آخر تعديل الثلاثاء 23 مايو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 577198

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    أبعاد وظلال في ذكرى الإسراء والمعراج

    أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

    رحم الله الشهداء الأبرياء، وحمى أوطاننا من كل باغيةٍ وطاغيةٍ ومفسدٍ وعاتٍ ومجرمٍ وكذاب.

    أيها الإخوة المؤمنون:

    ها نحن أولاء في أيام ذكرى الإسراء والمعراج، وللذكرى أبعادٌ وظلال، فمن كان محتفياً بهذه الذكرى فلينظر ظلالها وأبعادَها، هل يستظل بهذه الظلال وبتلك الأبعاد، وهل تطاله هذه الأبعاد والظلال أم إنه في معزل عن أن يكون كذلك ؟ وإذا كان في معزل عن أن يكون كذلك فلا يستحق أن يكون من أولئك المحتفين بهذه الذكرى.

    أيها الإخوة:

    ذكرى الإسراء والمعراج عزيزة علينا وعلى قلوبنا، شخصيتها حبيبنا ومصطفى ربنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذه الذكرى ذكرى الإسراء والمعراج ذكرى غالية على قلوب من أحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها معجزة بكل ما تعني هذه الكلمة.

    أولاً: أنصحكم بان تقرؤوا هذه المعجزة وتفاصيلها من كتب الحديث الصحيحة ومن كتب السيرة النبوية الموثقة، اقرؤوها وها أنذا بعد قراءتي لها أستعرض معكم أبعادها، ولينظر كل منا نفسه هل يعيش ذلك البُعد ؟ سأستعرض ظلالها ولينظر كل منا هل يستظل بهذا الظل ؟ إذاً فلنتحقق عن هذه الأبعاد والظلال مبتدئين بالبعد الأول الذي أسميته بالبعد الرباني.

    أولاً: البعد الرباني، لهذه المعجزة بعد رباني أوما سمعتم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عُرج به إلى السموات العلا إلى ربه جلَّ وعلا، أوما سمعتم بأن الذي أسرى بالنبي هو الله، ألم يقل الله عز وجل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾، إذا كان الأمر كذلك فهيا أيها المحتفي بهذه الذكرى من أجل عروج بنيتك إلى الله عز وجل، ومن أجل اعتماد منك على الله ومن أجل استمداد أمنك من الله ومن أجل التحقق بالعبودية لله، فهل أنت ممن يُطلق عليه كما أُطلق على النبي الأعظم صاحب المعجزة (العبد) فهل أنت عبدٌ فعلاً ؟ هل أنت ممن يوصف بالعبد بالدلالة الصحيحة، الله شهد لمحمد بأنه عبد لله عز وجل بكليته بذراته فهل ثمة من يشهد لك بعبديتك لله عز وجل من خلال نيتك وتصرفاتك وسلوكاتك ؟ هل ثمة من يشهد لك بأنك عبدٌ لله وحده ؟ هذا ما أريد أن تحرص عليه وأن تنظر نفسك، هل أنت ممن يعيش البعد الرباني لهذه المعجزة أم أنك في منأى عن هذا البعد ؟ وهل أنت ممن يستظل بهذا الظل المتفرع عن هذه المعجزة أم أنك أيضاً في معزلٍ وبعدٍ ومنأى عن هذا الظل ؟ هذا هو البعد الأول.

    أما البعد الثاني فأسميته بالبعد الاطمئناني، يا من تحتفل بهذه المعجزة بهذه الذكرى اطمئن، كن مطمئناً لهذا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب المعجزة، والاطمئنان يعني أن تتخذه أسوة، والاطمئنان أن تتخذه قدوة حتى ولو كلَّمك كثيرون عن غير ذلك فلا تتبع إلا هذا النبي اتخذه أسوة وقدوة، البعد الاطمئناني: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ الله سمّاه عبداً، الله شهد بعبديته هذا أولاً، ثانياً لما أُتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبراق كما جاء في سنن الترمذي استصعب البراق على النبي فقال جبريل مخاطباً البراق: أبمحمد تفعل هذا ؟ والله ما ركبك أحدٌ قط أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فاطمئن لنبيك وهل أنت مطمئن لنبيك وهل أنت ممن يتبع نبيك وهل أنت ممن يحب نبيك وهل تصلي وتسلم على نبيك وهل تنادي الدنيا كلها بأنك تابعٌ لهذا النبي وبأنك لا تخالف خطه ولا تخالف طريقته وبأنك لا تتبع إلا إياه من البشر ؟ هذا ما يجب أن يكون عندك من آثار البُعد والظل الاطمئناني.

    أما البعد الثالث فقد أسميته بالبعد التصديقي، لما أُتي أبو بكر رضي الله عنه من قِبَلِ أعداء صاحب المعجزة يقولون له انظر صاحبك يزعم أنه أسري به من هنا إلى بيت المقدس في ساحة من ليل، ونحن إن أردنا أن نقوم بهذا المسلك فسيطول الأمر شهراً ذهابا وشهرا عودة وكأنهم حسبوا أنفسهم بأنهم أقنعوا الصديق رضي الله عنه وها هو في رأيهم سيعدل عن تصديق النبي في هذه المعجزة. نظر إليهم هذا الرجل العظيم والصدق والتصديق يلوح من عينيه وقلبه قال لهم كلمته الرائعة وقد عاش في ظل هذا البعد التصديقي لهذا النبي: إن كان قالها فقد صدق. هل منكم من يقول إن كان قد ثبت هذا عن النبي فأنا مع هذا أم أننا مستجرّون وراء شهواتنا إن وافق قول النبي شهوتنا اتبعناه وإن خالف قول النبي وكلامه شهوتنا رفضناه وبررنا الرفض تبريراً لا يقبله ذو إيمان وإنما يقبله تابع الشيطان لا أكثر ولا أقل. إن كان قالها فقد صدق: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في نفوسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.

    يا أيها المسلمون حكِّموا رسول الله في شؤونكم حكّموا رسول الله في أعمالكم في سكناتكم في حركاتكم ولا تحكموا أهواءكم ولا تحكموا أغراضكم ولأننا حكّمنا أهواءنا خُذلنا، وإن حكّمنا رسولَ الله انتصرنا شئتم أم أبيتم، تلك سنة الله في الخلق: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، سُئل سيدنا الإمام علي رضي الله عنه هل رأيت الجنة والنار بعينيك حتى آمنت بهما ؟ فأجاب الإمام علي قائلاً: لقد رأيت الجنة والنار بعيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعينا رسول الله أوثق من عيني. فهل تقول هذا أنت ؟

    البُعد الرابع: البعد الوجداني الإيماني، إلى أين أُسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ ما موقع المسجد الأقصى عند الناس ؟ ما موقع المسجد الأقصى عندك ؟ ما موقع مسرى رسول الله ومكان العروج إلى السماء ؟ ما موقع هذا المكان عندك ؟ هل تحبه ؟ هذا المكان أولى القبلتين - ومن فمك أدينك - وثالث الحرمين ومسرى رسول الله ومعراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مركز الدولة العادلة المنتظرة، بدأت الدولة العادلة في مكة والمدينة والنهاية في المسجد الأقصى في بيت المقدس، وبيت المقدس هو المطار الكوني المفتوح إلى السماء، ولذلك كان المعراج منه، فيا إخوتي هل تعيشون هذا البعد الوجداني ؟ يا بيت المقدس يا أيتها المدينة العظيمة، يا أيتها المدينة الواقفة بصمود أمام اعداء الله والإنسانية: إن محبيك الآن عنك منشغلون ببأس فيما بينهم، يا بيت المقدس يا مدينة السلام يا مدينة القدس يا أيها المسجد الأسير أعداء الله يفعلون فيك ما يفعلون، أسمعتم منذ عدة أعوام كيف أزال العدو الصهيوني البغيض أساسات المسجد الأقصى منتظراً زلزالاً بسيطاً بقوة أربعة على قوة ريختر حتى يُهدم المسجد بأكمله، لقد خلخل الأساسات وأزال الأركان الأساسية منتظراً زلزالاً حتى إذا ما أتى الزلزال - لا سمح الله - سيقول هذا العدو الأثيم الذي يكيد لكم كيداً وأنتم تكيدون لبعضكم ولا تكيدون له الكيد، حتى يقول هذا العدو إذا ما أتى زلزال لم أفعل شيئاً وإنما الزلزال هو الذي دمره.

    البعد الخامس: البعد الوحدوي الإنساني العالمي، سيدنا زكريا عليه السلام هذا النبي العظيم اقتدى بنبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    صلَّى وراءك كل ذي خطرٍ           ومن يفز برسول الله يأتممِ

    الأنبياء جميعهم صلوا وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا بعدٌ وحدوي عالمي، يا أيها الإسلام أنتَ دينٌ عالمي رحموي سينطوي كل أتباع الديانات تحت رايتك إن كنتَ رحمة للعالمين وإنسانياً وتدعو إلى أمرين اثنين: تدعو إلى الاتصال بالله بأمانة التوحيد وصدق العبودية، وتدعو إلى مخالقة الناس بخلق حسن، إن فعلت ذلك فأنت الدين الذي يضم تحت عباءته كل الديانات الأخرى وإلا فيا أيها المسلمون إن لم نتحلى بهذه العالمية فلن نكون الدين العالمي الموحِّد والموحَّد، الموحِّد لله عز وجل والموحِّد للإنسانية، والموحَّد من حيث تعاليمه ومبادئه، البعد الوحدوي: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ أين العالمية التي تنشدونها ؟ والعالمية تقوم على ركنين تقوم على توحيد الله بأمانة وعلى عبادته بصدق وعلى مخالقة الناس بخلق حسن.

    أما البعد الأخير السادس: فالبعد الجهادي، لقد أسري برسول الله على البراق الوسيلة الوحيدة التي لم نعهد لها نظيراً وهي خاصة بسيد الكائنات محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآن بإمكانك أنتَ أن يسرى بك إلى هناك ببراق يُسّر لك اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له، وكل هذا جهاد، فهيا إلى بيت المقدس أيها العالم ببراق العلم، تستطيع أن تجاهد ببيت المقدس عندما توظف علمك لخدمة دينك ولخدمة مقدساتك، نريد علماءنا أن يصلوا إلى بيت المقدس ببراق العلم، وأنت أيها الإنسان هنا هيا إلى بيت المقدس ببراق الصفاء والوفاء والأمانة والوطنية الصادقة ومحبة إخوتك ومساعدة إخوتك، وأنت أيها الجندي يا من تحمل السلاح هيا إلى بيت المقدس ببراق السلاح الذي نحمله لقتال عدو واحد هو الصهيونية الحاقدة ومن وراءها ومن عاونها ومن ساعدها ومن صبَّ في مصبها، هيا أيها الإخوة ببراقاتٍ مختلفة بالعلم بالوحدة بالاتفاق بالتعاون بمحبة الله بمحبة رسوله بنبذ الظلم بنصرة المظلوم بالأخذ على يد الظالم بمكافحة الفساد المستشري وكل ذلك براقات متنوعة يسرها الله عز وجل لك كما يسر البراق الحقيقي لعبده وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

    أيها الإخوة كما بدأت الحديث أعيده، هيا من أجل أن نعيش هذه الذكرى وأنت تعيشها أن تتذكر أبعادها وظلالها فإن وجدت نفسك مستظلاً بأبعادها وظلالها فنعمَّا هذا التذكر ونعما هذا الاحتفال، وإن وجدت نفسك بعيداً عن هذه الأبعاد وبعيداً عن هذه الظلال فباب التوبة مفتوح ولن أقول فبئس ما أنت عليه لن أقول لهذا لأن باب التوبة مفتوح وباستمرار وإن الله كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم وسواه: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) فيا ربنا يا من أسريت بعبدك المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفقنا يا ربنا إلى إسراء ببراق يسرته لنا ببراق العلم والوحدة والتعاون والخلق الحسن والعبودية الصادقة والتوحيد الوفي الخالص يا ربنا كن معنا بحق محمد وآل محمد بحق بيت المقدس بحق كل الأماكن التي أعطيتها صفة القداسة الزائدة عن غيرها من الأماكن بحق الأيتام يا رب بحق الأرامل بحق البكاء الذي يصدره المظلومون من قلوبهم اجعلنا متحابين متضامنين متعاونين موحدين لك، انصرنا على عدونا الأكيد على الصهيونية المجرمة ومن عاونها وساعدها ودعمها ظاهراً وباطناً داخلاً وخارجاً يا رب العالمين نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

    ألقيت بتاريخ 15/6/2012

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017