آخر تعديل السبت 23 سبتمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 589679

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    الوحدة الإسلامية :طموحٌ مشروع ..ومطلوبٌ تنفيذه وتحقيقه

    الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
    أيها الإخوة: هذه المحاضرة ليس الهدف منها أن اقنعكم بما أقول، بل هي عرض أفكار وأنتم من تناقشون معي هذه الأفكار، فإن كانت تستند إلى أدلة يؤيدها العقل وتستهويها الروح فبها ونعمت، وإلا فالحوار بابه مفتوح بيننا نحن الذين نعيش منتمين لهذا الدين الحنيف، منتمين لأمة عربية، والعروبة مساهمة في حضارة إنسانية أوجدت الآثار الطيبة عندما علت رايتها البيضاء النقية، ليس في أرضها فقط، وإنما في كل بقاع الأرض، ولولا أن العرب قادرون في المساهمة في بناء حضارة كاملة إنسانية ما اختارهم الله عز وجل حملة للرسالة الخالدة التي هي خاتمة الرسائل وهي ليست عرقاً ولا لوناً.
    ونحاول اليوم استنهاض الهمة لتلك الأمة العربية التي اصطفيت لتحمل الرسالة راجين من العلي القدير أن يوفقنا للتحقق من أجل الانتماء الصادق الواعي، وآملين من إخواننا على مساحة الوطن العربي ومن ورائه العالم الإسلامي أن يتحدوا، وأن يبحثوا عن المشتركات ليقفوا عليها وأعتقد أنه كفانا تفرقاً وأن يبتعد الواحد منا عن أخيه، فلقد أكل التمزق أكبادنا، ولقد قلع التأرق أعيننا، فأصبحنا نتصرف من غير أكباد سليمة وأبصار صحيحة، فهل من عودة صادقة إلى رحاب الإسلام الداعي إلى وحدة وتماسك وتعاون وتضامن وتباذل ؟.
    محاضرتي دعوة إلى الوحدة الإسلامية، لأنها بالنسبة لنا طموح مشروع يجب أن نسعى لتحقيقه وتنفيذه، ويجب أن يستقر في عمقنا ليكون الأمل الذي نسعى لتحقيقه وليكون البعد الذي يجب أن يرتسم على أرض الواقع، ولا نريد لهذا الطموح أن يبقى قابعاً في أخلادنا وفهومنا، ولكن نريد أن نحوله إلى خارطة نرسمها على واقعنا بأمانة ووفاء، معتمدين على الكتاب الأعظم الذي جعله الله هداية للإنسان عندما قال: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ ومعتمدين أيضاً على مسيرة إنسان ما أظن أن عاقلاً في الوجود يشك في قيادته واستحقاقه في أن يكون قائداً على مستوى الإنسانية منذ أن خلق الله عز وجل الأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنه سيدي وقائدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال بجدارة وعن استحقاق: "أنا سيد ولد آدم أنا إمام النبيين وخطيبهم".
    سأعرض أمامكم أفكاراً وكما قلت لكم لا أدعو إلى إلزام ولا التزام فإن قبلتم وكما قال روّاسنا: فيا عزي ويا طربي، وإن أبيتم فسنعود للمناقشة مرة ومرة ولن نملَّ الحوار عندما يكون بين إخوة عقد بينهم القرآن الكريم عندما قال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.
    الوحدة الإسلامية التي ننشدها ليست وحدةً إسلامية سياسية، فأنا لا أسعى لإصدار مرسوم عبر منظمة المجتمع الإسلامي من أجل أن يكون هذا المرسوم هادفاً إلى إنشاء دولة إسلامية متحدة، ولكن ما أعنيه بالوحدة أن يستشعر كل منا ضرورة اللقاء مع أخيه الإنسان الذي بينه وبينه مشتركات كثيرة، وأدعو إلى آثار الوحدة الإسلامية، وأدعو إلى تبني ما تسفر عنه من نتائج، وبعبارة أخرى أدعو من أجل أن يسعى كلنا، ولا أريد أن أدعو لوحدة سياسية من أجل أن يقال إن الأمر يقع على عاتق السياسيين والحكام ولكن أدعو إلى وحدة إسلامية شعورية تشعر بفرضيتها عليك أنت أيها الإنسان، وتلتزم بآثارها، وآثارها: تعاون وتباذل وتراحم وحماية ورعاية... وقد جمعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث متعددة، وقد جمعت من خلال الأحاديث الشريفة التي وردت في البخاري ومسلم.
    واعني بالوحدة الإسلامية: الغاية المرجوة التي يجب أن تسعى إليها أنت بنفسك، وأعني بها: ﴿وكونوا عباد الله إخواناً﴾ وأعني بها: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله" وأعني: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وأعني: "طوبى للمتحابين فيّ، طوبى للمتعاونيين فيّ، طوبى للمتباذلين فيّ" أعني: "أين المتحابون فيّ، أين المتعاونون فيّ، أين المتباذلون فيّ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" وأعني أن نطبق هذا على مستوى هذه البلدة وهذا الحضور، وألا يكون بينك وبين هذا الأخ الذي بجانبك تنافر، وإنما أن تتحقق بما تدعيه ظاهراً، فأنت تقول عن هذا الذي يصلي بجانبك أنه أخوك، فإذاً تحقق بهذه الأخوة التي تعلنها أنت بفمك فما ثمرة أن يكون هذا أخاك، أقول: ثمرته كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" فهذا ما أعنيه بالوحدة الإسلامية والتي تبتدئ تطبيقها من أسرتنا بينك وبين أبيك وأخيك وأمك، ومن معملك ومتجرك ومدرستك ومركزك الثقافي ومكتبك وحيّك ومدينتك وقطرك.
    عندما ننادي باتحاد اثنين فأكثر ونقول بأن هذه الوحدة على أرض الواقع يجب أن تعني سلامة الإنسان المتحد معه بدمه وماله وعرضه، وألا يظلم هذا الإنسان إنساناً آخر وأن لا يحقره فهذه هي نتائج الوحدة وثمارها ولكن علامَ نتحد ؟ وهل هناك مشتركات نتحد عليها ؟
    نعم وهذه المشتركات نسميها أسس: فأنتم الآن مشتركون في الحارمية إن صح هذا التعبير بحكم كونكم من حارم، وعندما نقول الوحدة الإسلامية معنى ذلك أننا مشتركون في الإسلام فإن كان هذا الذي بجانبك مسلماً فعليك أن تتحد معه حتى ولو اختلف معك في توجهات عامة يسمح بها الدين الإسلامي وتحتملها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فأسُّ الوحدة الإسلامية هو الإسلام الأوسع، وليس واسعاً فقط بل الأوسع، وهذا الإسلام الأوسع بثوابته هو:
    من قال آمنت بالله رباً وبالقرآن كتاباً وبمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً وبالإسلام ديناً فهذا قد استكمل عُرى الإيمان، وبالتالي يجب أن يكون هذا الذي يقول هذا الكلام أخاك ويجب أن تتحد معه، يقول الإمام الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد: الإيمان بالله وبالرسول وبالإسلام هي الأركان وما عداها فهو فروع.
    لذا فهذا الذي تلتقي عليه مع أخيك هو الإسلام بثوابته، فمن التزم بهذا فهو فرد في أمة متحدة متماسكة وعضو في جسد مترابط إذا اشتكى منه بعضه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
    فليتحد كل أولئك الذين يقولون معتقدين أمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن العظيم كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، والاتحاد كما قلنا تماسك وتعاون وترابط وتباذل وتكافل وتضامن ومواجهة مشتركة لكل معتد أثيم يبغي الفساد والإفساد والضر والسوء، والوحدة فريضة كفريضة الصلاة والصيام، أوَ ليس الله عز وجل قد قال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ أوَ ليس الله قال توصيفاً وهو من باب الفرض: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ إذاً فهل نفكر في هذه الفريضة وفي ضرورة القيام بها والتحقق بها والانتماء إليها أم أننا في غفلة عن ذلك.
    لماذا الوحدة ؟
    1- لأنها فرض ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ وأنا أستنبط من هذه الآية أمرين: فعندما قال اعتصموا بحبل الله لم يقف هنا، بل قال: جميعاً إذاً الآية تستلزم تمسكاً وتماسكاً فنحن مدعون إلى التمسك ﴿واعتصموا﴾ وتماسك ﴿جميعاً﴾.
    2- لأنها محبوب الله منَّا أوَ ليس الله عز وجل قال: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾.
    3- لأن الوحدة رحمة والفرقة شقاء، وهل يعدل العاقل عن الرحمة إلى الشقاء ؟ ولقد جاء عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال:"إياكم والفرقة فإنها شقاء وعليكم بالجماعة فإنها رحمة" وقد روي عن سيدنا ابن مسعود أنه قال: ما أكرهه في الجماعة أحب إلي مما أحبه في الفرقة" إذاً فهي رحمة، وربنا دعانا إليها وهل يدعونا ربنا إلى غير رحمة ؟!. وربنا قال لنبيه في الحديث الذي يرويه البخاري:"الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء" وهذا على الرواية الأصح والتي أتبناها فهو يرحمنا باستمرار.
    واجبات المتحدين:
    الله عز وجل قال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ تُرى ماذا تعني كلمة الأخوة ؟ أنت تقول عن هذا الذي بجانبك في المسجد أو... أخوك وما أعتقد أن أحداً يرفض هذه الكلمة، إذاً ما واجبات المتحدين أو الإخوة نحو بعضهم ؟ بحثت في أكثر من خمسين كتاباً ووصلت في النهاية إلى أن الأخوة لها جناحان، يجب عليك تجاه إخوتك واجبان: النصح والمحبة.
    وإليكم الأدلة على ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" هذا حديث الحب.
    وحديث النصح معروف في صحيح الإمام مسلم وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الدين النصيحة" فلا أريدك أن تنسى واجبك، فلا أريدك ناصحاً من غير حب، ولا أريدك متملقاً من غير نصح، أريدك محباً ناصحاً، قدِّم لي النصيحة على طبق من حب، وقدِّم لي الحب على شرط من نصيحة.
    قلت مرة لبعض الإخوة عن كلمة سيدنا عمر كما جاء في أخبار عمر للطنطاويين: (رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي) حسِّن شكلها وقدِّم لي هذه الهدية، أمَّا أن تقدم لي عيوبي على غير شكل الهدية فلا أقبلها، أما تنصحني من غير حب فلا أريد.
    قال لنا بعض أساتذتنا عن طه حسين لمَّا كتب كتابه في الشعر الجاهلي، وقف كثيرون في مصر وشتموه، وللأسف الشديد استبدلنا بالنصح الشتم، شتمه الكثيرون لكن قام عالم هناك يسمى محمد الخضر حسين رحمه الله، وقف وكان شيخاً للأزهر، وكتب كتاباً في الرد على طه حسين بأسلوب ناصح جاد واعٍ رحموي، مما اضطر طه حسين أن يقف على مدرج جامعة القاهرة وقال: لما كتبت كتابي في الشعر الجاهلي شتمني الكثيرون، ولكن الذي نقدني واحد هو الخضر حسين.
    إذا كنا مأمورين أن نكون من الذين يرحمون من في الأرض، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض – مَنْ: من ألفاظ العموم، أي المسلم وغير المسلم فما بالنا قصرنا الرحمة على المسلم بل ولا على المسلم - يرحمكم من في السماء" قلت مرة: لو أننا سألنا مسلماً: كم عدد المسلمين في العالم اليوم ؟ لقال: مليار وثلاثمئة مليون، ثم نسأله: وهل الشيعة مسلمون ؟ سيقول: لا. نقص منهم خمسمئة مليون تقريباً، نتابع معه: وهل الصوفية مسلمون ؟ سيقول: لا أبداً. نقص ثلاثمئة مليون ونسأل الصوفي السلفية مسلمون ؟ سيقول: لا..... لم يبقَ في النهاية إلا هو فقط وشيخه، وقد ينظر إلى باب الجنة فلا يراه بمنظاره يتسع إلا لشخص واحد، فيقول لشيخه عذراً ويدخل بمفرده ولا تتسع لغيره حسب رأيه. طبعاً هذه ليست جنة لأن الجنة واسعة، بل سيرى الوهم.
    السؤال العام: أليس من الفرض على المسلمين أن يتحدوا ؟ ما أعتقد أن أحداً من المسلمين يقول لا ليس من الفرض ولا من الواجب ذلك، فإذا كانت الوحدة مع المسلمين فرضاً فقل لي مع أيٍ من المسلمين ستتحد ؟ وهل تريد أن تتحد مع المسلمين الذين لم يحددهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم الذين حددهم ؟ طبعاً مع مَن حددهم رسول الله وأطرهم فمثلاً أسوق لك حديثاً في صحيح الإمام مسلم يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة دعها لقومه في حياته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً"، وهناك حديث آخر صحيح يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة" وربما قال قائل لكنه لم يقل لا إله إلا الله على النغمة التي أقولها أنا، أقول ابتعدوا عن كل الإسقاطات التي لم يقلها الإسلام.
    إذاً الوحدة فرض فإن كنت تقر بهذا فأين سعيك لها ؟
    أرأيتم يا إخوتي إلى الصحابة هل كانوا متحدين أم لا ؟ طبعاً الجواب نعم كانوا متحدين، رغم أنهم كانوا يختلفون ويتناقشون وكان الواحد منهم يأتي إلى الآخر الكلمة بكل قوة.
    وكلنا يذكر أبا بكر الصديق عندما قال في ساعة من الساعات لعمر وقد أخذه من تلابيبه: يا عمر أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، والله لو منعوني عناق بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.
    ومن باب الإسقاط على وضعنا الراهن اليوم قلت لبعض الإخوة: لو أن شيخاً قال لي مثل هذا الكلام اليوم لما كلمته إلى أن أموت أو يموت وسأقول لمن بعدي من التلاميذ لا تكلموه لأنه أساء إليَّ، فهنا وضعت نفسي موضع الإسلام، وبعد أن انتهى هذا الحوار بين سيدنا أبي بكر وعمر رجعا كما كانا، فمنَ الممكن أن نختلف ونتناقش ونتحاور وتعلو أصواتنا إلا أن هذا لا يعني أن نقطع أواصر الوحدة التي فرضها الله عز وجل علينا.
    يا هؤلاء إن لم يوحدكم الإسلام بمؤيداته الدنيوية والأخروية، فقولوا لي بربكم: ما الذي سيوحدكم ؟ فالجغرافيا اليوم لن توحدنا، لأن عدونا تحكَّم بها وراح يقسم على خاطره ولا أريد أن أتحدث الآن عن سايكس بيكو ولا حدود العراق ولا الجزر التي سيقيمها الأمريكان في العراق بحجة حماية المسلمين من بعضهم.
    وربما قال لي أحدهم: ما العراقيل التي يمكن أن تعرقل الوحدة الإسلامية ؟ أقول كما قال أبو بكر في الكلالة: هذا رأيي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان
    العراقيل هي:
    أ- التعصب المذهبي المفضي إلى التكفير والإقصاء، فكم أوقعنا مثل هذا التعصب في فخ أعداء الله فكنا لهم طمعاً وكانوا علينا أسياداً قساة، فلنستبدل بالتعصب التسامح فيما بيننا وليقبل كل مذهب فينا المذهب الآخر ما دامت أسس الوحدة الإسلامية متوفرة فيه.
    ولا نريد – أبداً - أن يتخذ رأي لعالم في السابق أو للآخر معاصر حاكماً على بقية الآراء بل كلهم من القرآن الكريم ملتمس، "فمن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه"، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم. ونحن نقول بأن الظنيات لا تتعاير على بعضها، وأن هنالك قطعي وهنالك ظني فالظنيات لا تتعاير على بعضها ورأي هذا العالم لا يتعاير على رأي العالم الآخر، وأنا أقول للمفتين الآخرين الذين يريدون توحيد الآراء، لماذا تريدون أن توحدوا ما الله عز وجل أراده مفرقاً للتيسير على الناس، ورحم الله الإمام عمر بن عبد العزيز: (ما أحب أن أصحاب محمد لم يختلفوا فإن في اختلافهم رحمة). لكن أشترط عليكم أيها القائمون على الفتوى أن تراقبوا الله في فتواكم وأن تكون عن علم.
    ب- الجهل بالآخر أو جهل الطرف الثاني الذي ترفض الوحدة معه ضمن إطار ديننا الحنيف، فيا هؤلاء اتقوا الله وأنتم تنقلون عن بعضكم، وإذا لم تتأكدوا فاسكتوا واصمتوا، فعلى مثل الشمس أمرنا أن نشهد، وإلا فلندع، وإن جاءنا فاسق بنبأ فلنتبين أن نصيب قوماً بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين، ولئن تخطئ في العفو خير من تخطئ في العقوبة، ويقول ابن عابدين في المجلد الرابع من حاشيته: لو كان هناك بالمئة تسع وتسعون احتمال كفر واحتمال واحد من إيمان، فلا يجوز الحكم عليه بالكفر.
    ج- الضعف المستحكم المؤدي إلى الاستسلام لطلبات أعداء الإنسانية منا فقد ضعفنا حتى أضحينا نتلمس القوة من عدونا، وعجزنا حتى غدت الوحدة والاتحاد خارج مسافة طموحنا. بل إن غاية ما نطمح إليه اليوم استقواء بقوة بشرية أرضية طاغية في مواجهة من يجب أن يكونوا إخواننا ومعنا....
    و أقول بعد هذا الكلام:
    الوحدة الوحدة قبل فوات الأوان وتلقي اللعنة، اللعنة من الأجيال القادمة، نحن الآن في سلسلة التاريخ، والتاريخ حلقات السابق منها سلف والتالي خَلَف، نحن الآن نتغنى بالسلف لكن ننظر إلى أنفسنا فنرى أننا لم نعد نشكل حلقة في سلسلة يشكل السلف إحدى حلقاتها، نحن خارج السلسلة، ويمكن أن يأتي جيل يقول عنا بأننا السلف الصالح ؟ ما أعتقد ذلك، بل سيتجاوزنا إلى من قبلنا... فنحن وهْم حلقة نحن سراب.
    وقلت أيضاً: إننا حملنا المعتقد سيفاً يقطع صِلاتِنا ببعضنا، ويبعد الأخ بتبرير القرآن عن أخيه، فيا ويحَ ذَيَّاكَ المُعتَقدِ ويا بُؤسَه، فإنه إن كان كذلك فليس هو – ورب الكعبة – بمعتقد، ولا يَصِحُّ أن يكون منسوباً إلى الخالقِ الحكيمِ الرحيم، ليكون واجباً نظرياً مفروضاً على عقولنا وأفئدتنا.
    بئست المعتقدات المُفَرِّقة لمن جَمَعَهم الإيمان بالله رباً وبالقرآن كتاباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، وخَسِئت اعتقاداتٌ تدفع من ضَوَاهم القرآن تحت رايته وقنطرته إلى إسالة دماء بعضهم حقداً وغِلاً وشحناءَ وبُغضاً.
    لسنا في مقولتنا هذه بمُلفِّقين، ولكننا ذَوو تأصيلٍ قرآني ونبوي، فلا والله لا يرضى القرآن أن تكون الصفة التي يتحلى بها المسلم الآخر من صوفية أو شيعية أو... عنصر نُفرةٍ قلبية وفكرية وعقلية عند الطرف الآخر، ولا يقبل كتاب ربنا أن تكون " السنية " أو... حجر عَثَرةٍ في إقامة فريضة الأخوة مع من يتصف بها، وهيهات أن يلقانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسروراً منا وبنا ونحن نُدَمِّر أَواصِر اللقاء على الإسلام والأيمان بقذائف السياسات العَفِنة المؤذية التي نسجتها أيادٍ غادرةٌ آثمةٌ لم يَرُق لذويها دينٌ يتماسك أفراده كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرالجسد بالسهر والحمى..
    في النهاية يا أمتي اتحدي، وها هو الرسول يقول لكم: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية، ومن قاتل تحت راية عَمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلةً جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه" رواه مسلم.
    آمل ألا نعدل عن فريضة فيها الرحمة والعطاء، إلى رذيلة فيها الضر والفساد والإفساد لوهم لذة مستعجلة، فالرذيلة لا تنتج إلا ندامة والفضيلة لا تنتج إلا أملاً وسعادة، أملي أن نسعى جميعاً إلى وحدة يريدها الله منا وثبتها علينا فرضاً، وليس هناك من مسلم على الإطلاق غير مخاطب بالوحدة بل كل منا مخاطب بتحقيق الوحدة إن على سبيل التنظير أو التنفيذ والتحقيق، أسأل الله أن يجمعنا على ما يرضيه وأن يجعلنا من المتحابين فيه.  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017