آخر تعديل الأربعاء 21 يونيو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 580584

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    القيم الأخلاقية في السيرة النبوية/ الوفاء

    ديننا الحنيف يحوي عقيدة سديدة، وشريعةً رشيدة، وأخلاقاً حميدة. نحن مقصِّرون تجاه العقيدة السديدة إدراكاً وتطبيقاً، ومقصِّرون تجاه الشريعة الرشيدة معرفة وسلوكاً، ولكننا مقصرون أكثر تجاه الأخلاق الحميدة معرفة وتطبيقاً، وربما كان تقصيرنا حيال التطبيق أفظع من تقصيرنا حيال المعرفة، فقد نعرف ولكننا لا نطبق ولا نتحقَّق.

    يتحدث الناس عن صحوةٍ إسلامية، وأسأل: هل ثمة صحوة إسلامية ؟ يقولون: نعم. أقول ما دلائلها فيجيبون: كثرة صلاة وصيام وحج وعمرة وتلاوة للقرآن... أقول: هذا صحيح، ولكن ألسنا بحاجة إلى صحوة إيمانية ؟! قالوا: وهل من فرقٍ بين صحوةٍ إسلامية وصحوة إيمانية ؟! أقول: نعم، فالصحوة الإسلامية هي البناء الظاهر والإيمانية هي الأساس، ولا يمكن لبناءٍ أن يكون متيناً إلا إذا كان أساسه متيناً، لا يمكن للإسلام أن يستقيم إلا إذا ارتكز إلى إيمان، فنحن في صحوةٍ إسلامية لكنني أرى أننا في سُبات إيماني، فهلا سعينا من أجل أن نصحو إيمانياً. والسؤال: هل للصحوة الإيمانية من دلائل ؟ والجواب: نعم، دلائل الصحوة الإيمانية الأخلاق. إذا تمتع المجتمع بالأخلاق فهذا دليل على صحوته إيمانياً. ودليلي على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه" ودليلي أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له" والأمانة خلق، فمن لم يكن أميناً لا يمكن أن يكون مؤمناً. إذا أردتم أن تتعرفوا على صحوة إيمانية فانظروا أخلاق المجتمع، إذا كانت أخلاقهم حميدة فاعلموا أن إيمانهم متين وقوي، ولذلك نحن ندعو إلى صحوة إيمانية تتمظهر بدعوتنا الناس إلى التحلي بالأخلاق التي جاء بها القرآن الكريم ودعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم.

    من أجل أن نتحلَّى بالأخلاق فإنني أضع أمامكم الأخلاق الحميدة من خلال أقوال سيد الأخلاق الحميدة محمد عليه الصلاة والسلام، ومن خلال سيرة صاحب الخلق العظيم الذي شهد الله له بذلك فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم). وها أنذا أقدم لكم سلسلة عنوانها: "القيم الأخلاقية في السيرة النبوية".

    والقيمة الأخلاقية التي نريد الحديث عنها اليوم هي "الوفاء".

    الوفاء هو: أن تعطي الحق مقابل الحق، وتردَّ على الخير بخيرٍ وزيادة: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها) الوفاء خلق يأتي حصيلة الأمانة ونتيجتها، فهو بهذا يعني المحافظة على العهد وأداء الأمانة بنحو كامل.

    والوفاء يكون بالعهد: عليك أن تفي بعهدٍ عاهدت به ربك أو نفسك أو غيرك: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً).

    والوفاء يكون بالعقد: أن تكون وفياً لما تعقد: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).

    والوفاء يكون بالوعد: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

    والوفاء يكون بالكيل والميزان: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط).

    والوفاء يكون بالنذر: (وليوفوا نذورهم).

    فتحقق من نفسك: هل أنت تفي بالعهد إذا عاهدت، وبالعقد إذا عقدت، وبالكيل والميزان إذا كلت ووزنت، وبالنذر إذا نذرت. فإن كان الجواب بالإيجاب فطوبى لك، وطوبى للأوفياء، وإلا فأعد النظر في ما تفعل حتى تصل إلى درجة الوفاء، وطوبى لمن كان وفياً مع نفسه ومع وطنه، ومع من حوله وما حوله، وأنا أركِّز دائماً على الأخلاق الحميدة المتعلقة بالوطن، فكن وفياً لوطنك فله حق عليك، فأدِّ واجبك نحوه حتى تكون وفياً، وإذا كنت وفياً حيال وطنك فأنت وفي حيال أولادك وطلابك ونفسك. عَمِّر وطنك تكن وفياً له، اجعل وطنك مزدهراً تكن وفياً به، اجعل وطنك في أمن وأمان واستقرار تكن وفياً له. لكنك إن فعلت العكس فأنت الخائن الغادر.

    ثمة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تتعلق بالوفاء:

    يقول عليه الصلاة والسلام: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" متفق عليه. فالغدر دليل نفاق، وكذا الفجور ضد الوفاء، وإنما الذي يخاصم ولا يفجر هو الوفي. تجنب الفجور في خصامك.

    يقول عليه الصلاة والسلام كما يروي أبو داود في سننه: "ألا من ظلم مُعاهِداً – أو مُعاهَداً - أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". الذي يسكن معك في الوطن هو معاهد، فلم تظلمه وبينك وبينه عهد المواطنة.

    الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في حديث يرويه عن رب العزة جلت قدرته كما يروي أبو داود في سننه: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر، فإن خان خرجت من بينهما". يبارك الله للأوفياء طالما كانا أوفياء لبعضهما، وإلا خرج الله من ينهما ووكلهما لأنفسهما وباءا بالفشل.

    نحن شركاء في الوطن، فعلينا أن نكون أوفياء لبعضنا ولوطننا، أن نتعاون مع بعضنا في تأدية حقوقنا لبعضنا، وفي تأدية حقوق وطننا علينا. فهلا تحلينا بخلق الوفاء.

    أما سيرته صلى الله عليه وسلم فتعجُّ بالوفاء أيما عجّ.

    "لما قدم وفْدُ النجاشي على النبي عليه الصلاة والسلام، قام يخدمهم بنفسه. فقال أصحابه: نحن نكفيك ذلك يا رسول الله. قال: لا، إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم بنفسي".

    يروي الحاكم أن عجوزاً أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند عائشة فقال لها رسول الله من أنت ؟ قالت: جثامة المزنية. فقال: بل أنت حسانة المزنية. كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ قالت: بخير بأبي وأمي أنت يا رسول الله. فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز ! فقال: "إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان". إني لأحب حبيبها، وهذا وفاء لخديجة، وامتد وفاؤه لخديجة على صويحبات خديجة.

    من منا يستصحب الوفاء في كل حركاته لينشره في فضاء المجتمع الذي نعيش فيه. هل نحاسب أنفسنا في كل صباح ومساء على أخلاقٍ حميدة يجب أن نتحلى بها، ومن هذه الأخلاق الوفاء، لأن الوفاء إذا ما فاح أريجه في مجتمع ما أصبح هذا المجتمع متناغماً متضامناً منسجماً. إذا استشعرتُ الوفاء منك فإن هذا يبعد عني الخوف ويطمئنني، وإذا ما استشعرت الوفاء مني فستطمئن أنت أيضاً.

    الرسول كان وفياً مع الأنصار أولئك الذين نصروه واستقبلوه وآووه وعزَّروه، قال عليه الصلاة والسلام وهو سيد الأوفياء: "لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".

    أذكرك في النهاية بوفاء لشخصين لهما عليك حقوق كثيرة: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً). ومن لم يكن وفياً لأبويه فلا تنتظر منه الوفاء لأحد سواهما، "فليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار" وقد قرأت حديثاً قدسياً يقول فيه رب العزة جلت قدرته: "من أطاع والديه وعصاني كتبته عندي طائعاً، ومن عصى والديه وأطاعني كتبته عندي عاصياً".

    اللهم اجعلنا من البررة الأوفياء، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، والحمد لله رب العالمين.

     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017