هي التي تشكل نظرته ، لكن العولمة تقضي عليها وتُحلّ محلها قيمها ومثلها المادية ، ولا يخفى أن المعاهدات الدولية تؤكد على أن للإنسان الحق في التمسك بثقافته الخاصة ، والتكلم بلغته الخاصة ، والتجاهر بدينه الخاص والإعلان عن مذهبه الخاص ، ولكن العولمة تبغي تعميم ثقافة واحدة على سائر أركان المعمورة ، وهل هذا إلا افتراء ؟! وقد عرف عن أمريكا تفوقها على بقية الدول في نسبة ما تصدر من مواد ثقافة فكرية وترفيهية ، تنشيطية ، ومسرحيات وأفلام وبرامج ، إلى حد أن صادراتها في هذا الشأن تفوق صادراتها في المجالات الأخرى .
    6- بلاء التلوث الذي سببته الصادرات الصناعية الأكثر تلويثاً للبيئة ، وقد تكون المجتمعات المستوردة ليست ذات حاجة ، لكنها وبفعل ضغط الدعاية العولمية والتسهيلات المادية ظاهراً تغدو في حالة شعور بحاجة إلى ذلك .

    القسم الثاني : عولمة الإسلام :

    أولاً : تمهيد :
    خلق الله الإنسان على فطرة اجتماعية ، فهو أبداً يهوى العالمية " العولمة " والتعولم ، فقد قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 . والإنسان أينما كان وحيثما كان موطنه فهو إنسان ، له ذات المشاعر والأحاسيس التي يحملها الآخر بشكل عام ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : " المؤمن آلف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف " . ولهذا فالعولمة الصحيحة غاية إنسانية لا بد منها ، ولعل أهم الهواجس الإنسانية لدى الإنسان البحث عنها والدخول فيها فرداً ذو مستوى معين يرتقي ويرتقي حتى يصل إلى سدة الخواص ، فخواص الخواص ، وذلك بالسعي النافع والعمل الناجع والعطاء المفيد ، فخير الناس – على سبيل العموم – عند الله أنفعهم لعياله ، كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

    ثانياً : الإسلام نادى بالعولمة ودعا إليها :
    وها نحن نستعرض نداءات القرآن للناس كافة من أجل أن ينضووا تحت لواء الإسلام , دين الإنسان العالمي منذ بدء الخليقة وإلى قيام الساعة .
    قال تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) . آل عمران : 19 . ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) . آل عمران : 58 . وقال أيضاً مخاطباً رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . سبأ : 28 . وقال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) . الأنبياء : 107 . وقال تعالى : ( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ) الأعراف : 158 .
    وقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل نذكر منه موطن الشاهد ، أخرجه مسلم : " وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " .
    أجل ، لقد نادى الإسلام بالعولمة وفق أسس لا مناص من قبولها إذا أعمل الإنسان عقله وفكره فيها وأخلص للخير والنفع العام ، لكن الحكام غير الشرعيين الذين تعاقبوا على حكم قسم أو أقسام من عالم الإسلام غيَّروا وبدلوا وحرفوا وألحقوا بالإسلام ما ليس منه ، نقصوا منه ما هو من صميمه ، فحرموا العالم أو بعضه أو ربما جله رحمة العولمة الخيرة .
    وتقدم الزمان وتوالت أجيال محرومة من عولمة الإسلام ، وتململ الغرب من جهته ، وتحرك من تحت سياط الاستبداد ونير الاستعباد باحثاً عن النور فلم يبصر من جهة بلاد الإسلام إلا مظالم صادرة عن حكام ، وأخرى مثلها أنتجها تجار لبسوا لَبُوس الإسلام في ادِّعائهم ، لكنهم كانوا أُسارى منافعهم وأهوائهم وأغراضهم ، لذلك حنقوا على الإسلام ، وجهدوا باتهامه بعدم الصلاحية ، وجدوا في القضاء على الخلافة العثمانية التي ساهمت بنصيب غير قليل في تغيير صورة الإسلام النقية ، وقسموا العالم كتلتين ، إحداهما غربية والأخرى شرقية ، ولما ذاقوا وبال هذا التقسيم عملوا على توحيد العالم فحذفوا الكتلة الشرقية من الخارطة ، وقرروا توحيد العالم تحت عولمة غربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .

    ثالثاً : مقومات العولمة الإسلامية :
    إن الواجب علينا نحن الذين أسلمنا لربنا تحقيق العولمة الصحيحة ، وذلك بإعادة الاعتبار للإنسان وفق ما أمر الإسلام ، وإحياء الخلق الإسلامي ، ومفاهيم الحوار الحر ، كما كان الأمر جارياً مع كل الأديان والمذاهب على طول التاريخ الإسلامي ، انطلاقاً من مبدأ الأخوة الإنسانية والإسلامية غير المنحصرة في ضيق القوميات والعرقيات وغير المحدودة في الجغرافية المصطنعة والإقليمية ، وذلك على غرار ما أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها . وعلى ضوء هذه التقدمة نذكر المقومات التي هي :
    1- الشرعة الإلهية ، أو الدستور الرباني : فالله هو الخالق والمنشئ والمبدع والعليم والحكيم ، وهو بالتالي المفوّض وحده بالتشريع وإرساء أسس التعامل وقوانين العلاقات المختلفة بين الإنسان والإنسان ، وبين الإنسان وربه ، وبين الإنسان والكون ، ومن أَولى بالإنسان منَ الله بذلك ؟! لا سيما وأنه طرح ذاته لهذه القضية فقال : ( ألا له الخلق والأمر ) الأعراف : 54 . أي له وحده خلق الخلق والتشريع ، وقال تعالى : ( ومن أصدق من الله قيلاً ) النساء : 122 . وقال تعالى : ( إنِ الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) الأنعام : 57 . ( ثم رُدُّوا إلى الله مولاهم الحقِّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) الأنعام : 172 . ( إنِ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) يوسف : 40 . ( وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) القصص : 70 . ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ) الممتحنة : 10 . ( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) يونس : 109 .
    2- شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن قبله سائر الأنبياء عليهم السلام : والأنبياء يقومون بتجسيد الشرعة والتشريع , و تجلية الدستور في سلوك وسيرة , والإنسان عامة ً بحاجة ماسة بعد المبدأ المنطقي المناسب بحد ذاته إلى رؤيته مطبًّقاً منفذاً , وقد قلت في أكثر من مناسبة : " منطقية الفكرة تورث القناعة , ورؤيتها من خلال أنموذج عملي واقعي تخلِّف في القلب – مركز الإنسان – الاستقرار والاطمئنان " .
    وقد قال تعالى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وينسحب هذا على سائر إخوانه الأنبياء : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) آل عمران : 31 . وقال أيضاً : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) الأحزاب : 21 . وها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاته يخاطب العالم كله عبر رسائل وجهها إلى الملوك والرؤساء الذين كانوا في عهده ، ويبقى خطابه موجهاً إلى كل من جاء بعدهم فملكَ أو رأسَ أو حكم ، وحسبي هنا أن أشير إلى بعض ما ورد في هاتيك الرسالات على سبيل المثال وليس الحصر ، فقد جاء في الرسالة التي وجهها إلى هرقل عظيم الروم : " من محمد عبد الله ورسوله ، إلى هرقل عظيم الروم ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) آل عمران : 64 . وجاء في رسالته صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى : " أدعوك بدعاية الله عز وجل ، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين " وقال في رسالته إلى ملك البحرين : " فإنه من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم ، له ذمة الله وذمة رسوله ، فمن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن ومن أبى فعليه الجزية " .

    4- الاعتراف بالإنسان الآخر والإقرار بحقوقه كاملة :
    جعل الإسلام الإنسان وحقوقه محور عولمته ، فالإنسان مكرّم أيَّما تكريم ، وحقوقه جدُّ مصونة ، وينبغي الأخذ بعين الاعتبار اتساع دائرة حقوق الإنسان اليوم اتساعاً كبيراً ، بحيث أصبحت تتناول قضايا لا يمكن معالجتها في نطاق إقليمي محدود ، بل تجب معالجتها على مستوى العالم ، كالحق في تحقيق السلام الذي غدا بحاجة إلى تصميمات أوسع نطاقاً من الدول المتنازعة والأطراف المتخاصمة ، وكذلك الحق في تحقيق التنمية الذي غدا بحاجة إلى تصميمات أوسع نطاقاً من الدول المتنازعة والأطراف المتخاصمة ، وكذلك الحق في تحقيق التنمية الذي أضحت فيه مسؤولية الدول القادرة متجلية واضحة تجاه الدول التي تنعدم فيها إمكانات التنمية ، لنقص الموارد وفقد المواد الخام ، وكذلك يكون الحق في امتلاك بيئة نظيفة عديمة التلوث . وعلى هذا فالحقوق الإنسانية كلها ما قَدُم منها وما جدّ ، ما ضاق وما اتسع ، مرعية ومحفوظة ومعتبرة ، بدءاً من حق الحياة ، ومروراً بحق الكرامة ، وانتهاءً بحق التعبير عن الرأي والفكرة .
    ولا نريد هنا سرد الآيات والأحاديث التي فصَّلت هذا الشأن ، لكننا نكتفي بالتقرير فقط ، لنحيل راغب الإطلاع على المستندات والأدلة الشرعية ، إلى محالِّها من المصحف الشريف وكتب الحديث وكتب السيرة النبوية ، ومؤلفات الوقائع الاجتماعية لمراحل إسلامية ، وهكذا .

    خامساً : وفي النهاية أمران :
    1- تحذير : إذا لم ينتبه المسلمون لأنفسهم ويُعنَوا بأحوالهم ، فستكون خاتمتهم استعماراً جديداً تلفهم به العولمة ، وإذا ما وَعوا فإنهم قادرون على مواجهة العولمة الغربية الجانحة بعولمة إسلامية عادلة ، وهم يمتلكون مقوماتها ، وقد ذكر العالم الألماني " بول اشميد " في كتاب له كتبه قبل نصف قرن ، يحذر الغربيين من المسلمين ، ويحرِّضهم على إشعال الحروب الصليبية ورعادتها ضدهم ، ويعلل ذلك بأن المسلمين سيتغلبون عليهم إذا لم يتدارك الغرب الأمر ، وذلك لنقاط قوة المسلمين ، وهي :
    1- قوة الثروات الطبيعية .
    2- كثرة النسل .
    3- الموقع الجغرافي ، فهو في منطقة حساسة هامة .
    4- وثَّابية الدين الإسلامي ، وانتشاره السريع ، واستقطابه للجماهير ، بما يحمله من سهولة ومرونة وانفتاح وحرية ومنطق وعقلانية وحركة ونشاط .

    2- مصير العولمة الغربية : إن العولمة الغربية في نظر ذوي العقول السليمة لم تؤسس على أسس عقلية ومنطقية ، ولا على قواعد أخلاقية ولا إنسانية .
    وعولمةٌ هذه ملامحها السقوط مآلها ، كما حدث للعولمة الشرقية الشيوعية التي قامت يوم قامت على ذات المعايير المتخلية عن العدالة والفضيلة ، التي تقوم عليها عولمة الغرب اليوم .
    وعلى الجميع أن يعلم :
    إن عولمة الإسلام هي التي ستبقى ، لأنها تجمع بين ضرورة الازدهار المادي والعدالة والفضيلة والإحسان ، وليحذر المسلمون الذين يخالفون في دعوتهم للعولمة هذه الأسس أن يصيبهم ما أصاب أصحاب الشرق وما سيصيب أهل الغرب ، لأن لله سنناً عادلة تطال الناس بالسواء دون تمييز ، قال تعالى : ( كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء

     ربك وما كان عطاء ربك محظوراً ) .


    - ألقيت في قاعة المركز الثقافي في مدينة إدلب / سوريا ، تاريخ: 25/2/2003
    - وألقيت في  مجلس كنائس الشرق الأوسط في دير القديس يوحنا - مطرانية الروم الأرثوذكس -
       الجديدة - جسر الشغور بتاريخ : 21/10/2002

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    الإسلام وتنظيم الأسرةرؤية أولية لتفعيل دور الإسلام في الغرب (1)الإسلام والمخدرات الحوار من الإنسان إلى الإسلامالإسلام والموسيقى

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017