آخر تعديل الخميس 23 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596857

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    الدكتور عكام في برنامج "الكلمة الطيبة"/ قناة المنار

    التقت قناة اللبنانية ضمن برنامجها (الكلمة الطيبة) الدكتور الشيخ محمود عكام في حوار حول موضوع: الأخوة ومفهومها، وحقوقها، وواجباتها، وذلك يوم الأحد : 14/9/2008، وفيما يلي نص الحوار:
    قناة المنار: أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج الكلمة الطيبة، يسرنا في هذه الحلقة أن نستضيف وأن نكون ضيوفاً في حلب الشهباء عند سماحة الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب، لنتعرف من خلال الحوار معه على مفهوم ومعنى الأخوة في الإسلام، وما هي الأسس التي تقوم عليها هذه الأخوة، وما يترتب على الأخوة الإيمانية من حقوق وواجبات، وكيف نستفيد من شهر رمضان لتفعيل أواصر الأخوة بين المسلمين لمواجهة القيم المادية والفتن المذهبية والعرقية والسياسية؟
    فأهلاً وسهلاً بكم مجدداً سماحة الشيخ، أهلاً وسهلاً بك في المنار، وفي الكلمة الطيبة.
    يقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، ما مفهوم الأخوة في الإسلام، وعلى أي أساس تقوم الأخوة بين المؤمنين ؟
    د. عكام: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله ومن والاه، وأهلاً وسهلاً بكم في حلب الشهباء كما تفضلتم ونوهتم، أهلاً بكم إخوة أعزاء، لاسيما وأننا نتحدث عن الأخوة، فأنتم إخوة وكما يقال عندنا: "على الرأس والعين"، الله عز وجل حينما قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) هذا تقرير، والتقرير يحمل في طياته دعوة إلى هذا الذي قرره الله عز وجل إلى أن يتحلى المؤمنون بهذا الذي قرره الله عز وجل فيما بينهم، فالعلاقة التي تحكم ما بين المؤمنين عنوانها الأخوة، والأخوة في رأيي: قضية تقوم على جناحين أو على أمرين أو على شيئين، الجناح الأول: الحب، والجناح الثاني: النصيحة.
    الأخوة إذ تقوم على الحب والنصيحة، فيجب أن تفرز تعاوناً وتضامناً وتكاملاً وتباذلاً، إذا ما قامت على الحب والنصيحة وأفرزت التعاون والتكامل والتباذل والتضامن، عند ذلك سيكون المجتمع مجتمع أخوة، وهذا الذي يريده ربنا منا، نحن الذين آمنا به جل وعلا، ونحن الذين آمنا بالقرآن كتاباً من عند الله، ونحن الذين آمنا بمحمد نبياً ورسولاً.
    إذاً القضية قضية توضيح لهذا العنوان، لعنوان المجتمع الذي أراده الله عز وجل من بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، العنوان العريض: أخوة، وتحت هذا العنوان: محبة ونصيحة، وتحت هذين العنوانين وما يجب أن ينتجه هذان العنوانان: التعاون والتضامن والتباذل وكل ما يمكن أن يقدم نفعاً للآخر من الطرف للطرف الآخر، من الأخ إلى الأخ الآخر.
    قناة المنار: لكن يلاحظ أن القرآن لم يقل: إن العرب إخوة، أو إن الناس إخوة، وإنما قال: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فالعلاقة تقوم على أساس الإيمان، فما طبيعة هذه العلاقة ؟
    د. عكام: لا شك في أن الأخوة حينما تقوم على جذرٍ في القلب "في الداخل" تكون أقوى، أي علاقة بين اثنين أو أكثر من اثنين، حينما تقوم على أمر ظاهري، فلن تكون هذه العلاقة أو هذه الرابطة قوية، لكن حينما تقوم على أساس أو رابطة متجذرة في الداخل فستكون هذه العلاقة وهذا الجسر الممدود بين الاثنين أو بين أكثر من اثنين ستكون قوية، فالله عز وجل لم يقل كما تفضلتم: إنما العرب إخوة أو إنما الجماعة الفلانية إخوة، وإنما قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، لأنه أرادها أخوة قائمة على أمر متجذر في الداخل، وإذا ما تجذر الأمر في الداخل وهو الإيمان، ولا يمكن لغير الإيمان أن يكون متجذراً في الداخل، كل شيء يمكن أن يكون وصفاً ظاهرياً إلا الإيمان، فالإيمان هو الذي يتجذر في الداخل، فإذا ما تجذر الإيمان في داخلنا، وإذا ما قبع الإيمان في دواخلنا، وإذا ما ركز الإيمان في دواخلنا، عند ذلك سيكون الارتباط بين هؤلاء الذين تجذر الإيمان في دواخلهم ارتباطاً قوياً، لأن العلاقة قائمة على أمرين مشتركين بين هؤلاء، هذه الأمور المشتركة هي أمور متجذرة في الداخل، يعني شتان بين شجرة تزرع على ظاهر الأرض وبين شجرة لها جذور في عمق الأرض، لذلك نحن نريد أن نرى أشجاراً متجذرة، لها جذور في الأرض، و يريد الله عز وجل منا أن تكون الأخوة متجذرة، ولا يمكن للأخوة ولا للعلاقة هذه بين الإنسان والآخر أن تكون متجذرة إلا من خلال أخوة الإيمان، لأن الإيمان هو الذي يشكل جذر هذه الأخوة .
    قناة المنار: هنا لو أردنا أن نميز في أساس هذه العلاقة الإيمانية، ما يميز العلاقة بين الناس مع بعضهم البعض التي تقوم على أساس الإيمان مع غيرها من العلاقات التي تقوم على أسس أخرى، أسس المصلحة أسس المنفعة أسس العرق العصبية الإيديولوجية المشروع السياسي، ما الذي يميز العلاقة التي تقوم على أساس الإيمان عن غيرها من العلاقات ؟
    د. عكام: أمر طبيعي أن العلاقة التي تقوم على أساس الإيمان تكون صادقة، ودائماً في عالم الأمثال التي أضحت أمثالاً مقبولة، يقال: صديقك من صَدَقك لا من صدّقك.
    العلاقة التي تقوم على أساس الإيمان تكون صادقة، والعلاقة التي تقوم على أساس الإيمان يكون فيها الولاء، ويكون فيها التباذل، ويكون فيها الحب، نحن الآن نبتدئ لنتحدث من النتائج إلى الأسباب، فالأخوة التي تقوم على الإيمان كما قلنا تكون صادقة، وتنتج تعاوناً صادقاً، وتنتج تباذلاً صادقاً، وتنتج ولاءً، وتنتج تضحية، وتنتج آثاراً...

    إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك شتَّت فيه شمله ليجمعك

    أما الأخوة التي تقوم على غير الإيمان، فما أعتقد أنها ستكون صادقة، وما أعتقد أنها ستفرز التعاون الذي تفرز الأخوة التي تقوم على الإيمان، وما أعتقد أنها تفرز هذا الولاء الذي يعني في النهاية تضحية وفداءً، ولقد قرأنا عن سيرة هؤلاء الإخوة الذين اجتمعوا على الإيمان في العصر الأول من عصر النبوة، قرأنا أمثلة، وقرأنا كلمات، وقرأنا عبارات، فعلاً تستحق بجدارة أن تكون عناوين لمجتمعات منشودة في إطار بناء المجتمعات على أساس العلاقات ما بين أفرادها، على أساس بناء هذه المجتمعات بناءً قوياً متيناً وعظيماً وعالياً ورفيع المستوى، وعلى أساس رابطة الإيمان، وما يميز الأخوة الإيمانية، أن الأخوة الإيمانية صادقة، وأن الأخوة الإيمانية تنتج ولاءً، وتنتج تعاوناً صادقاً، وتنتج افتداءً. كان الواحد من الجيل الرائد، جيل عصر النبوة، يفتدي أخاه بنفسه، وكان يفتدي أخاه بماله، حتى قال أحدهم (أحد الصحابة) وهو أبو الدرداء: "لو كانت الدنيا لقمة ووضعتها في فم أخي لاستقللتها عليه".
    كانوا يعيشون فيما بينهم الافتداء، وكان الواحد منهم يؤثر أخاه على نفسه: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) فالأخوة التي تقوم على الإيمان يستشعر الأخ عبوديته حينما يتعاون مع أخيه، يستشعر أفضل العبادة حينما يقوم فيفتدي أخاه، يستشعر العبادة لله لأنه بهذه الأخوة يرضي ربه، وبالتالي يقوم بهذا الأمر على قناعة من أن هذا الذي يقوم به عبادة، بل من أعظم العبادة أن يقدم الإنسان المؤمن لأخيه المؤمن منفعة، أن يفتديه، أن يضحي من أجله، أن يجعله دائماً يستشعر الدفء والأمان من خلال هذا الأخ الذي يقوم بهذه الأمور التي تحدثنا عنها، الأخوة الإيمانية تختلف وتمتاز عن الأخوة الأخرى -إن صح تسمية الأخوة الأخرى بأخوة- بأن الإنسان الأخ يستشعر العبودية وهو يتعامل مع أخيه المؤمن، بل يستشعر أسمى درجات العبودية وهو يقوم بما يمكن أن يسمى بتجليات هذه الأخوة الإيمانية، يستشعر العبودية ويستشعر العطاء، وهو في أخوته هذه يمارس أمرين معاً: يمارس علاقة مع ربه هي سامية جداً، بل هي أسمى ما يمكن أن يطلق عليه عبادة، لأن الأخوة تعني: أنك تعبد الله بأعلى درجات العبودية، ويمارس في نفس الوقت عطاءً لأخيه، والإنسان دائماً يشعر بالسعادة حينما تكون الفعلة التي تصدر عنه ذات شقين: شق يتوجه إلى الله، وهو يريد أن يعبد الله عبر هذا الشق أو عبر هذا الاتجاه أو عبر هذه الصلة، وشق يتوجه إلى الإنسان، فالإنسان يشعر بأخيه المؤمن، يشعر بلذة، وهو يقدم خيراً لهذا الأخ الذي عقد ربي عز وجل بينك وبينه الأخوة، قال الله لهذين الأخوين: أنتما إخوة في بوتقة الإيمان وعلى أساس من الإيمان.
    قناة المنار: عندما يقول القرآن: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، مساحة الإيمان إذا أردنا أن نحددها، وأن نتعرف على هذه المساحة، لأن مساحة الإيمان تتجاوز مساحة العرق، تتجاوز مساحة المنطقة، تتجاوز مساحة المذهب، والقرآن لم يقل: إنما المسلمون أو إنما أتباع مذهب معين، وإنما قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)، لو نحدد مساحة الإيمان والمقصود بها ؟
    د. عكام: دائماً القضية محددة، نحن نعلن في كل منتدياتنا، في كل لقاءاتنا: يا ناس الذين يجب أن يكونوا إخوة هم المؤمنون، مَنْ هم المؤمنون ؟
    المؤمنون وبكل بساطة ووضوح: هم الذين يقولون آمنا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
    هذه هي أركان الإيمان، فكل من قال هذه الكلمة فهو مؤمن، وكل من قال هذه العبارات وكل من اعتقد بهذا الذي قلناه فهو مؤمن، وأخوته يجب أن نسعى من أجل أن تكون هي العلاقة فيما بيننا، فإذا ما قصرنا في إيجاد هذه العلاقة تحت عنوان "الإخوة" بيننا وبين هذا الذي يقول آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فنحن مقصرون، ونحن جاحدون، ونحن فاسقون، ونحن ظالمون، ونحن عادلون عن شرعة ربنا عز وجل، الإيمان هذا الذي ذكرناه، ويجب علينا جميعاً أن نتّحد على هذه الأرضية وتحت هذه الغيمة التي تكونها مفردات من الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله وبدينه الذي هو الإسلام، وإلا فنحن نبحث عن سراب، وإلا فنحن نتخبط في ظلام، وإلا فنحن غير جادّين في الوصول إلى ما يجب أن نصل إليه من خلال أمر لنا.
    قناة المنار: يلاحظ كما ورد في أكثر من حديث شريف ورواية، أن الأخوة الإيمانية تقوم على أساس الحب في الله والبغض في الله، هذه القاعدة المهمة قد يسئ البعض فهمها أو تطبيقها في الحياة العملية، لهذا ما المقصود بالحب في الله والبغض في الله ؟
    د. عكام: دائماً بيني وبين أي أخ عقدت معه الأخوة في الله عز وجل، والأخوة في الله تعني الأخوة الإيمانية كما قلنا، فأنا ألتقي معه على أساس من معرفتي وإيماني بربي عز وجل، حينما ألتقي بمؤمن يقول: آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فهذا أخي، لي تجاهه واجبات وله عليّ حقوق يجب أن أقوم بها، لكن هذه الأخوة الواسعة الإيمانية بلا شك -كما قلت في البداية- تقوم على ركنين، على جناحين: على أساس الحب، وعلى أساس النصيحة، عندما يخطئ أنصحه، عندما يصيب أعلن له حبي، وقد أمرنا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن نقوله لبعضنا، بأن الواحد منا يحب أخاه: "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه"، حينما يصيب أخي عليّ أن أعلمه في أن أقول له: إني أحبك، إذا أخطأ علي أن أنصحه" الدين النصيحة" عليّ أن أحبه، لأنه أخ اشترك معي في الإيمان، وهذا الإيمان هو المشترك الأكبر بيني وبينه، لكن الحب في الله والبغض في الله، وهذا الأخ عندما يخطئ، يجب أن لا أستشعر بغضه هو، بل عليّ أن أستشعر بغض ما فعله إذا كان هذا الذي فعله لا يوافق فيه شرع ربي عز وجل، وكان يخالف شرع الله عز وجل، هذا الأخ أحد رجلين: إما أن يكون أخي على أساس من إيمان وقد أخطأ، فأنا أكره وأبغض فعله الذي صدر منه ولا أبغضه، ويبقى هو أخاً لي، أحبه فيما عدا هذه الفعلة، هذه الفعلة أبغضها ولا أحبها وأنا أقول له من خلال قناة النصيحة: يا أخي أنا أنصحك في أن لا تفعل هذا، في أن لا تقول هذا، في أن تجتنب هذا. طبعاً أنصحه بلطف وحلم وأناة ورحمة، فأنا أكره هذه الفعلة، لماذا أكره هذه الفعلة ؟ لأن الله يكرهها، ونحن عباد لله عز وجل نحب ما يحب الله ونكره ما يكره الله، لأنها مخالفة لشرع ، ولذلك من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، أنا يجب أن لا أحب هذا الأخ لذاته، أنا أحبه لأنه مؤمن، وبالتالي كل فعلة تصدر عنه إذا كانت تصبّ في مصب الإيمان فهي محبوبة، وأنا أحب منه هذه الفعلة وأحبه لهذه الفعلة، فإذا ما صدرت منه فعلة تخالف شرع الله عز وجل فهو لم يزل إنساناً بالنسبة لي محبوباً، لكنني أكره له هذه الفعلة، وأرجو منه -وهو يرجو مني كما أرجو منه أنا- أن لا تتكرر مثل هذه الأفعال منه حتى لا تكثر تلك المكروهات والمبغضات مني، وبالتالي هذه الأفعال المبغوضة يمكن أن تغطي عليه بعض الشيء، لذلك عندما ألاحقه بالنصيحة، فأنا أمحو كل ما يمكن أن يصدر عنه من فعلة مبغوضة لله، وبالتالي مبغوضة مني، أنا أحاول أن أغسل كما يقال: "أول بأول"، أن أغسل ما يصدر عنه من أفعال لا أحبها أن تنتمي له، لأنها تخالف ما قام عليه وهو الإيمان بالله والإيمان بالرسول والإيمان بالقرآن والإيمان بالإسلام.
    قناة المنار: والنصيحة هي مظهر من مظاهر الحب كذلك.
    د. عكام: أنا دائماً أقول: النصيحة يجب أن تكون معجونة ومنسوجة بالحب، أنا لا أريد حباً من غير نصيحة، ولا أريد نصيحة من غير حب، وكما قلنا: صديقك من صدَقك.
    أنا لا أريد أن يحبني أحد من غير ما نصح، أنا لا أريد أن يكون لي أخ يقول لي عندما يراني أخطئ: أنا أحبك على الرغم من أخطائك، وأنا أحب كل ما يصدر عنك، أحببتك وأحببت كل ما يصدر عنك. لا، لكن أنا أريد من أخي الذي هو أخ لي في الإيمان، أريد منه أن ينصحني إذا ما صدر مني أو عني فعلة أو قول مخالف للشريعة وغير جيد وغير صحيح، وهو يريد أيضاً مني إذا كان أخاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، يريد مني أيضاً أن أنصحه، فالنصيحة يجب أن تكون ممزوجة بالحب، يجب أن تكون مشربة بالحب، يجب أن تكون معجونة بالحب، والحب يجب أن يكون منسوجاً بالنصيحة الرفيقة الرقيقة الرحيمة التي تصدر عني وهو يستشعر هذا الأخ المنصوح أنني أنصحه، كما ينصح الوالد ولده، كما تنصح الأم ابنتها أو ولدها، يجب أن يشم رائحة الحب حينما أنصحه، ويجب أيضاً أن يستشعر الصرامة التي تعني البناء، والتي تعني إرادة الخير وأنا أحبه، يجب أن لا يستشعر مني -وأنا أعلن له الحب- أن لا يستشعر مني أنني أحبه لذاته، أو أنني أحبه باستمرار هكذا إن أخطأ وإن أصاب، يجب أن يستشعر مني حينما أعلن له الحب أنني أحبه بإرادة الخير له، وإرادة الخير التي تشكل نواة هذا الحب تعني أنني إذا رأيته يعدل عن الصواب يجب أن أنصحه، وإلا إذا أحببته كما يقال: "على عماها"، أي فليفعل ما يريد أن يفعل فأنا أحبه، فهذا في النهاية سينتهي إلى تدميره، وبالتالي سينقلب الحب اللا واعي إلى كراهية، وبالتالي هذه الكراهية ستكون لا واعية. لن ينقلب إلى البغض في الله، وإنما سينقلب إلى كراهية لا واعية، لأن الحب الذي لا يعتمد على النصيحة في وقتها سيكون حباً لا واعياً، وبالتالي سينقلب في النهاية إلى كراهية لا واعية.
    قناة المنار: سيتحول إلى غش، فعندما لا تنصحه ستغشه. هناك بعض الروايات وصفت طبيعة ما يجب أن يكون عليه الأخ بشكل جميل جداً، عندما وصفت الأخ بأنه مرآة، أخوك يجب أن يكون المرآة التي ترى فيها حسناتك وعيوبك، هنا -سماحة الشيخ- انطلاقاً من قاعدة الحب والبغض، نجد بعض الملتزمين الشباب انطلاقاً من هذه القاعدة يصل إلى درجة القطيعة مع إخوانه، حتى ربما مع أهله وأبويه، لأنه يعتقد بأنه يجب أن يحبهما إذا كانا ملتزمين ويبغضهما إذا كانا غير ملتزمين، هل هذه القاعدة وهذا التصرف صحيح ؟
    د. عكام: طبعاً حينما يترك الإنسان الأخ الحب والنصيحة، فقد ترك الأخوة الإيمانية إلى أخوة لا تحمد عقباها، وهي مرفوضة، ونحن ننادي ونناشد المسلمين ونناشد المؤمنين في كل بقاع الأرض أن: يا ناس يا مؤمنون برسالة الإسلام: القطيعة مرفوضة، والقطيعة توصل إلى الكفر، والقطيعة فيما بينكم لا يقرها الله ولا يقرها رسول الله ولا يقرها القرآن، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين"، وحض كثيراً على أن ينتفي التباغض والتعادي والتقاطع والتدابر ما بين المسلمين، وقد نادى المسلمين جميعاً بأعلى صوته في حجة الوداع، وأعتقد أن هذا النداء لم يكن مقصوراً على أولئك الذين حضروا حجة الوداع وإنما هو ممتد إلى آخر مسلم تقوم عليه الساعة، إلى يوم القيامة، وقف صلى الله عليه وسلم ونادى: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه" هذه وصايا من قالها في حجة الوداع في أقدس مكان وأعظم يوم، من أجل أن تكون كلمة في آذان المسلمين يرددونها بينهم وبين أنفسهم باستمرار.
    أنصحك يا أخي على أساس من حب، أحبك على أساس من نصيحة، لا يمكن أن نتقاطع ولا يمكن أن نتدابر، الحب في الله هو أن أبقى أحبك ما دمت تعلن أنت الإيمان بالله عز وجل، حينما تخطئ أنصحك ما دمت تعلن الإيمان بالله عز وجل، ما دمت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقول كما قلنا: آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فأنت أخي ويجب عليّ أن أوثرك، ويجب عليّ أن أفتديك، ويجب عليّ أن أتعاون معك، ويجب عليّ أن أحبك ويجب عليّ أن أنصحك، حتى وإن أخطأت، فإن أخطأت فعلاقتي معك النصح، إن لم تخطئ فعلاقتي معك الحب المتزايد المتنامي القوي الذي أشعر بزيادته في كل يوم، لكن حينما تخالفني في رأيي، حينما تبتعد عن فعلة فعلتها أنا، وفعلتها أنت بنفس القوة التي فعلتها أنا، بمعنى: أنا انتميت إلى مذهب وأنت انتميت إلى مذهب ، وانتمائي إلى هذا المذهب هو كانتمائك إلى مذهبك، لأن للمذهبين نفس القوة، فهذا لا يعني ولا يمكن أن يكون مبرراً من أجل التقاطع، لأننا لم نختلف في الأصل، في الإيمان لم نختلف، لم يبتعد أحد عن الآخر في إيمانه، وإنما ابتعد عن الآخر باجتهاده، والاجتهاد مشروع فيما بيننا، الصحابة الكرام اجتهدوا وخالف بعضهم بعضاً في حياة الرسول وبعد حياة الرسول، وهذا لم يحملهم على أن يعادي بعضهم بعضاً، أو أن يقاطع بعضهم بعضاً، بل استمروا إخوة متحابين متضامنين متعاونين متباذلين فيما بينهم، الواحد منهم يبحث عما يمكن أن يقدمه من فوائد، من عطايا لأخيه المؤمن وهكذا دواليك...
    هذه النقطة يجب أن نقف عندها طويلاً وملياً، لأن السمة التي نتسم بها اليوم في عالمنا الإسلامي للأسف الشديد: أن التقاطع غدا عنواناً بدلاً من أن يكون التعاون هو العنوان الذي يحكمنا، فهناك تدابر وتقاطع على أقل الأمور، وهذا يعني أننا نحن فعلاً لم نتقاطع حينما نتقاطع على أساس لا يريد الله أن نتقاطع على أساسه هذا يعني أننا نتقاطع من أجل الشيطان، أننا نتقاطع بدافع غير مشروع، وهذا يعني أننا نتقاطع يمكن بدافع سياسي رخيص، أننا نتقاطع لأننا نريد أن نرضي بعض الذين لا يسرهم أن نلتقي، بعض الذين لا يسرهم أن نجتمع، أولئك الذين يحبون أن تكون "فرق تسد" هي العنوان الذي يسود مجتمعاتنا.
    فالبغض في الله يعني: أن أبغض هذه الفعلة التي صدرت عنك، وهذا خير لي ولك، حين أكره فعلتك المخالفة لشرع الله تكون هذه المخالفة صريحة وواضحة، ليست هذه المخالفة مخالفة لي وإنما المخالفة لشرع الله بشكل صحيح صريح مؤكد منه، وليس على مستوى الاجتهاد أو مستوى المذهب أو المستوى المخالف، إنسان شافعي وهذا حنفي وهذا مالكي وهذا جعفري ...الخ، كلنا نحن في بوتقة الإيمان، في بوتقة الإسلام، وهذا يقلد عالماً، وهذا يقلد إماماً، وهذا يقلد فقيهاً، هذه قضية بدهية واضحة.
    لكن في النهاية عندما نرى تقاطعاً اليوم بين المسلمين، هذا يعني أن المسلمين إن بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، إن بعلم أو بغير علم، ينفذون مخططاً لأعداء الإسلام، وأعداء الإسلام هؤلاء، وأعداء الإيمان هؤلاء، هم أعداء لكلا الطرفين، لكنهم يبدؤون بواحد ضد الآخر، ثم بعد ذلك عندما ينتهون من هذا الذي تعاونوا مع الأخ الآخر ضده، سينتهون به أيضاً ليضربوه الضربة القاضية، وبالتالي حتى يحلوا لهم أن يبقوا في عالم لا منازع لهم فيه، فهم يخافون الآن من المسلمين، لأن الإسلام في رأيهم هو البديل المشروع للإنسانية، هو البديل المشروع لهم وعنهم، فعندما يرون المسلمين الآن في حالة تكامل وتعاون ووحدة فهذا يخيفهم، لأنهم هم يريدون الدنيا، وبالتالي هم يخافون من المسلمين أن يجتمعوا، فإن اجتمع المسلمون، فلإسلام سيكون منتشراً كما يقال انتشار النسيم، الهواء العليل كما عند الناس ، والناس سيقبلونه، لذلك يحاولون أن يوقعوا العداوة فيما بينهم.
    أنا قرأت في أكثر من كتاب، لكن آخر ما قرأت أظن في مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون يقول فيها: أمامنا مواجهات من جهات معينة، اليابان سنصارعها بالبترول، الاتحاد السوفيتي سنصارعها بالرأسمالية، أما المسلمون فنحن نريد أن نجعل بأسهم فيما بينهم، نريد أن نثير الفتن فيما بينهم، وبالتالي لا يمكن أن نقضي على هذا الذي نواجهه وهو الإسلام بشكل عام، إلا من خلال فساد ذات البين فيما بين أفراده، وهذا ما نسعى إليه. كل العالم يدرك أن الإسلام لا يمكن أن يؤتى إلا من خلال إفساد ذات البين فيما بين المسلمين.
    قناة المنار: الآن الخطة الاستعمارية الأولى في تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات، وهذه الدويلات يسعى إلى تقسيمها كذلك، والغريب في الأمر أنه بدأت تنشأ علاقات ليس على أساس الإسلام والإيمان وإنما على الأساس القطري، تجد أنه هناك عداوات، وعوضاً عن الشعب العربي الواحد أصبحت هناك شعوب وأمم...
    د. عكام: دائماً مَنْ يحاول أن يستبدل الذي أدنى بالذي هو خير، الذي هو خير: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، والذي هو أدنى شئنا أم أبينا، حينما نقول: إنما اللبنانيون إخوة، إنما السوريون إخوة، إنما العرب إخوة، إنما الأكراد إخوة.
    يا ناس: الله يريد الأمر الأوسع والأمر الأقوى، وأنتم تريدون الأمر الأضيق والأمر الأضعف، الله يريد الأمر الأوسع لأنه يريد أخوة الإيمان، وأخوة الإيمان تتجاوز الأقطار وتتجاوز البلدان، ويريد الأمر الأقوى لأنه يريد أخوة إيمانية متجذرة في الداخل، وأنتم تريدون الأمر الأضيق إنما السوريون، إنما اللبنانيون، إنما الأكراد، إنما الشركس، إنما العرب، إنما إنما... إخوة.
    وتريدون الأمر الأضعف وهو الأمر الظاهري، الذي ليس له جذور في الداخل، فكيف تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، يا ناس: اتقوا الله، الله يريد لكم الخير عندما قال لكم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، اجتمعوا إخوة على أساس الإيمان، وإياكم أن تجتمعوا إخوة على أساس غير الإيمان، أنا أسمي غير الإيمان إخوة من باب المشاكلة، لأن غير الإيمان لا يمكن أن يسمى إخوة، ولا يمكن أن يسمى أولئك الذين يلتقون على غير الإيمان إخوة، لكن أسميهم الآن إخوة من باب المشاكلة، فيا أيها الناس: التقوا إخوة على أساس الإيمان، وإياكم أن تلتقوا إخوة على أساس غير الإيمان، لأن هذا الذي قرره ربنا، وربنا أعلم بما يجمعنا، وبما يؤلف بيننا (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، بالإضافة إلى أن الله قرر ذلك، أثبت التاريخ وأثبتت الوقائع وأثبت الماضي، بأن هذا الأمر هو الصحيح، وهو الذي يجب أن يكون، فإذا عدلنا عن غيره فإننا عند ذلك نعدل عن خير يريده الله لنا، إلى شر نريده لأنفسنا.
    قناة المنار: وسنكون أمام الفرقة.
    د. عكام: وإذا ما كنا أمام الفرقة فسنكون كما كنا أيام الجاهلية، بل أسوء وأشد، لأن الافتراق بعد الاجتماع سيكون أبشع وأقسى، من الافتراق الذي كان في الأصل صفة لنا، يعني سنكون في جاهلية جهلاء، وعندما سنفترق -لا سمح الله- بعد اجتماع عندها سيعادي بعضنا بعضاً بعد محبة وتعاون وتضامن فيما بيننا سنلقى مصرعنا، هذا المصرع لن نحسد عليه، لا من قبل الأصدقاء ولا من قبل الأعداء.
    قناة المنار: حتى إن البعض شبه الواقع المعاصر قائلاًَ: بأنه في الجاهلية قبل الإسلام كانت هناك قبائل جاهلية متصارعة، والآن هذه القبائل تحولت إلى دويلات متصارعة، سماحة الشيخ، انطلاقاً من قاعدة الحب والبغض في الله، نحن تعرفنا على هذه القاعدة وانطلاقاً من هذه القاعدة كيف نتصرف مع غير الملتزم، ولكن ما هي طبيعة العلاقة مع الآخر الذي هو خارج دائرة الإيمان، هل هي علاقة التصادم أم القتال أم الحرب ؟
    د. عكام: بكل بساطة نحن عبر ديننا وعبر قرآننا أمرنا أن نحترم وأن نقدِّر الإنسان والجماد والنبات والحجر والشجر، وأن نكون رفيقين بالحيوان أيضاً، هذه القاعدة في العلاقة مع المخلوقات كافة، ما أعتقد أن أحداً يقرأ القرآن الكريم ثم يستنتج في أن تكون علاقتي مع غير المسلم سيئة، ما أظن أن أحداً يمكن أن يطلع على سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يستنتج في أنه يجب تكون علاقتي مع غير المسلم سيئة، علاقتي مع غير المسلم علاقة رائعة وحسنة، علاقتي مع الإنسان كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه هذه الكلمة الشهيرة العظيمة: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك الخلق".
    إذا كان غير المسلم نظيراً لي في الخلق، فهذا يفرز أنه يجب عليّ أن أحترمه، وأن أضمن حقوقه، وأن لا أظلمه: (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، لما خرج عبد الله بن رواحة أرسله النبي من أجل أن يُقدّر ما ينتجه يهود المدينة آنذاك حتى يجبي منهم الضريبة الواجب جبايتها عليهم، وهذا كان يسمى (الخراص)، أي تقدير ما يجب أن يدفعوه من ضريبة خراجية، ومن ضريبة تتعلق بأهل الذمة آنذاك، تخوف يهود المدينة من أن يظلمهم هذا الرجل، ورأى في وجههم هذا التخوف فقال لهم: إنكم والله لأبغض الناس إليّ - لما فعلوه مع النبي- ولكن هذا لا يحملني على أن لا أعدل بينكم .
    فالعلاقة مع غير المسلم تقوم على احترامه وضمان حقوقه، وإذا كان معادياً، فعبد الله بن رواحة يقول: إنكم والله لأبغض الناس إلي من خلال إيذائهم النبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم من هذا قال: ولكن هذا لا يحملني على أن لا أعدل بينكم، فما بالك بعلاقة مع أناس غير مسلمين لكن لم يؤذونك، ولم يفعلوا أي شيء، بل بالعكس، قاموا بأشياء جيدة وكانت علاقتهم معنا جميلة، فنحن مأمورون في أن نرعاهم وأن نبرهم وأن نحسن إليهم وأن نعدل فيهم وأن نقول لهم الكلمة الطيبة وأن لا نبخسهم أشياءهم وأن نحترمهم، وإذا كانوا مواطنين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا ، لا غبار على هذه الكلمة على الإطلاق.
    قناة المنار: لو نتحدث عن الإخوة الإنسانية كما أشار البعض، والقرآن الكريم أشار إلى قاعدة مهمة وهي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).
    د. عكام: الأخوة الإنسانية هي المساحة الأوسع، والأخوة الإيمانية هذه ضمن الأخوة الإنسانية، يعني هنالك حقوق في الأخوة الإيمانية، وهنالك حقوق في الأخوة الإنسانية، ففي الأخوة الإنسانية بلا شك نحن نتعارف ثم بعد ذلك نتآلف ثم بعد التآلف نتعاون، فالتعارف ثم التآلف ثم التعاون، وما قال القرآن وحاشا للقرآن الكريم أن يقول في أن لا نتعاون مع غير المسلم وحاشا للقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول في أن لا نتآلف مع غير المسلم، وهذا ما يدفعنا من أجل أن نقرر ما كنا قررناه آنفاً لنقول: الناس بالنسبة لنا محترمون، مضمونة حقوقهم، نقول لهم الكلمة الطيبة، والكلمة الحسنة، ولا نبخسهم أشياءهم، لا يمكن إلا أن نعدل فيهم ومعهم، يجب علينا أن نبرهم، فإذا ما اعتدى واحد من هؤلاء الناس علينا -وهذه قضية طبعية جداً جداً- فالقرآن الكريم واضح كل الوضوح: (فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، والمعادلة إنسانية بحتة وواضحة، ولا يمكن لأي إنسان أن يعترض على هذه القاعدة التي ذكرها القرآن من حيث الاعتداء، بل إن القرآن تجاوز هذا ليقول: حتى ما اعتدوا عليكم فأنتم بإمكانكم أن تصفحوا، ودعا إلى الصفح والعفو حتى عن المعتدي.
    قناة المنار: هذه القواعد العامة الحاكمة التي تحكم الأخوة في الإسلام، وكذلك للعلاقة مع الآخر، لنتابع الحوار عن أهمية الأخوة في الإسلام، فالذي يراجع الأحاديث والروايات يكتشف أن هناك أهمية خاصة للأخوة في الله وكذلك الحب في الله في الحديث القدسي:"وجبت محبتي للمتحابين فيَّ...".
    د. عكام: دائماً الإسلام كما يقال: دين جماعي. وما أعتقد أن من أقبل على الإسلام أقبل عليه إلا لأنه جماعي، ومعنى كلمة جماعي: أن الإسلام أسس لعلاقة قوية جداً ومتينة جداً بين أتباعه، هذه العلاقة التي أسسها الإسلام بين أتباعه، والتي عنونها بعنوان (الأخوة) كما قلنا في البداية، لمن طبقها ولمن أقام هذه العلاقة ولمن رعا هذه العلاقة، باعتبار أن الإسلام دين جماعي وأن الإسلام أسس لعلاقة بين أتباعه، وكانت مزية الإسلام أو من جملة مزايا الإسلام الكبرى هذه العلاقة التي أسسها بين أتباعه، فكان هذا الذي يطبق هذه العلاقة ويرعاها، لاشك سيكون مقرباً عند الله، لأنه جسد هذه الميزة العظيمة لهذا الإسلام، والميزة العظيمة لهذا الدين، كما قلنا ونكرر هو: الجماعية القوية والاجتماعية القوية، فهذا الذي جسد وطبق ونفذ هذه الميزة وهذه القيمة، أحب الناس أحب إخوانه أحب الأخ، فكان الجزاء من جنس العمل، الله سيحبه ، أنت أحببت أخاك فالله سيحبك، لأن الجزاء من جنس العمل، أنت جسدت أيها المسلم أيها المؤمن جسدت هذه الميزة لهذا الإسلام جسدت العلاقة بينك وبين المسلم الآخر، بين التابع الآخر لهذا الدين، جسدتها تجسيداً رائعاً ورعيتها واعتنيت بها وعنيت بها، إذاً فالله سيحبك، لأنك قمت بعمل دعانا للقيام به وهو يشكل المظهر الأكمل والأجمل لهذا الدين الحنيف، ولذلك الحديث الذي تفضلت بذكره: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ "، أحبوا بعضهم فأنا أحبهم، تعاون فيما بينهم فأنا أعينهم، تباذلوا فيما بينهم فأنا أبذل عليهم وأعطيهم، تراحموا فيما بينهم فأنا أرحمهم "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" تراحموا فيما بينكم فأنا سأرحمكم، ما تفعلونه فيما بينكم أنا سأفعله معكم، تحبون بعضكم فأنا سأحبكم، تتعاونون فيما بينكم فأنا سأعينكم، وهكذا دواليك...
    قناة المنار: طبعاً الذي يؤكد ذلك أهمية وخطورة الأخوة في الإسلام، ليست فقط هذه الرواية ولكن هناك رواية أخرى تكشف الأصل الكبير يوم القيامة هناك الحديث المشهور: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله :... ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه".
    د. عكام: "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" باعتبار أنهم في الدنيا استظلوا بظل الأخوة التي أرادها الله مستظلاً لنا، أنت يا إنسان كنت معي أخاً في هذه الدنيا واستظللنا نحن معاً بهذا المستظل الذي أمرنا الله أن نستظل به، إذاً الجزاء من جنس العمل، ما دمت أنت يا إنسان مع أخيك المسلم المؤمن استظللتما معاً بالمستظل الذي أردته لكما وهو الأخوة، فأنا جزاء لكما سأظلكما في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي يوم القيامة، ولذلك ورد أيضاً في الحديث الآخر: "أين المتحابون فيّ ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" ما دمتم أنتم يا مسلمون، يا من آمنتم بي وآمنتم بكتابي وآمنتم بنبي، ما دمتم قد طبقتم ونفذتم الأخوة فيما بينكم علاقة وعنواناً، إذاً أنا سأجزيكم جزاء من جنس العمل (وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً)، لكن الجزاء أعظم، أين محبة الله من محبة الإنسان ؟ محبة الله أعظم، ومحبة الله أكبر، ومحبة الله أرحم... الخ. لكن الله يعطي المزيد لمن طبق في هذه الدنيا، يعطيه الجزاء المماثل، الجزاء من جنس العمل، الجزاء المماثل لما عمل هذا العبد في الدنيا.
    قناة المنار: هناك رواية أخرى فيما يتعلق بالفوائد الدنيوية، منها ما روي عن الإمام علي عليه السلام عندما قال: "من آخى في الله غَنِمَ، من آخى في الدنيا حُرِمَ" ، ما هي الفوائد التي تترتب على الأخوة ؟
    د. عكام: أول فائدة هي: المؤمن قوي بأخيه، وكما تفضلتم في البداية المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والمؤمن مرآة أخيه، والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى. القوة، نحن أخوان نحن أقوى، ولذلك أنا كنت أقول لبعض الأخوة هنا: مرة سمعت عن سعيد النورسي أنه قال لأتباعه: أريدكم أن تُقرؤوا /1111/ ألف ومائة وأحد عشر، لا أن تُقرؤوا أربع واحدات، ما الذي يجعلكم تقرؤون /1111 / ألف ومئة وأحد عشر، إذا كانت هنالك علاقة بين هذا وهذا، إذا كانت هنالك علاقة هذه العلاقة هي الأخوة، إذا تآخيتم قُرئتم /1111/ ألف ومئة وأحد عشر، لكن إن لم تكن الأخوة رابطة فيما بينكم فلن تقرؤوا إلا أربع واحدات، وبالتالي ستكونون ضعفاء وفرادى، ولن يستكان بكيدكم كما يقال، ولن يؤبه لكم، ولن يلتفت إليكم، أول فائدة نجنيها على مستوى الدنيا من الأخوة هي: القوة. ولا أعني بالقوة: القوة المادية والقوة السلاحية، ولكن أعني القوة البنائية، لا يمكن أن يبنى المجتمع إلا من خلال جماعة تعززت فيما بينهم العلاقة، الحضارة يا أخي الكريم بكل بساطة: بناء معنوي ومادي، والبناء لا يمكن أن يتم إلا من خلال جماعة، البناء المادي يمكن أن تبنيه جماعة تلتقي من غير علاقة قوية فيما بينها، لكن البناء المعنوي الإنساني الأخلاقي القيمي لا يمكن أن يبنى إلا من خلال الجماعة، ارتبط أفراده بعلاقة قوية فيما بينهم، ولا علاقة قوية فيما بين إنسانين أقوى من علاقة الأخوة الإيمانية القائمة على الإيمان، التي وصفها ربنا وذكرها ربنا (واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ولا تفرقوا) هذه الفائدة هي الفائدة الأولى والكبيرة والأخيرة التي نجنيها من الأخوة (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) كل المشاكل على المستوى البناء المادي التكنولوجي والبناء المعنوي الأخلاقي والقيمي، لأن الحضارة هما معاً، الحضارة بناء مادي وبناء معنوي، على هذين الأمرين، هذين المرتكزين هذين الركنين، فلا يمكن أن تكون هنالك حضارة إلا من خلال جماعة تآخت أخوة إيمانية، تآخت وارتبطت ببعضها وارتبط أفرادها ببعضهم ارتباطاً متيناًً، هذا الارتباط المتين هو الأخوة الإيمانية.
    قناة المنار: لدينا نحن مثال راقي جداً تجسد في السيرة النبوية الشريفة عندما هاجر رسول الله إلى المدينة وبدأ سيل المهاجرين يتوافدون إلى المدينة فالرسول آخى بين المهاجرين والأنصار وقد ذكر التاريخ نماذج راقية جداً لم تتحقق في التاريخ من قبل، عندما استطاع الأنصاري عن قناعة وعن إيمان أن يتنازل ليس عن المال فقط وإنما عن الزوجة أيضاً لأخيه المهاجر.
    د. عكام: ما دمنا قلنا: الفائدة الأولى: هي القوة في مواجهة الحضارة، فهذا يعني أننا حينما نقول: بنينا حضارة والحضارة بناء مادي وبناء معنوي، إذاً هذه الحضارة سترى فيها التعاون، سترى فيها التضامن، سترى فيها مفرزات الحب والتباذل كما قلنا في البداية، سترى فيها التباذل، سترى فيها التناغم، سترى فيها الانسجام، سترى فيها التكاتف، سترى فيها كل ما يشعرك بطمأنينة واستقرار وأنت ترى هذه اللوحة المتكاملة، سترى فيها التطور، سترى فيها التطور المادي، وأنت تقول بينك وبين نفسك: هذا التطور المادي لا يمكن أن يكون إنتاج فرد، وهذا التطور المعنوي، وهذا التطور الأخلاقي، وهذا التكامل البنائي المعنوي للإنسانية لا يمكن أن يكون من إنتاج فرد، وبالتالي حينما نتحدث عن أخوة عقدها النبي بين الأنصار وبين المهاجرين نتحدث عن مظهر الآن، عن التجليات لهذه القوة التي توجهت للبناء كما بنى الصحابة المجتمعون المتآخون على الله، كما بنوا المسجد مادياً من حيث الحجارة، بنوا المجتمع معنوياً، وهذا البناء المعنوي هو هذا التآخي الذي حصل فكان كل اثنين كأنهما واحد، المال الذي كان لواحد أصبح لاثنين، والبيت الذي كان لواحد أصبح لاثنين، والزوجة التي كانت لواحد أصبحت هدية للآخر، قال الواحد منهم للآخر كما قلت: هذه زوجتي أطلقها ثم تتزوجها أنت، أصبحت هدية للآخر، ولذلك رأينا في حياة السلف الصالح، وقد قرأت في بعض الكتب وخاصة في كتب بعض الصوفية رضي الله عنهم: كانوا يتحدثون أنهم كانوا لا يصحبون من يقول: حذاءي وعصاي وخاتمي ونظارتي... وإنما كانوا يصحبون من يقول: هذا حذاؤنا وهذا بيتنا وهذا قلمنا وهذه ساعتنا... يصحبون من ينسب للجميع، وفعلاً نحن الآن عندما نتحدث كما تفضلت عن مجتمع المدينة في بدايته، مجتمع التآخي بين الأنصار والمهاجرين، فعلاً يكاد الإنسان، وهو ينظر إلى هذه اللوحة العظيمة التي رسمها السيد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم بريشته الطهور، بريشته النظيفة الناصعة، يقف أمامها بإجلال ويقول: فعلاًَ ما أعظم الإسلام، وأين تلك الأيام التي ستعود من أجل أن نرى المسلمين على هذه الحالة التي كانوا عليها في ذلك الوقت، عندما هاجر المهاجرون إلى المدينة وتلقاهم الأنصار هذا التلاقي. نحن نعيش الآن أملاً، ونعيش حلماً في أن نرى المسلمين على هذا المستوى، إن لم يكونوا على المستوى نفسه من حيث قوته، لكن على خطه، على طريقه، على بدايته.
    قناة المنار: فالرسول وصحابته أسوة بشكل عام.
    د. عكام: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) والله يا أخي هذه القضية يجب أن تعمم، وأنا فعلاً أشكركم على تناولكم هذا العنوان الهام جداً، وآمل أن يعمم في كل فضائية تخاف ربها عز وجل، وتسعى إلى الوحدة الإسلامية ، أرجو أن يعمم مثل هذا الموضوع ليناقش، لا على سبيل كما يقال الآراء الفردية، ولكن على منهاج القرآن الكريم ومنهاج السنة النبوية ومنهاج الصالحين ومنهاج الواقع الذي يريده الإسلام من خلال القرآن ومن خلال النبي صلى الله عليه وسلم، قضية هامة جداً أعتقد إن أفلحنا في هذا العنوان، فالفلاح بعد ذلك في كل العناوين سيكون حاصلاً، وإن أخفقنا -لا سمح الله- في هذا العنوان، فلن يكون لنا أي نجاح على كل الأصعدة وكل المستويات أو كل الصعد التي يمكن أن نكون عليها ونعيش عليها، هي قضية أساسية مفصلية.
    قناة المنار: كتاب السيرة يقولون: من أهم عناصر انتصار المجتمع المسلم في بداية الدعوة هو هذا التلاحم وهذه الأخوة التي تجسدت في العلاقة بين الصحابة وبين رسول الله.
    سماحة الشيخ بعد أن تحدثنا عن القاعدة الأولى وهي قاعدة الحب والبغض في الله، هناك قاعدة أخرى وهي القاعدة التي تقوم عليها الأخوة في الإسلام وقد وردت في أكثر من حديث عندما يقول :"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". هذه القاعدة تكشف عن شرط عام وصعب كذلك، كيف نحب لأخينا ما نحب لأنفسنا ؟ وكيف نحقق هذه القاعدة في سلوكنا ؟
    د. عكام: أنا أقول هذه القاعدة حسب الظاهر صعبة، لكن الإنسان حينما ينفذها سيجدها لذيذة وطيبة وهينة ولينة ومتناسبة مع فطرته، ورأيت مرة في إحدى سفراتي إلى المغرب العربي وفي الدروس الحسنية هناك، رأيت إيطالياً أسلم، فسألته عن سر إسلامه أو عن دافع إسلامه المباشر فقال لي: حديث سمعته عن النبي -وهو هذا الحديث الذي تفضلت به- "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لأنه في النهاية أنت مني وأنا منك، أنت بعضي وأنا بعضك، إن لم ننظر إلى أنفسنا هذه النظرة، فلا يمكن أن نكون إخوة، أنت امتدادي وأنا امتدادك، أنت أنا وأنا أنت، إن لم ننسب الأمر-أي أمر- إلينا جميعاً فلسنا على مستوى الإيمان، ولذلك بعض العلماء قالوا: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" هذا أمر طبعي لأنه لم يتحقق بالأخوة، الأخوة تعني أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فإذا لم تحب لأخيك ما تحب لنفسك فلست بأخ، وبالتالي (إنما المؤمنون إخوة)، انتفت الأخوة فانتفى الإيمان، بعضهم قال: لا يؤمن... لا يؤمن على أصل الإيمان، وبعضهم قال: لا يكون إيمانه كاملاً، لكننا نقول: لا يؤمن إذا لم يحب البتة، لكن إذا لم يحب كل ما يحبه لنفسه إذاً لا يكمل إيمانه، يعني "لا يؤمن" إذا لم يحب البتة، وإذا لم يحب كل ما يحب لنفسه يكون إيمانه ناقصاً، أما الذي يكون إيمانه إيماناً كاملاً فهو الذي يحب لأخيه كل ما يحب لنفسه، كل ما أحبه لي أحبه لك، هذه كما قلنا إذا ما مارستها أنا سأجد لذة في داخلي، وبالتالي هذه اللذة لذة مادية ومعنوية، لذة يشعر بها الإنسان حينما ينفذ بعضاً من هذا الحديث أحياناً. هذا أمر أول.
    الأمر الثاني: يا أخي الكريم عندما تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فالله عز وجل سيتجلى عليك بإعطائك أكثر من هذا الذي أحببته لأخيك، سيعطيك أكثر وأكثر و أكثر... (والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)، أنت بهذا العمل تتاجر مع رحيم مع كريم مع معطاء مع رب غفور أنت تتاجر مع معطٍ مع الله عز وجل، ولذلك حسب الظاهر صعبة، ولكنها في حقيقتها ليست صعبة، هي متناغمة مع فطرتي وأنا أستشعر لذتها وأنا أقبض ربحها من الله عز وجل، فلِمَ لا أحب لأخي ما أحبه لنفسي ؟
    لكن الأنانية حينما تسكن الإنسان للأسف الشديد، يصبح نظره قاصراً، فلا يرى إلا نفسه، وبالتالي حينما تسكنه الأنانية ولا يرى إلا نفسه، يصعب عليه أن يعطي لأخيه ما يعطي لنفسه، أن يقدم لأخيه ما يقدمه لنفسه، أن يحب لأخيه كل ما يحب لنفسه، عند ذلك يتقوقع على نفسه، ويشعر أنه المجتمع، وأنه كل المجتمع، وبالتالي هذا ما يخالف الحقيقة والواقع، سيفاجأ في النهاية في أنه مرمي وأنه متروك وأنه يعيش وحيداً وأنه يعيش اضطراباً وأنه يعيش قلقاً ولا يمكن أن يعيش سعادة على الإطلاق ذاك الذي يدور في فلك منافعه الخاصة ومصالحه الخاصة، أتريد أن تكون مستلذاً وأن تكون سعيداً وأن تكون على رضا على نفسك وعن نفسك وعن ذاتك وعن داخلك وعن إيمانك... إذاً ما عليك إلا أن تدور في فلك المنفعة العامة وأن تريد الخير للناس كافة كما قال ربي عز وجل: (لقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) رسول الله قدم لنا الأسوة في حرصه علينا في رأفته بنا، فلنكن نحن أيضاً على هذا الخط العظيم المنور، حريصين على المؤمنين رؤوفين بالمؤمنين، وبالتالي سنتحقق عندها بالتحقق الجميل الجيد بالمجتمع المثالي النظيف المنشود المرغوب فيه.
    قناة المنار: هذه القاعدة كما قال البعض تكشف حقيقة ادّعاء الأخوة فهي محكّ، فهل أنت تؤاخي الآخر في الله أم لا، عندما تحب للآخر ما تحب لنفسك ستتجسد هذه الأخوة وعندما يكون العكس ستكون هذه الأخوة مدّعاة وغير حقيقية، سماحة الشيخ بعد أن تعرفنا على هذه القواعد الأساسية للأخوة في الإسلام لنبدأ بالتعرف على أهم الحقوق والواجبات التي تترتب على هذه الأخوة.
    د. عكام: الواجبات المترتبة على هذه الأخوة ملخصها أنه يجب عليَّ أن أقوم تجاه هذا الأخ بما أقوم به تجاه نفسي، إن وجدته في حاجة عليَّ أن أسرع من أجل قضاء حاجته إن وجدته في أزمة عليَّ أن أسعى من أجل أن أحل له أزمته إن وجدته في مشكلة فعليَّ أن أسعى لحل مشكلته وهكذا دواليك.
    واجبي تجاهه أن أرقبه أن أنظر إليه أن أتابعه دائماً ما يحتاجه عليَّ أن ألبي حاجته، ما يريده عليَّ أن أسعى لتأمين ما يريد وهكذا إن كان مريضاً أزوره أقدم له ما يحتاج إن كان في حالة ضنك عليَّ أن أقدم له مالاً، إن كان في حالة شدة أقدم له معونة وهكذا يعني هذا الإنسان مرعي من قِبلي وأنا مرعي من قبله كلانا يرعى الآخر كل واحد منا يرعى أخاه كما يرعى الرجل ولده كما ترعى الأم ابنتها عليَّ أن أرعى أخي أن أراقبه دائماً أن أستشعر ما يجب علي أن أفعله تجاه نفسي فأفعله تجاه أخي.
    قناة المنار: أي كما ورد في الرواية الإنزال منزلة النفس.
    د. عكام: الإنزال منزلة النفس ما دمت أنت أخي وأنك امتدادي وأنا امتدادك إذاً ما عليَّ إلا أن أرعاك كما أرعى نفسي وكما تحدثنا عن جيل الأنصار والمهاجرين، الأنصاري أعطى المهاجر نصف ماله والأنصاري أعطى المهاجر نصف بيته والأنصاري تنازل عن زوجته لتكون زوجة للمهاجر والأنصاري استقبله... (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) الأنصاري ضرب المثل فيما يتعلق بحقوق الأخ على أخيه وأنا لا أريد أن أذكر مفردات هذه الحقوق من عيادة مرضى وتشميت عاطس وزيارة في الأيام العادية وفي المناسبات وتهنئته والخروج في جنازته...الخ هذه مفردات حياتية وهي تشمل كل الحياة لكن عندما أتكلم بصيغة إجمالية وأريد أن أركز على الصيغة الإجمالية وأؤكد عليها أخوك أنت وأنت أخوه ما تفعله مع نفسك افعله مع أخيك.
    قناة المنار: لتفعيل هذه الحقوق، بعض الناس لا يعي أهمية هذا الحق فمثلاً بالنسبة للزيارة وعيادة المريض الكثير يستهين بها مع أنها مهمة جداً.
    د. عكام: هو ما استهان بها إلا لأنه في الأصل لم يفكر بأخيه قلنا إن فكرت بأخيك على أنه أنت وهذا ما يجب أن يكون ماثلاً في ذهنك باستمرار فلن أغيب عن عيادتك إذا كنت مريضاً إذا ما فكرت فيك على أنك أنا لم أقصّر تجاهك عندما تقع في أزمة أو مشكلة هذا الذي يستهين بعيادة المريض لم يضع في ذهنه أصلاً أن أخاه هو هو ،وأن أخاه هو بعضه لم يضع في ذهنه أن أخاه هو نفسه، لذلك نحن نؤكد على أن حقوق الأخوة لا يمكن أن تطبق إلا إذا وضعت في ذهني أن أخي هو أنا وأن أنا هو أخي وأن أخي يجب أن أرعاه وأن أخي يجب أن أبحث عنه وأن أسأل عنه، فإذا ما كنت أبحث عنه وأرعاه وأرقبه وأتابعه عند ذلك إن كان مريضاً سأعوده وهذا أمر طبيعي جداً إن كان في حاجة فسألبي حاجته وهذا أمر طبيعي، إن كان في يوم فرح فسأزوره، إن كان في عيد فسنتزاور معاً إن كان بحاجة إلى معونه فسأعينه المهم أن يركز المعنى الأساسي المُجمل الملخص في ذهني وهو أن أخي، الحق الأول الواجب علي تجاهه هو أن أن أرقبه أن أتابعه أن ألاحظه أن أبحث عنه أن تكون أخباره عندي من أجل تطبيق كل هذه المفردات التي ذكرنا بعضها من عيادة مريض أو من زيارة في مناسبة... الخ.
    قناة المنار: بعض الروايات أشارت إلى حق مهم لا بد له من وجود وكأنه ملح الأخوة وهو الصبر على الأخ.
    د. عكام: هذا يمكن أن نسميه التحمل، وأنا أقول إن لم يتحمل الأخ أخاه فقل لي بربك ماذا تعني الأخوة ؟ حينما تؤاخي إنساناً في أحوال اليسر ثم تتركه في أحوال العسر فماذا تعني هذه الأخوة ؟ عندما تصاحب إنسان كريماً حسن الأخلاق جيداً ممتازاً ثم بعد ذلك عندما تسوء أخلاقه بعض الشيء أو عندما تنزل به حاجة تصيبه فاقه تتركه، قل لي بربك ماذا تعني هذه الأخوة ؟ الأخوة في تطبيقها تعني بلا شك أمرين اثنين عدا الحب والنصيحة: تعني الحماية والرعاية، ونحن نتكلم عن مفرزات الحب والنصيحة التي تعني التعاون والتباذل هذا التعاون كيف يكون ؟ يكون في شكلين في شكل حماية وفي شكل رعاية، الحماية أنا أحميك من غضبك في أن أصبر معك وأصبر عليك، أحميك من معاصيك أحميك من مرض يمكن أن يأتي إليك، أحميك من كل مكروه، هذا أساس أول، الحماية، "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فالحماية أن أحميك من كل مكروه. والرعاية أن أرعاك من أجل أن تصل إلى تحقيق مآربك ضمن خط المشروعية العامة، فالحماية والرعاية، فأنا أريد أن أحمي ولدي من كل مكروه وأرعاه من أجل أن يكون على مستوى جيد في حياته الدنيوية وفي أخراه أيضاً، هذه الحماية والرعاية ستقوم شئنا أم أبينا على أساس من صبر وتحمل، تصور أستاذاً لا يصبر على طلابه، تصور أباً لا يصبر على أبنائه، تصور أماً لا تصبر على أبنائها وبناتها، تصور حاكماً لا يصبر على شعبه، تصور... وهكذا دواليك. تصور أخاً لا يصبر على أخيه لن يصلَ إلى شيء لن تتحقق هذه الأخوة وستتهشم هذه الأخوة من أول طريقها لذلك التحمل والصبر هذا هو الأساس لكل بناء إذا كانت الأخوة بناءً فهي تحتاج إلى تحمل وصبر إذا كانت الحضارة بناءً فهي تحتاج إلى صبر إذا كانت التربية بناءً فهي تحتاج إلى صبر، الصبر كما تفضلت الملح الضروري الأساسي وهو الأسّ والركن المكين وهو الجذر المتين لأي أمر إيجابي نستفيده في حياتنا هذه التي نعيش عليها لذلك كان الصبر في رأيي الفضيلة العظمى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
    قناة المنار: ضمن إشعاعات الصبر قد نتحدث عن الخلاف الموجود بين المسلمين والاختلاف الفقهي وغيره هنا الصبر كذلك يكون عنصراً مهماً في التعاطي والتعامل في النظر وفي تفهم هذه الاختلافات.
    د. عكام: أحياناً نحن نحتاج إلى الصبر، هذه صورة صغيرة من صور الصبر في رأيي لكنها غدت اليوم قوية لأن أخوتنا بشكل عام غدت ضعيفة، يجب عليَّ أن أصبر عندما أحاورك وأنت أخ لي عليَّ أن أصبر عندما أراك وقد صدر عنك فعلة تخالف في شكلها الفعلة التي تصدر عني، صدرت عنك لأنك مثلاً تتبع مذهباً معيناً عليَّ ألا أستعجل على نقدك وعلى نصحك بل عليَّ أن أتأنى وأن أسألك بعد الفعلة التي صدرت عنك على أي أساس يا أخي فعلتَ هذا الذي فعلت ؟ وأنا ما أعرف هذه الفعلة من أين مصدرها ؟ أنت تقول لي في هذه الفعلة أنا أتبع المنهج الفلاني. منذ أيام كنا في جلسة وكان أحد القراء يقرأ القرآن الكريم يقرأها على غير قراءة حفص عن عاصم كان يقرأ (إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتثبتوا) قراءة حفص (فتبينوا) أحد الحاضرين لم يصبر قال هذا يخطئ في القرآن الكريم، قلت لهذا المستعجل لو أنك تأنيت وسألت الذي قرأ ما جعلك تقرأ هذا ؟ سيقول لك بكل بساطة هذه قراءة أخرى، عند ذلك على الأقل لا تظهر جهلك أمام الناس ولا تظهر عصبيتك ولا تُظهر إساءتك للآخرين والمجلس وسينتفي سوء الظن لذلك نحن نقول للمسلمين اليوم: اصبروا على بعضكم حتى النهاية، انتظروا ما يُسفر عنه هذا الذي يتكلم أمامكم وبعد أن تصبروا وبعد أن تتثبتوا عند ذلك بإمكانكم أن تحاوروا أن تنتقدوا أن تنصحوا أن تصوبوا أن توجهوا...الخ هذه صورة من صور الصبر البسيطة فما بالك ونحن إلى أن يصبر بعضنا على بعض من حيث حتى الأفعال المخالفة، علي أن أصبر على أخي ولا أهجره وشتان بين البغض في الله أن أبغض المعصية التي صدرت عنه وبين الهجران أن أهجره لمجرد المعصية أن أهجره قبل النصيحة أنا لا يمكن لي أن أهجر أخاً لأنه قام بفعلة مخالفة علي أن أنصحه فإذا ما هجرته فسأتركه للشيطان ولذلك ورد في الأثر: كن عوناً لأخيك على الشيطان ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك. إن لم أصبر فسأكون عوناً للشيطان على أخي إن صبرت فسأكون عوناً لأخي على الشيطان.
    قناة المنار: كما تفضلت الحقوق كثيرة جداً نريد أن نشير في دقيقة إلى حقٍ ونختم بسؤال أخير هذا الحق مهم جداً وهو الدعاء للأخ بظهر الغيب، لو ذكرت لنا أهمية الدعاء للأخ بظهر الغيب.
    د. عكام: الدعاء في ظهر الغيب هو عبارة عن برهان على صدق أخوتي معك، حينما أقوم ببعض الأفعال الجيدة بالحماية والرعاية وأنت أمامي فهذا يمكن أن يكون فيه شيء من المراعاة لأنك أمامي لكن حينما أدعو لك في غيبتك فهذه حجة وبرهان ودليل على أني صادق في أخوتي معك، عندما أتذكرك وأنت أمامي ليس من فضل كبير في هذا التذكر لكن حينما أتذكرك وأنت غائب عني فهذا دليلٌ على صدق ارتباطي معك، ولذلك ورد عن بعض الصحابة أنه كان يقول إني لأدعو لسبعين رجلاً من أصحابي في صلاتي أسميهم بأسمائهم، تصور لو أنك قلت لي وهذا كان يقوله لي أحدث أساتذتي الأجلاء وهو الدكتور محمد فوزي فيض الله وهو مشهور بهذا كلما رآني يقول لي أنا أدعو لك يا أخي في ظهر الغيب يشهد الله، تصور أني أقول لك هذه الكلمة أعتقد أنني بهذه الكلمة سأمحو من قلبك إن كان في قلبك بعض الشيء علي، هذا يقوي ويمحو ما بيننا من شحناء وبغضاء وعلاقة غير جيدة وكأننا بهذا نستثير غيرة الله عز وجل يرى عبده يدعو لعبد هذا الدعاء من هذا العبد لهذا العبد رحمة فيقول الله عز وجل أنا أولى منك بعبدي. وبالتالي سيتجلى الله عز وجل ويستجيب لهذا العبد دعاءه لأخيه ويعطي ربنا عز وجل زيادة من كرمه لهذا العبد.
    قناة المنار: سماحة الشيخ السؤال الأخير وهو يتضمن الكلمة الأخيرة التي يمكن أن توجهوها للمسلمين للأمة المسلمة كيف نُفعِّل ونستفيد من شهر الصيام لتفعيل الأخوة في مواجهة الفتن المذهبية والطائفية التي تعصف في الأمة.
    د. عكام: أنا أقول لهم كلمة واحدة بحق رمضان أيها الصائمون وبحق الصيام وبحق هذه الفريضة التي تقومون بها جميعاً شيعة وسنة صوفية وسلفية حنفية وشافعية وجعفرية أنتم تصومون جميعاً بحق صيامكم وأنتم جميعاً تصومون لأن الله أمركم وما أظن بأن فئة أو بأن مذهباً من هذه المذاهب التي ذكرناها تصوم لأن صاحب مذهبها أمرها أن تصوم أنتم تصومون جميعاً لأمرٍ من ربكم هذا الذي أمركم بالصيام، بالله عليكم هذا الذي أمركم بالصيام يا أيها الصائمون من كل الفئات الإسلامية هذا الذي أمركم بالصيام هو نفسه الذي أمركم بالوحدة والاعتصام بحبل الله جميعاً فإن كنتم عباداً صادقين لله عز وجل وإن كنتم تصومون لله فما عليكم إلا أن تأتمروا أيضاً بأمر الله عز وجل يوم قال لكم (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) برهنوا على أن صيامكم لله من خلال ائتماركم بأمر الله بالاعتصام في أن تكونوا جميعاً يداً واحدة في أن تكونوا أمة واحدة في أن تكونوا فئة واحدة في أن تكونوا على يد واحدة في أن تكونوا على قلب واحد وتحققوا بالحديث الذي قاله سيدنا محمد أناشدكم الله أن تحققوا بالحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" الذي أمركم بالصيام هو الله والذي أمركم بالوحدة هو الله أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض لا يجوز لنا هذا بالله عليكم أناشدكم الله أن تتآخوا وأن تتحققوا بالأخوة الإيمانية وأن تكونوا على مستوى المحبة والنصح الذين يفرزان التعاون والتناصر والتباذل والذين يدعوانكم من أجل أن تكونوا في حماية ورعاية لبعضكم.
    قناة المنار: سماحة الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب شكراً جزيلاً لك على هذا الحوار القيم وإن شاء الله نستضيفك في حلقات قادمة، مشاهدي الكرام إلى هنا ينتهي هذا الحوار أشكر حسن متابعتكم أستودعكم الله وتقبل الله أعمالنا وأعمالكم.

    أجرى الحوار: محمد دكير

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017