آخر تعديل الإثنين 24 يوليو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 582907

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    المسجد: مركز إيمان ومنبع أمان، وإلا فهو الضرار

    أولاً- تمهيد:

    أ- الأمان ضرورة إنسانية:

    إذا كان حق الإنسان الأول هو "الحياة" فإن الأمان هو اللازم الكامل الذي لا ينفك عن هذا الحق... فإن غاب الأمان أو أفل أو أصابه نقص أو شلل فإن الحياة آنئذٍ "لا حياة"، وحدِّث حينها أيضاً عن مفاجآت هي في قسوتها وشدتها تفوق الذي يخافه المرء ويخشاه والمسمى عنده "الممات".

    وهيهات - في غياب الأمان - أن يعيَ الإنسان إنسانيته أو أن يقوم بالواجبات، ولهذا أمر الله قريشاً بعبادة ربّ البيت وكلفهم بذلك بعد أن ضمن لهم أماناً في أمنين: أمن اجتماعي وأمن اقتصادي، قال تعالى: ﴿لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ قريش: ١ – ٤.

    ب- الأمان أسُّ الحضارة:

    فلا حضارة من غير أمان، وإذا كانت الحضارة في إطارها العام إنتاجاً نافعاً في مختلف الميادين المادية والمعنوية فإن هذا الإنتاج لن يُستنبت البتة في أرضٍ مُلئت خوفاً وقلقاً واضطراباً.

    فلا تقدّم إلا في الاستقرار، ولا حضارة إلا للمجتمع الذي حقق على أرضه وفي فضائه وبين جنباته الأمان لكل مَنْ فيه وما فيه من إنسانٍ وغير إنسان.

    ج- لا إيمان من غير أمان:

    مَنْ آمن بالمطلق استقر داخله واطمأنّ، واستقام لسانه وقوي، وإذا لم تظهر هاتيك الآثار على مَنْ ادَّعى الإيمان فإيمانه لم يزل في رحاب دعوى تنقصها البينة والبرهان.

    فإذا استقر الداخل واطمأن، وقوي الجنان واستقام اللسان فحدّث - آنئذٍ - عن سريان أمان من ذا المؤمن إلى مَنْ عداه ومَنْ سواه ومَنْ جاوره وحتى مَنْ جافاه.

    وإذا لم يكن الإيمان صانعاً للأمان والطمأنينة والاستقرار لدى من آمن ولدى أولئك الذين يحفون به ويعيشون معه ويحتمون به، فأحرِ به أي - بهذا الإيمان - أن يكون زيفاً وصورة هزيلة أضاعت حقيقتها المتينة، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والمؤمن مَنْ أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) سنن النسائي 6/530.

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قال: الذي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بوائقه) صحيح البخاري 5/2240.

    ثانياً- الموضوع:

    1- المسجد مركز الإيمان:

    المسجد دار عبادة، والعبادة وصال مع الخالق الرحمن الرحيم العظيم، وهذا الوصال هو الذي ينتج الطمأنينة والاستقرار والقوة والاستقامة.

    ولئن قال مَنْ قال: بأن الإيمان لا يختص بمكان مادي بل حيث حلَّ المؤمن كان ذيّاك المحل مركزاً للإيمان ومحضناً له.

    فإنا مجيبون: هذا صحيح، بيدَ أنَّ المسجد بيتُ الله، وقد اختصّه الله ليكون ذا وظيفة أساسية وهي: إعلان وتجديد عهد الإيمان مع الله جلَّ جلاله من خلال الصلاة التي هي الصلة والوصال، وسائر العبادات المؤداة.

    وكأني بالمسجد مع الإيمان المنشود كزجاجة المصباح تحيط به تكثّفه ثم تنشره في سائر الأرجاء.

    2- المسجد - إذاً - مصدر أمان المجتمع وإلا فهو مسجد "الضرار":

    أ- المسجد: أسُّ المجتمع ونواته:

    فقد حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بناء المسجد أولاً إذ دخل المدينة المنورة مهاجراً إليها من مكة المكرّمة، فأسَّسه وجهّزه وسنَّ بذلك ضرورة محورة المجتمع حول مسجد جامع، يُصلى فيه لله، ويتوجه من خلاله للمّ شمل أفراد المجتمع على العمل الصالح الذي يعني بناء الإنسان وفق معايير العدل والأمن والحرية والعلم والفضيلة؛ ويسعى عبر التعاليم التي تُلقى فيه إلى عمارة الأوطان على أساس من علم ومعرفة وفق خطّي: المادة بتجلياتها الصناعية والزراعية. والقيم بمحدِّداتها الاجتماعية والتربوية والأخلاقية.

    وما لم يقم المسجد بهذا الدور الأساس فهو مسجد "الضرار" والضرر، أي إذا كان المسجد سيغدو محضناً لشكليات العبادة فقط دون حقيقتها، وإذا كان المسجد سيجافي مهمة الجمع بين مَنْ هم حول المسجد على البر والتقوى والألفة والمودة، وربما أسهم في التفريق والتشتيت بين هؤلاء فأطلِقْ عليه - آننئذٍ - وبلا تردد: مسجد أُسس على الضلال والضياع، فأحرِ به أن يخرّب ويُهدَّم. قال تعالى: ﴿لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ التوبة: ١٠٨. يتطهر هؤلاء من الغلِّ والبغضاء، وسائر أمراض القلب والعقل والروح، والله يحب المطّهرين السليمة قلوبهم الزكية عقولهم، الحريصين على أن يكونوا آلفين مألوفين ولا خيرَ فيمن لا يألف ولا يؤلف.

    ب- المسجد: مستودع أمان ومصدر اطمئنان:

    قال تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: ٢٨.

    والمسجد هو المكان الذي يُذكر فيه الله أكثر من أي مكان سواه، وبناءً على ذلك: فهو الذي يضمّ مطمئنين يشعّون أماناً ويختزنون من الاطمئنان ما ينشرونه للناس وعلى الناس حين إليهم يُصدرون.

    قال تعالى: ﴿أولم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ القصص: ٥٧.

    وقال تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمون وبنعمة الله هم يكفرون﴾ العنكبوت: ٦٧.

    وقال تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً﴾ آل عمران: ٩٦ – ٩٧.

    وقال تعالى: ﴿وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ إبراهيم: ٣٥. أي اجعل أمن المسجد ينتشر في البلد ليغدو البلد آمناً كما المسجد.

    ولعلَّ صفة وسمة الأمن والأمان هي أهم صفات المسجد الحرام الذي هو القدوة لسائر مساجد الأرض، فلتكن - إذاً - آمنة مؤمّنة وليكن روّادها آمنين مؤمِّنين.

    وإلا فالمسجد وروَّاده عادلون عن الصراط المستقيم إلى طريق تودي إلى ضياع وخراب ما دام هذا الذي يرتاد ويعتاد المسجد سيكون عامل إرعاب وإرهاب لهؤلاء الذين يقفون معه في نفس المسجد ولأولئك الذين يلقاهم خارج المسجد، وفي مداراته المتنوعة المتعددة: من سوق ومدرسة وجامعة ودائرة و....، يظنونه خيّراً لأنه خرج لتوه من مصنع الأمان والإيمان، ويفاجئهم بطويّة شر ذات لبوس من رعب وخوف واضطراب، فما باله وقد سمع ما سمع من دعوة الله عباده إلى الأمان ودعوة رسوله إلى الألفة والتآلف فعدل إلى الضّد، فكان لعّاناً وطعّاناً ومخوّفاً ومُرعباً وربما مكفِّراً ومهدِّداً بالقتل والإبادة(1)، فهل هذا من رسالة المسجد في شيء يا أيها العقلاء ؟! وهل هذا من رسالة الإسلام الرحموية في شيء يا أيها المسلمون المؤمنون ؟!.

    3- المسجد: مركز إعلامي إنساني نبيل:

    نعم، لقد غدا للإعلام - في عصرنا - دوره الفعّال وتأثيره الأكيد، وأضحت وسائله متعددة، وتجلياته متنوعة: فمن صحيفة إلى قناة إلى موقع إلى...، وكلها اتخذت في مساحة الاهتمام والتعاطي الجادّ أمكنة مرموقة، إلا أن المسجد - وسائر أمكنة العبادة - يبقى المنبر الإعلامي الأسبق، والوسيلة الإعلامية الأصدق لأنه يتصف بالصدقية والمسؤولية. أما الصدقية: فلأنه يتكلم باسم الله الصدوق الرحمن الرحيم. وأما المسؤولية: فلأن من يتكلم فيه سيُسأل من قبل ربه يوم يقف بين يديه ومن قبل الأجيال الراهنة واللاحقة عن كل كلمة ماذا أراد بها، وهل تحقق منها وتوثّق ؟ وعن غايته القابعة وراءها، وهل كانت غايتة خيّرة تصبُّ في مصبِّ خدمة الإنسان وإرضاء الديّان وبناء البلدان والأوطان، أم كانت لدنيا يصيبها أو فتنة يُشعلها ويوقدها ؟!.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يخطب خطبة إلا الله عز و جل سائله عنها ما أراد بها) البيهقي في شعب الإيمان 2/287.

    وإذ نفصّل في هذه القضية فإننا نؤكد على ضرورة الغاية النبيلة للإعلام المسجدي، والغاية النبيلة تعني: تحقيق الأمن والأمان بين الناس عبر دعوتهم إلى الإيمان، وتعني أيضاً: حث الناس على زيادة المشتركات الإيجابية بينهم من معتقدات وسلوكات، حتى يُفضي هذا إلى التعاون على البر والتقوى وما يفيد الإنسان في وجوده كله مبنىً ومعنىً، كما تعني - ثالثاً - احترام كل الآخرين من الناس، وبغضِّ النظر عن لونهم ومعتقدهم وجنسهم ولغتهم وعرقهم ما لم يكونوا ظالمين مجاهرين معتدين، وحينها يُردعون حتى يؤوبوا ويفيئوا؛ فإن اقتصر الأمر بين الناس على الاختلاف دون الاعتداء، فالسبيل مع المختلفين - حينئذٍ - الحوار الواعي البنّاء القائم على تحديد المصطلحات، ووضوح الغاية، وتساوي الأطراف من حيث الاعتبار، والإنصاف، وإلا فلن يكون الحوار الفاقد بعض هذه الأركان حواراً، وإنما هو جدالٌ عقيم، ومساجلة شرسة،يؤديان - في النهاية - إلى العنف المرفوض، وما هكذا تورد يا سعد الإبل...

    وأخيراً:

    هو نداء في طياته استغاثة نوجهه للقائمين على المساجد والمعابد، راجين منهم وآملين أن يعيدوا لهذه الأماكن المقدّسة دورها الإعلامي الإيجابي، وبعدَها الإرشادي نحو الاعتدال والتسامح والمحبة والتعاون والتآزر والتضامن.

    وها أنذا أختم هذه المداخلة بما كنت قد قلته في مستهل فصل "المساجد" من كتابي "سبيل المعروف" يُلخص رؤيتي للمسجد ومهامه ودوره وطبيعته:

    المسجد: إنَّه المكان الذي يُلخِّص موقف المسلم مع ربه، وما السجود الذي اشتق منه "المسجد" إلا تعبيرٌ عن حالٍ منشودة للإنسان مع خالقه، والحالُ هذه تكليفٌ أولٌ كُلِّف به العاقل، فقد قال تعالى للملائكة: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ الحجر: ٢٩. والسجود هنا لله، وليس لآدم، وما آدم إلا ميعادٌ وميقاتٌ ومحراب.

    وقال تعالى أيضاً: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ البقرة: ٣٤. والمعنى: اسجدوا إذ يَتكوّن آدم، ويتحقق وجوداه: المادي بالتسوية، والمعنوي بنفخ روحٍ من الله فيه.

    ونعود للمسجد لنحكي حكاية الراحة والاطمئنان، واللقاء الماتع المريح، حكاية الموقف الثابتِ للعبد تجاه خالقه، حكاية الإشعاع والعطاء، حكاية الأمان والهوى، حكاية الانطلاقة الخيِّرة المخلصة، حكاية التأليف والجمع بين الناس من أجل خيرهم وسعادتهم وبرِّهم.

    فو الذي برأ النسَمة، إنه - أي المسجد - في أصله كذلك، ولكن ما ذنبه إن أخذَ الناس اليوم بدفَّته ليحوِّلوها غير التي حكيناها.

    يا إخوتي:

    المسجد مركز دائرة المجتمع، وقطبُ رحاه، ومحور دورته، وله رسالةٌ هي العلم والإيمان والمحبة والتعاون والوفاء، فلا تقصِّروا في وعيها والتحقق بها والدعوة إليها، وانشروها وبلِّغوها وقدِّموا عبر الواقع تطبيقاً لكل آداب الإسلام فيه، أي في المسجد.

    هو للصلاة فعلاً، ولكنه ليس لها حصراً، بل هو لكل شيء تقرؤه باسم الله، وتستعين بتنفيذه بقدرة الله.

    هو بيت الله الكريم الجواد، ليستقبلَ الرحمن فيه ضيوفه، وهو مأوى الملائكة، يرفعون منه تقاريرهم لله.

    أُمرنا ببنائه خلافةً عن الله، وطُلبت منا عمارتُه تكليفاً من الله، والبناء والعمارة أمران متَّفقان مختلفان، فكلاهما تطويرٌ وإيجاد، لكن الأول ينصبُّ على المحسّ والملموس، والثاني يتوجَّه إلى الشعور وما استقر في ثنيات الدماغ وأسجاف القلوب، فابنوها يا قوم وعمِّروها.

    وليكن أول ما نفكر به حين نبنيها ونعمرها التقوى، والله قال: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ التوبة: ١٠٨.

    د. محمود عكام

    لمتابعة موقعنا على الفيس بوك لطفاً اضغط هنا

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017