آخر تعديل الإثنين 24 يوليو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 582907

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    كلمات وتعليقات ومناشدات.. حول السياسة والحرب والإرهاب والمقاومة

    1- الإسلام ومصطلحات الظلم:

    الإرهاب والتعصب والعنصرية والنازية والعنف والتطرف، مصطلحات مرعبة وذات دلالات مشتركة والجامع لها جميعاً هو الظلم، وليس ثمةَ رذيلة أفظع من الظلم، والظالم مجزي بأقسى أنواع العقاب في الدنيا والآخرة.

    وحين نُعرف هذه المصطلحات نقول:

    الإرهاب: ممارسة اعتداء أو تهديد على آمن غير ظالم.

    التعصب: اجتماع قوة على غير الحق.

    العنصرية: اكتفاء فئةٍ بنفسها لتكون وارثة الأرض وقيوميتها دون غيرها بغير وجه عدل.

    النازية: عدوان على آخر لمجرد كونه آخر.

    العنف: تسرع في اختيار السلاح لمواجهة المخالف.

    التطرف: النظر إلى جانب واحد من أمرٍ ما، واعتبار المنظور إليه من خلال هذا الجانب فقط وإهمال سائر الجوانب في الاعتبار.

    وعلى هذا، فالإسلام لا يمتُّ إلى كل هذه بصلة أو بأدنى مسّ يفيد الإقرار. فالقرآن الكريم قال: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ فأين الإرهاب ؟!

    والقرآن الكريم قال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فأين التعصب ؟!

    والقرآن الكريم قال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فأين العنصرية ؟!

    والقرآن الكريم قال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ فأين النازية ؟!

    والقرآن الكريم قال: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ ويقول: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ فأين العنف ؟!

    وأما يتعلق بمشروعية الدفاع عن النفس والحق في مواجهة ذلك كله؛ فقد قال تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.

    وقال أيضاً: ﴿أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقٍ إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾.

    ويؤصِّل الإسلام العلاقة بين الناس كافة على أساس من الرحمة والسلام والإحسان. قال تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾، وقال: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً﴾.

    الإسلام يدعو إلى صِلات بين الناس عامة تقوم على البر، فما بالك إذا بتلك التي يدعو إلى إقامتها بين المسلمين أنفسهم ؟!

    وها نحن نكتفي بذكر عنوانها فقد قال تعالى عنها: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، والأخوّة تناصح وتباذل وتعاون، فكيف بمن يستبدل بها الذي هو أدنى من قطيعة وتنافر وتنازع ؟ ألا ساء ما يستبدلون وما يحكمون.

    نحن الذين قدمنا المبررات للآخرين لاتهامنا بالعنف نحوهم، وذلك حين نتنازع فيما بيننا، فمن كان نحو أخيه في العروبة والدين والوطن قاسياً محتقراً معتقلاً مغتالاً فهو من باب أولى أشد نحو البعيد والمختلف عنه ديناً ووطناً وعروبة.

    قتالنا الصهيونية في فلسطين والجولان ولبنان ليس إرهاباً ولا عنفاً ولا عنصرية ولا نازية ولا تعصباً، بل هو محاولة واعية إنسانية جادة للقضاء على الإرهاب والعنف والعنصرية والنازية المتمثل والمتجسد بالصهيونية المعتدية المحتلة الآثمة وبمن يدعم الصهيونية، فمَنْ دعم الإرهاب والعنف والعنصرية والنازية والتعصب والتطرف فهو كذلك إلى أن يرعوي.

    هذه عبارات قلتها في مناسبات شتى، استوحيتها من مقولات الإسلام بشكل عام: ‏

    - لسنا ضد أحد ولكننا لا نسمح لأحد أن يكون ضدنا.

    - الحضارة لا تقوم على شتم الحضارات، ولكنها تقوم على تحمل شتم أشباه الحضارات.

    - الإنسان هو الإحسان، بَيْدَ أن النون في الإنسان نون النشأة، والحاء في الإحسان حاء الحياة والحياء، والحياة والحياء وجهان يمثلان الإنسان مادة ومعنى، والمعنى فيهما هو الأهم، وإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.

    - وبناء على ما سبق فحرب رمضان أو تشرين، حرب مشروعة وانتصارنا فيها انتصار حق وقضية عادلة، وكذلك انتصارنا في أيار جنوبي لبنان، وفي تموز في بيروت، وهكذا...، وأملنا انتصارات قادمة في القدس والجولان وبقية ما بقي من لبنان.

    2- مناشدات:

    أ- لا يقهرْ بعضُكم بعضاً، فالقهر في النهاية يؤدي إلى انفجار.

    أخاطب كل مسؤولٍ في كل عالمنا الذي نعيش فيه وأخص المسؤولين في العالمين العربي والإسلامي، وما ثمةَ أحدٌ خارجٌ عن نطاق الاختراق بالانفجار إذا ما قَهَرَ، فلا تقهرْ يا رجل الدِّين الناسَ بالشدَّة فيقهرَك اللهُ بمن يُخرجك عن الدِّين ألبتّة، إن أناساً منا من بني جلدتنا، احتكروا موقف الدين وحُكمِ الدين، ولا يسمحون لغيرهم أن يتكلم باسم هذا الدين، فهم الذين يتكلمون باسمه وحدهم دون سواهم، وهم الذين يُصدِّرون الفتوى دون سواهم، وهم الذين يقولون: هذا حلالٌ وهذا حرام دون سواهم، وإذا ما خالفتهم فالويل لك وربما كنت محكوماً عليه بالإعدام من قِبلهم على أنك خارجٌ عن الملة، وهم الذين سيتولون تنفيذ حكم الإعدام فيك لأنك مرتد !

    يا رجل الدين لا تقهر غيرك في الشدَّة فيقهرك الله.

    ويا رجل السلطة لا تقهرْ الناسَ بالقسوة فيقهرَك الله ويُسلَّط عليك من لا يرحمك.

    أيها الأب: لا تقهرْ ولدَك فيقهرَك اللهُ؛ وكذلك أنت أيها الابن، لا تقهرْ والدك بالعقوق فيقهرك الله.

    ولا يحسبنَّ الظالمُ نفسَه بمنأى عن جزاءٍ لظلمه، ولو من ظالم مثله، أو من آخرَ أشدَّ ظلماً، وقد أحكمتْ سُنَّة إلهيةٌ تجلت بعبارة نرددها: "ما من ظالم إلا سيبتلى بأظلم منه"، والظلم رذيلة الرذائل، وهو ظلمات في الدنيا والآخرة.

    ب- الحرب لا نريدها فهي صورة من صور الإرهاب.

    وعلى الذين يرفضون الإرهاب أن يرفضوا الحرب أيضاً، وقد كان الصحابة الكرام كما يروي البخاري لا يحبون الحرب، ولكنها ضرورة والضرورة تُقَدَّر بقدرها، وكانوا ينشدون فيما بينهم – كما يروي البخاري – قول  امرئ القيس:

    الـحرب أول ما تكون فـتيـَّةً          تسـعى بزينـتها لكل جهـول

    حتى إذا اشتـعلت وشبَّ ضرامها          ولـَّت عجـوزاً غير ذات حليل

    شَـمطاءُ يُنـكَر لونها وتغـيَّرت          مكـروهةً للشـمِّ والتقـبـيل

    لا يريدون الحرب؛ ونحن إن قلنا للناس: لا نريد الحرب فسوف نُتَّهم بالخَوَر والجبن، وإن قلنا للناس: نريد الحرب، فلا نعرف قواعد الحرب، ومتى تكون الحرب واجبة، وكيف يمكن أن نحارب، ولا نملك أدوات الحرب !

    نحن في ضياع، ونحن في برزخ بين الحقيقة والباطل، ولا نعرف ولا نقدِّر أللحقيقة ننتمي وليس عندنا ما ندفع من ثمنٍ لذلك، أم للباطل ننتمي والله يأمرنا أن لا ننتمي للباطل ؟!

    ج- لا تنسبوا إلى دينكم ما ليس منه.

    على كلِّ من يريد قولاً أو عملاً منسوباً إلى ديننا أن يتأكد من صحة النسبة بسؤال المختص الخبير التقي، وإلا فهو ظالم لهذا المبدأ أو ذاك الدين.

    وكم ظَلَم أبناء الإسلام دينهم إذ نسبوا إليه ما ليس منه !

    وكم ظلموا إخواناً لهم إذ أخرجوهم من رحاب الدين لأنهم لم يوافقوهم على نسبة ما ألحقوه بالإسلام على أنه إسلام !

    فئات قليلة تريد أن تفرض علينا فهمَ الإسلام، وتريد أن تقول لنا بحماية البارودة والسلاح بأن ما تقوله هو الإسلام وتفرضه علينا بالقوة وإلا فدمنا حلال !.

    لا يا ناس ! الإسلام كتابٌ وسنة، الإسلام قرآن وسيرة المصطفى العدنان: (تركتكم على مثل المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك).

    الإسلام كتاب الله، الإسلام اجتهاد من عالِمٍ عارفٍ تقي، يستنبط من المصحف الشريف ومن السنة المطهرة، من القرآن الكريم ومن السيرة العطرة، وليس الإسلام كلاماً يحمل في ظاهره حرباً على المعتدين، حتى إذا ما قال الإنسان هذه الكلمة أضحى على أساسها قادراً على الإفتاء وعلى قول أحكام الإسلام، وما قوله ولا فتواه بصحيحين.

    د- الصحة والإخلاص مبدآن أساسيان وشرطان ضروريان لممارسة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

    يا أبناء العالم: الصحة والإخلاص مبدآن أساسيان وشرطان ضروريان لممارسة الدعوة، ولا يكفي أحدهما دون الآخر.

    يقول لي بعض الإخوة - وقد سمَّيت مثل هؤلاء الإخوة: محامين عن مجهولين - مدافعين عن بعض هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات التي أراها غير شرعية، يقولون لي: ألم تنظر إليهم ! تركوا الرخاء، وتركوا الرفاه، وخلدوا إلى الجبال، أليسوا من المُضحِّين ؟! تركوا العِزَّ المادي، وتركوا بلادهم وعزفوا عن أموالهم وعن زخارف الدنيا !

    أقول لهؤلاء: نحن ندرك - إن وافقناكم - بأن نية هؤلاء طيبة، ولكن أذكركم بأن الصحة والإخلاص لا بدَّ منهما، لا بدَّ من النية الطيبة، ولا بدَّ من أن يكون مع النية الطيبة العمل الصالح الموافق لشرع الله.

    العمل الصالح والنية الطيبة مبدآن أساسيان لا حَيْدَ عنهما، وإذا كانت الصحة تعني الصواب والسَّداد لشرع الله المجيد في الأعمال والأقوال، فإن الإخلاص يعني التقوى والنية الطيبة في الصدور والخوف من الله.

    3- الحركة الإسلامية السياسية:

    لا أبالغ إذا قلت: إن السياسة أثّرت سلباً على الإسلام يوم أقحمها من أقحمها على أنها مساحة مهمة من مساحاته. وإلا فهي - في رأيي - لا تعدو أن تكون مساحة مستقلة عنه يشرف عليها ويوجهها من غير أن يتماهى بها أو تتماهى ببعضه أو بجزءٍ من أجزائه المكونة له.

    وعلى هذا، فنحن نقول:

    الإسلام يوجه السياسة لتكون في ظلال الصفات الحميدة والسمات الرشيدة، من عدالة وأمان وحسن تواصل بين الحاكم والمحكوم، ولعل القرآن الكريم والسنة النبوية، وبعد تمحيصهما ودراستهما ينحوان النحو الذي ذكرنا، والوجهة التي عليها عرجنا، وقد كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم الرئيس وقائد الدولة يستظل بظل محمد النبيِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما كان الأول يمارس المهام السياسية الملقاة على عاتقه في المدينة المنورة. وتتابع على ذلك مَنْ بَعده من الخلفاء الراشدين والحاكمين العادلين.

    وها نحن أولاء نؤكد على أن السياسة - سلوكاً ومنهاجاً - لا يمكن أن تكون بمفرداتها المتقلبة والمختلفة من وقت إلى وقت ومن مكان إلى مكان، جزءاً ثابتاً بمعطياته وأحكامه من أجزاء الشريعة الإسلامية، وإلا فسيتحول الدين الحنيف بإسلامه وإيمانه وإحسانه إلى تابع مذعن للسياسة التي تأبى إلا أن تكون متبوعة قائدة، لأنها تعتلي سدَّة القيادة والسيادة الدنيوية، فمن جعلها جزءاً ثابتاً من الدين الحنيف فقد سلّم بها رأساً، وإذا كانت رأساً للجسم الديني الإسلامي فستكون متحولاً تتبعه سائر الأجزاء، وهذا ما لم نعهده فيما قرأناه وعلمناه وفهمناه عن ديننا عبر النصوص والدلالات.

    وخلاصة الأمر في رأيي: أن الدين حاكم على كل الشؤون الإنسانية، وحاكميته بقدر ما يستلزم كل شأنٍ منه. أي من الإسلام.

    فالعبادة تقتضي حاكمية كلية مفصلة من الدين عليها، والمعاملات تستلزم حاكمية كلية مجملة، لأنها – أي المعاملات – تتجدد وتتغير، والسياسة تستلزم حاكمية توجيهية من الدين عليها، تُتَفَقَّد تنزيلاتها بين حين وآخر من قِبَل علماءٍ أبرار يحكمون على الملوك، ولا يحكم الملوك عليهم، لأنهم اتخذوا غرضاً غير غرضهم في السلطة والسيادة والسياسة.

    إن الملوك ليحكمون على الورى          وعلى الملوك لتحكم العلماء

    ولعلي هنا لا أريد التدقيق في الأسباب والدوافع التي حولت العلاقة التي ذكرتها بين الدين والسياسة عن مسارها، لتجعل الدين سياسة، والسياسة ديناً، ولكني أكتفي بالقول إن ذلك كان نقطة تحول أدى إلى كوارث ونكبات وقعنا فيها، ولا يمكننا الخروج منها إلا إذا أعدنا النظر في قضية الإسلام والسياسة وطبيعة العلاقة بينهما.

    نعم. هذا الذي حصل، وكان من نتائج ما حصل أن برزت حركات إسلامية سياسية على مساحة الزمن الممتد من لحظة الخلط بين الدين والسياسة خلطاً لم يؤصَّل وفق معايير فقهية إسلامية دقيقة، وإلى أيامنا هذه، فالحركة الإسلامية السياسية الفلانية التي قامت في البلد الفلاني، سعت إلى السياسة وتماهت معها، وغلبتها السياسة، ولكنها بقيت تتحرك باسم الإسلام ممثِّلة له، وناطقة باسمه، وحولت كل مفرداتها السياسية الاجتهادية إلى مفردات إسلامية تكليفية لا يجوز الانفكاكُ عنها، لأنها إسلام ودين وشرع، ولا نستثني هنا حركة من مجمل الحركات الإسلامية السياسية، فالجميع معنيون: من إخوان مسلمين إلى تحرير إلى سلفية إلى إسلامية إلى ... إلى ...

    وقد علّقت يوماً على كتاب بعنوان: (الطريق إلى حكم إسلامي)، لكاتب إخوانيّ لبناني، فقلت: كان الأَوْلى أن يكون عنوان الكتاب: (الطريق إلى حكم الإخوان المسلمين).

    وإذ ننتقل لنتحدث عن عقابيل أحداث أيلول 2001 م، فإننا نؤكد أن هذه الأحداث لم تكن في خير المسلمين، ولا في خير الحركات السياسية الإسلامية، ودليلنا في ذلك ما نعاني وما يعانيه كل المسلمين في العالم، وأخطر نتيجة انحسرت عنها تلك الأحداث: ما أصاب الإسلام من تشوه في تصور الذين لا يعرفونه أو الذين عرفوه معرفة مجملة بسيطة غير معمّقة.

    وكذلك ما لحق المسلمين من حرص استنفد قدراتهم لكي يدافعوا عن إسلامهم، وأنه بريءٌ من العنف والتعصب والإرهاب وما شابه، وقد كررنا كثيراً مقولة مفادها: لو أن "القاعدة كانت حركة ثورية صرفة ولم تتبدَّ بسمة الإسلام والإسلامية لكان الموقف حيالها مغايراً لما هو عليه الآن حين تبدت باسم الإسلام وظهرت تحت عنوانه".

    وأنا على يقين أننا كنا سندعمها ما دامت ثورية إنسانية تتكلم باسم المظلومين، وتنافح عنهم وتناضل عن حقوقهم في مواجهة الظالمين، ما دامت مرجعيتها هي رؤيتها الخاصة بها، ففي أسوأ الأحوال يقال عنها: مناضل ضد الظلم أخطأ الطريق، لكنها حينما تكلمت باسم الإسلام وتجلّت من خلاله، فهي بذلك قد صادرت آراءنا وحسمت مواقفنا لصالحها، أو ربما أخرجتنا من ديننا إن لم نقف مؤيدين لها، وهذا ما جعل الأوراق تختلط والمفاهيم تتيه وتضيع، والمسلمين في خصام  فظيع فيما بينهم.

    نأمل من الحركات الإسلامية السياسية أن تُبقي في عناوينها على "السياسة"، وأن تحذف الإسلامية، وعندها فنحن معها، وداعمون لخير فيها، وناصحون لها لشرٍّ يصدر عنها وهكذا...

    وإلا فسيبقى الصراع الإسلاميُّ – الإسلاميُّ مستمراً وموفراً فرصة سانحة للمغرضين، فينفذون عبرها ويصطادون في الماء العكر.

    يا قوم عودوا إلى إسلام القرآن الكريم والسنة الشريفة في رسم طبيعة علاقة الدِّين بالحياة، عبادةً ومعاملاتٍ واقتصاداً وسياسةً و...

    وخلاصة خلاصةِ الأمر:

    الإسلام مع الخير في ميدان السياسة، لكنه لا يثبت مفردات ثابتة مفصلة في هذا الحقل، فالناس أعلم بأمور دنياهم، وعليهم أن يوجِّهوها من حيث النية النظيفة والغاية النبيلة النافعة، لتصبَّ في مصبِّ العبودية: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال، عندما أرسل سرية موجهاً قائدها: (وإن حاصرتَ أهل حصن فأرادوك أن تنزلَهم على حكم الله فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) أخرجه مسلم عن بريدة رضي الله عنه.

    4- قاسَمَونا فأعطونا الحربَ واضطرابها وأخذوا السَّلامَ واستقرارَه؛ فيا غباءَنا إن رضينا:

    الحياةُ قسمان غير متكافئين: حربٌ طارئة عارضة، وسلام ثابت وأصيل.

    وقَمينٌ بالإنسان أن يعطي مِنْ جُهده ووقته وعمله وأمله القسمَ الأوفر للسَّلام، وأن يدَّخر بعضاً من قدراته ومُكناته للحرب.

    لكننا – وفي لحظة غفلة ووهم – عَكَسْنا الشأنَ فجعلنا المساحةَ الأكبر منَّا للحرب، وقصرنا السَّلام على المساحة الأصغر.

    والذي زاد الطينَ بلَّة أنَّ الغربَ المقابل لنا، بكل أطيافه، شجَعَنا على هذا الذي فعلنا، بل ومنحَنا الأوسمةَ في مجال الحرب والقتال، وأبقَى أوسمة السَّلام لنفسه، يعلِّقها على صدره وصدر الكون، حجرِه وشجرِه وأرضه وسمائه.

    وابتدأ التاريخُ الذي لا أحبّ، فنحن الأبطال نقتل ونضرب ونستشهد ونموت... ويا غرب هاتِ ما عندك من أسلحة وعتاد، وخذ مقابله ثرواتنا الخام وما تحتوي عليه بلادنا من خيرات.

    والمهم أن يحكمنا صاحب البزة العسكرية، نرفع صورَه المتنوعة المتعددة بلباسه الحربي، مع النياشين تارةً وبدونها تارةً أخرى، وببذلة الميدان مرة ثالثة، أو زدْ على ذلك ولبِّس القائدَ ما شئت من فنون السلاح تلبيساً.

    ولا بدَّ للحاكم في بلاد العرب والمسلمين اليوم من رتبة عسكرية ومكانة حربية، وإلا فلن يُذكَر في سجل الأبطال ولوحة الميامين، وهناك في الغرب أو في الجهة المقابلة لعالمنا العربي والإسلامي - حيث يُصنع السلاح وتخترع الآلات الحربية - لا ارتداءَ للباس العسكري من قبل الحكام، ولا جنودَ تُطعِّم محافلَ الناس المختلفة، الاجتماعية منها والعلمية، بل ولا تفاخرَ بالمعارك ولا بالوقائع القتالية.

    قلت هذا منبهاً أمتي العربية، ومن ثمَّ الإسلامية، إلى ضرورة وعي الحياة في أصلها، فهي - أعني الحياة - لا تُسجل في نيِّرات صحائفها إلا أبطالَ السلام والأمان، ولا تعترف إلا على من طمأنَ الإنسان وأمَّنَه على حريته وعدالته وقيمه وسكَنه وأهله وعشيرته وحجره وشجره، أمَّا من أشعل الحرب وعاشها هاجساً وجعلها كذلك لدى أمةٍ ما، فهو عن تاريخ البناء معزول.

    فيا أمتي:

    أفيقي من وهمٍ سَدَرتِ فيه قروناً طويلة، وعودي إلى رحاب السَّلام، وخذي فيه موقعاً، واعملي على منافسة أصحاب المواقع فيه عبر الاستقرار الاقتصادي والعلمي والسياسي.

    حوِّلي القيم إلى مؤسسات، وإياك أن تفردي بالتقديس شخصاً، وأن تمنحي هذا الشخص كلَّ مفاتيح الحل والعقد، فيكون مصيرك مرتبطاً به وجوداً وعدماً، خطأً وصواباً، ذلاً وعزاً، فما هكذا تورد يا سعد الإبل، ولا هكذا تُبنى المجتمعات، فالمجتمعات ليست مجتمعات إلا بالمؤسسة والقانون الشامل والقضاء العادل والتعليم الواعي والإمام الراعي الحاني.

    نعم يا أمَّتي، أو يا أمَّتَيَّ: الحربُ بدائيةٌ والسَّلام ارتقاء، والحرب شرٌّ حتى ولو كانت فيها مسحةُ خير أحياناً، لكنَّ الصُّلح والسَّلام خيرٌ كله، ولا يشوبه شائبة شرّ.

     نريد يا أبناء وطني بطولات في مجال السَّلام، ومجالُ السَّلام صناعةٌ وزراعةٌ وتجارة وبناء ورفاهية وسرور وأمان.

    أمَّا الحرب فليس من آثار لها سوى الإنهاك والتعب والاضطراب والرعب وإعادة العمل من جديد، كالتي نقضت غزلَها من بعد قوة أنكاثاً.

    والكلمة الأخيرة هنا:

    سئمنا الحروبَ ووهمَ الحروب وآثار الحروب، وتُقنا للسِّلم والسَّلام والأمن والأمان والتحقق بالمعنى الحق للإسلام. وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين﴾.

    وحسبُنا أن نؤكد بلغة الإحصاء أن القرآن الكريم ذكر الحرب والجهاد والقتال واشتقاقاتها المتنوعة إيجاباً وسلباً حوالي 225 مرة، وذكر السِّلم والأمن والأمان والإيمان والإسلام آلاف المرات، فهل من مدَّكر؟!

    ولعل قائلاً يتردى لَبُوس سائل يقول: وكيف السبيل لاسترجاع ما فقدناه من أرض وبلاد وثروات ؟

    فأجيب: بالجهل ضَيَّعتمْ ما ضَيَّعتم، فما عليكم إلا العلم حتى تعيدوا ما فقدتم، فادخلوا معركة العلم تسترجعوا ما لكم، وترثوا حتى ما هو لغيركم ظاهراً، إن كنتم متفوقين على ذاك الغير بالعلم والمعرفة والفكر والحركة السُّنَنية الجَادَّة، تطبيقاً لقول الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾.

    وقد أكَّد جلُّ المفسرين على أن الصالحين في هذه الآية هم أولئك العالمون العاملون، الخبيرون الفاهمون، فهم بهذه الصفات يغدون صالحين لعمارتها، فهيهات أن يورث الله الأرض أو أرضاً مَن يعبث بها ولا يصلحها: ﴿فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين﴾.

    5- الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض:

    إذا كان الإرهاب - بحسب دلالة اللغة اليوم - يعني نقيض الأمن والأمان، فإننا - ومن منطلق مصادر شرعنا - نرفض الإرهابَ وندينه ونشجبه. غير أننا - وفي الوقت نفسه - نسعى إلى توحيد مفرداتِ التعريف وأبعادَها الدلالية بين الشاجبين والرافضين.

    نقول لهؤلاء جميعاً ونحن منهم، أي نقول لأنفسنا ولغيرنا:

    فلنصدُق في التوجه المعرفي للوصول إلى معلومة جادَّة في هذا الشأن، ومن ثمَّ من أجل فحص المعلومة هذه فلنتبادل الأدوار في مساحة الحياة، فيتخيّل ويتصور كلٌ منَّا نفسَه مكانَ الآخر.

    وعليه: فهل يقبل الأحكام التي وجَّهها للآخر على نفسه إذا صار محلَّه، أم أن الأمر سيختلف ؟

    فإن قَبلها فالمعلومة جادَّة، وإن اختلف فلنُعدِ النظر في التعريف.

    يا ناس: المشكلة في أننا قد نكون إرهابيين في اجتماعاتنا التي نتداعى إليها لمحاربة الإرهاب، وذلك حين يفرض بعضُنا على بعض مفاهيمَه ومصطلحاته.

    وقد نكون إرهابيين في بيوتنا حين يسعى الأبُ إلى فرض احترامه على ابنه فرضاً وبالقوة، وهكذا...

    وإذا كنتم تريدون إنهاء الإرهاب فأنهوه من أنفسكم على أنفسكم، ومن أنفسكم على أبنائكم، ومن أنفسكم على تلاميذكم، ومن أنفسكم على رعاياكم، ومن أنفسكم على شعوبكم ومن أنفسكم على حكامكم.

    وادرسوا الإرهابيَّ ودوافعَه وأسباب إرهابه، فلربما كنتم له دافعاً وما تشعرون، أو تشعرون؛ فالمصيبة عندها أعظم.

    أمِّنوا الناس بالصِّدق ولا تُقلقوهم بالكذب، وطمئنوهم بالصراحة ولا تجعلوهم مضطربين بالمخاتلة، ولا تكونوا كخائني بني إسرائيل الذين يَسعون إلى أمنهم على حساب أمن الآخرين، ويقولون: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾.

    وفرِّقوا بكل قوة بين الإرهاب والدفاع المشروع عن النفس، وقد يسمى "مقاومة".

    وبعد هذا كله، فإمَّا لقاءٌ ينفع الإنسانَ، وإمَّا فراق ينفع الإنسانَ، فنفع الإنسان وأمانهُ هو في النهاية مطلوبنا ومرادنا.

    وأخيراً، فالإرهاب المرفوض هو: كل ما يهدد الإنسان ويقلقه ويزعجه ويخيفه. والبادئ أظلم.

    ولا أمان إلا بالإيمان الحق بصدق وإخلاص. فهل نحن منتهون ؟!

    6- المقاومة: إلى متى ؟!

    المقاومة في كل مكان من أمكنة العالم مشروعة، لأنها تعني في حقيقتها ردَّ المعتدي ودفعَ الظالم، ولا فرق في هذا بين مقاوم مسلم وغير مسلم، ومقاوم عربي وغير عربي. وتتحدد وسيلة المقاومة بالمُكنة والاستطاعة، وليس ثمَّةَ وسيلةٌ ممنوعة تجاه دحر الآثم والظالم والباغي.

    وحين نُشخِّص فنتحدث عن المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية والمقاومة السورية وهكذا... نؤكد على مشروعية هذه المقاومات، فهي ترد المعتدي من صهيوني وأمريكي عن أرضها وترابها وبلادها، وتدفع الظالم عن عِرضها ومستقبلها وحاضرها.

    وعلى الذين يبغون إنهاء المقاومة أن يتوجهوا إلى علَّة وجودها فيقضوا عليها، لتنتهي بدورها تلقائياً.

    وها نحن أولاء نطالب المنظمة الدولية والدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعرف على حقيقة الأمر والواقع فيما يتعلق بفلسطين ولبنان والعراق وسورية وسواها، فسيجدون - إن كانوا موضوعيين - أن هذه الدول مظلومة مَبغيٌّ عليها، وحينها نناشدهم مقاومةَ الظالم والباغي، وإلا فهم شركاء في الظلم والبغي وساء ما يفعلون.

    وأمَّا ما يخصُّنا ويَعنينا: فسنبقى نشجّع المقاومة ونشدَُ عَضُدها ونُعينها ونساعدها وندعمها. فالمقاومة منهجٌ غايتُه السَّلامُ والأمان، في مقابل الإرهاب والعنصرية والنازية والعنف والتطرف.

    وبعبارة أخرى: المقاومة عادلة؛ أي: تَنشُد العدلَ والتحقق به بطريق العدل. أما المفردات المقابلة المذكورة آنفاً فهي وليدة الظلم والبغي والجور والحيف.

    وعلى هذا: فمعارضة الدولة الظالمة مقاومةٌ.

    والولد المتمرِّد على الوالد الغاشم مُقاوِمٌ.

    والزوجةُ الرافضةُ سيطرةَ الزوج العنيفةَ الباغيةَ مقاومةٌ.

    إلى أن تصل إلى المثقف الذي لا ينافق للسلطة ولا يمالئها، بل يَجدُّ في تعميق وعيِ ضرورة العدل، وبسطِه على كل المرافق والمفاصل، فهو مقاوم.

    وبكلمة مختصرة، أو إن شئتَ سمِّها معادلة:

    المقاومة حيث الظلم يجب أن تكون. والمقاومة لبوس المظلوم إلى أن يحلَّ العدل والإنصاف.

    فلا تلوموا مَن قاومَ بل وبِّخوا مَن ظلم، ولائمُ المقاومِ منافقٌ، ولائمُ الظالمِ ومحاربُ ظلمه مقاوم.

    يا ناس، يا أمم، يا شعوب: لبنان مظلومة وفلسطين مظلومة وسورية مظلومة والعراق مظلومة و... وربما تصرف المظلوم أحياناً تصرفاً غير مدروس فلا تعتبوا عليه، بل العتب واللوم والتقريع والتوبيخ، وحتى اللعن، على مَنْ ظلم، وعلى من أفسد، وعلى من اعتدى.

    وثقوا يا أمم الأرض أن المقاومة مستمرة وباقية، وقد تضعف، ولكنها - أبداً - لن تموت، ولن تموت، ولن تموت، ما دام الظالم سادراً.

    فهل من مجيب ؟! وهل من سامع ؟! وهل من عاقل ؟! أليس فيكم رجل رشيد ؟!

    وإنا لذيّاك اليوم الذي سيندحر فيه الطغيان والعدو لمنتظرون... وآنئذٍ لا مقاومة، بل منافسة على خيرٍ ينفع البلاد والعباد: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

    7- وفي النهاية:

    أيُّها العرب.  أيُّها المسلمون. وأنت يا سورية خاصَّة:

    هيا جميعاً إلى تشكيل أنموذج يُحتذى فيما يخصُّ وحدةَ الشعب والقيادة، واجتماعَ الكلمة وتراصَّ الصفوف، ولقاء الإنسان مع الإنسان تحت قبَّة الإسلام الأوسع والعروبة الأرفع، وأرُوا الناسَ جميعاً حُسنَ ارتباطكم بربكم، وكذلك بالإنسان عامة، وبالأرض وبالوطن. وردّدوا بالقول وبالفعل:

    الحضارة حضورٌ بعطاء نافع، وما كانت الحضارة في يوم من الأيام قهراً ولا مادة صرفة.

    اذكروا بينكم وبين أنفسكم طبيعة رسالتكم وحقيقتها، ولا تنازعوا فتفشلوا، لأنَّ طبيعةَ رسالتكم اعتصامُ جميعكم مع جميعكم بحبل الله المتين، وهو القرآن العظيم الذي جاء للإنسان هدىً ورحمةً وبناءً وعطاءً ورفعةً ومكانةً.

    ربنا هَيئ لنا وللإنسانية كافَّة مِنْ أمرنا رَشَداً.

    د. محمود عكام

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    حوار جريدة السياسة الصادرة بالكويتعصارات: كلمات في المنهج والنقد والحبالإسلام والحرب لعبة السياسة في العالم الثالث / صحيفة الجماهيرالعنف والإرهاب

    فلنبدا من بيوتنا..

    الاسم : عمر ..ليبيا

    2010-07-11

    أضيف الى هذه العنوان الجيد.علينا نحن الشعب .حتى أن نستفيد من ما ذكر.أنّ نغير ما أنفسنا .وأن نخلص في أعمالنا .وأن نقتدي بتجارب الامم المتحضرة من حولنا .وأن ننبذ العصبية القبلية المتفشية في مجتمعاتنا والتى تقف حجر عثرة في بناء بلد سليم .وحينها تمهّد الطريق ما نصبوا اليه.

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017