آخر تعديل الأربعاء 21 يونيو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 580584

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    مداخل ترشيدية للتفكير والبحث

    أ- التفكير والبحث: التعريف والتحديد:

    1- التفكير: إعمال العقل بقوة في قضية ما لإدراك مفهوماتها على ما هي عليه واستيعاب علاقات ما بينها (المفهومات).

    2- البحث: رصد نتائج التفكير وتحديدها وضبطها وتقعيدها بعد عرض المسار التفكيري المشخِّص للقضية.

    ب- المنطلق والدافع:

    هو التكليف التكويني (الإنساني) العام، والتكليف الاصطفائي التخصصي.

    أما التكليف التكويني (الإنساني) العام:

    فالتفكير والبحث فحواه ومضمونه وأسّه وجوهره، ولا يتصور إنسان من دون تفكير وبحث، فها هو يتلمس حاجاته ويفكّر في كيفية الحصول عليها ثم يثبت ذلك في معادلات وقواعد لينفذها ويطبقّها. ولعل أهم هذه الحاجات ما يسمى بالحاجات الحياتية المادية من طعام وشراب ومأوى ومن ثَمّ تأتي الحاجات المعنوية من حرية وقيم تشكل بمجموعها تميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية.

    والتكليف الاصطفائي (الاختصاصي):

    وننطلق هنا من مقولة نبوية شريفة (اعملوا فكلٌ ميسر لما خُلق له)([1])، وبناءً على هذا فثمة صنفان من الناس: صنف يفكر ويبحث في حدود حاجاته إرواءً وإشباعاً، وصنف يفكر ويبحث في مدار أوسع ليشمله وغيره، ويمتد هذا الشمول وينحسر بحسب ما جنّد أفراد هذا الصنف أنفسهم له: ففرد يفكر ويبحث في مدار الإنسان كل الإنسان (حاجاتٍ مادية ومعنوية)، وآخر يتخطى في حدود أمته، وثالث في مساحة دولته ورابع في مجال مدينته وخامس وسادس... وهكذا... والأمر هنا لا يقف عند المد والانحسار الكمي لأعداد الناس بل هناك من يفكر ويبحث في كل حاجات الإنسان، وآخر في تلك التي تدعى مادية، وثالث في المعنوية....

    وها نحن أولاء – وفي يومنا هذا – وقد صار العالم كله قرية صغيرة من حيث المسافة والاتصال، إلا أنه – ومن حيث طبيعة الحاجات – فقد غدا متنوعاً إلى حد التعقيد، وبرزت ضرورة الاختصاص، وما يسمى بتحت الاختصاص، وتحت تحت الاختصاص وهكذا...

    ج- الغاية والهدف: التحديد والشروط:

    تختلف الغاية عن الهدف في أنها الحد الأعلى للجهد المبذول المنظم وفق الشروط العلمية والقواعد المنهجية لموضوع ما تصوراً وتحقيقاً.

    أما الهدف فأمر ينفصل عن نهايات الموضوع، يعطاه الإنسان جزاءً وفاقاً على تمثله الأمثل لغايته. وحين نجد بالتمثيل للتوضيح فإننا نضع أمام الأعين ذلك المثال القديم الجديد معاً (عند علماء النفس اليوم) فنقول: غاية اللاعب في "كرة القدم" أن يلعب جيداً وفق القواعد الضابطة لهذه اللعبة، وأن يتمثل كل المعطيات الفنية لها بشكل أمثل. والهدف هنا: إحراز نقطة بإدخال الكرة في المرمى. والمدرب العاقل مَنْ يطلب من اللاعبين التحقق بالغاية لا إصابة ونيل الهدف.

    وحين نطبق هذا على التفكير والبحث فإننا نقرر أن الغاية من التفكير والبحث التمكن والإجادة والإتقان من خلال تطبيق شروطهما بوفاء.

    فأما الشروط فهي:

     1- التأكد من سلامة العقل الذي هو القدرة على المحاكمة وفق معطيات البداهة العقلية، والحواس الإنسانية والمادية السليمة.

    2- تحديد موضوع التفكير والبحث بشكل دقيق وتحديد مصطلحاته الأساسية والثانوية.

    3- التوثيق في النقول.

    4- التحقيق في المعقول.

    - وأما الهدف من كل تفكير وبحث إنساني فهو الإبداع، والإبداع إضافة نافعة على كل ما كان قد قُدِّم في ذياك المجال الذي رصدت له تفكيرك وبحثك.

    وتستوي في هذا الهدف كل الموضوعات في كلا النوعين من العلوم ما كان منها تجريبياً وما دُعي في الطرف الآخر إنسانياً. ومن هنا وجب على المفكر والباحث في موضوع ما من علمٍ ما أن يطلع على إنتاج مَنْ سبقه في هذا الاختصاص، وينظر الإشكالية المستجدة في هذا الشأن فيسعى للإجابة عنها وحلّها بتفكيره وبحثه المستوفيين لشروطهما.

    والآن يحق لنا أن نتساءل: هل من يفكر ويبحث – اليوم – تأكد من منطلقه وحدّد موضوعه، ووضع نصب عينيه غايته بسبلها الصحيحة وعرف ما يمكن أن يشكل هدفه الذي هو الإضافة النافعة في اختصاصه ؟! أم أننا – ولا سيما أولئك المتخصصون في العلوم الإنسانية – انفصلنا عن السابقين فلم ندرك ولم نتصور ما قدموه تصوراً دقيقاً شاملاً، وكذلك تم الانفصال من قِبَلنا عن الواقع توصيفاً صادقاً وتحديد حاجات، وعن الغايات تحصيلاً لكل مقومات تشكّلها الصحيح.

    ضع أيها الباحث إنتاجك في كفة هذا الميزان في مقابل الكفة الأخرى التي بيّنا ما فيها من معايير وأوزان، وبعدها: فإن ثقلت كفتك فأنت في عيشة علمية راضية، وإن خفت فأمك هاوية في العبث والاجترار والتكرار والتقليد المقيت وحسبان أنك تحسن صنعاً.

    الدكتور محمود عكام

    مفتي حلب

     


    ([1]) شطر من حديث جاء في البخاري ومسلم.

     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017