آخر تعديل الأربعاء 19 يوليو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 582604

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    الحركة الإسلامية السياسية/ جريدة تشرين

    نشرت جريدة تشرين بتاريخ 4/2/2014 مقالاً للدكتور الشيخ محمود عكام حول الحركة الإسلامية السياسة وأثرها السلبي، وفيما يلي نص المقال:

    لا أبالغ إذا قلتُ: إنَّ السياسة أثّرت سلباً في الإسلام يوم أقحمها مَن أقحمها على أنها مساحةٌ مهمةٌ من مساحاته. وإلا فهي - في رأيي - لا تعدو أن تكون مساحةً مستقلة عنه يشرف عليها ويوجهها من غير أن يتماهى بها أو تتماهى ببعضه أو بجزء من أجزائه المكونة له.

    وعلى هذا، فنحن نقول: الإسلام يوجِّه السياسة لتكون في ظلال الصفات الحميدة والسِّمات الرشيدة، من عدالة وأمان وحسن تواصل بين الحاكم والمحكوم، ولعلّ القرآن الكريم والسنة النبوية، وبعد تمحيصهما ودراستهما ينحوان النحو الذي ذكرنا، والوجهة التي عليها عرجّنا، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم الرئيس وقائد الدولة يستظل بظل محمد النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما كان الأول يمارس المهام السياسية الملقاة على عاتقه في المدينة المنورة.

    وتَتَابع على ذلك مَنْ بعده من الخلفاء الراشدين.

    وها نحن نؤكد أن السياسة - سلوكاً ومنهاجاً – لا يمكن أن تكون بمفرداتها المتقلبة والمختلفة من وقت إلى وقت ومن مكان إلى مكان، جزءاً ثابتاً بمعطياته وأحكامه من أجزاء الشريعة الإسلامية، وإلا فسيتحول الدين الحنيف بإسلامه وإيمانه وإحسانه إلى تابع مذعن للسياسة التي تأبى إلا أن تكون متبوعة قائدة، لأنها تعتلي سدة القيادة والسيادة الدنيوية، فمن جعلها جزءاً ثابتاً من الدين الحنيف فقد سلم بها رأساً، وإذا كانت رأساً للجسم الديني الإسلامي فستكون متحولاً تتبعه سائر الأجزاء، وهذا ما لم نعهده فيما قرأناه وعلمناه وفهمناه عن ديننا عبر النصوص والدلالات.

    وخلاصة الأمر في رأيي أن الدين حاكم على كل الشؤون الإنسانية، وحاكميته بقدر ما يستلزم كل شأن منه، أي من الإسلام.

    فالعبادة تقتضي حاكمية كلية مفصلة من الدين عليها، والمعاملات تستلزم حاكمية كلية مجملة، لأنها - أي المعاملات - تتجدد وتتغير، والسياسة تستلزم حاكمية توجيهية من الدين عليها، تُتفقد تنزيلاتها بين حين وآخر من قبل علماء أبرار يحكمون على الملوك، ولا يحكم الملوك عليهم، لأنهم اتخذوا غرضاً غير غرضهم في السلطة والسيادة والسياسة.

    إن الملوك ليحكمون على الورى     وعلى الملوك لتحكم العلماء

    ولعلِّي هنا لا أريد التدقيق في الأسباب والدوافع التي حوَّلت العلاقة التي ذكرتها بين الدين والسياسة عن مسارها، لتجعل الدين سياسة، والسياسة ديناً ولكني أكتفي بالقول: إنّ ذلك كان نقطة تحوُّل أدى إلى كوارث ونكبات وقعنا فيها، ولا يمكننا الخروج منها إلا إذا أعدنا النظر في قضية الإسلام والسياسة وطبيعة العلاقة بينهما.

    نعم، هذا الذي حصل، وكان من نتائج ما حصل أن برزت حركات إسلامية سياسية على مساحة الزمن الممتد من لحظة الخلط بين الدين والسياسة خلطاً لم يؤصِّل وفق معايير فقهية إسلامية دقيقة، وإلى أيامنا هذه، فالحركة الإسلامية السياسية الفلانية التي قامت في البلد الفلاني، سعت إلى السياسة وتماهت معها، وغلبتها السياسة، ولكنها بقيت تتحرك باسم الإسلام ممثلة له، وناطقة باسمه، وحوَّلت كل مفرداتها السياسية الاجتهادية الى مفردات اسلامية تكفيرية لا يجوز الانفكاك عنها، لأنها إسلام ودين وشرع، ولا نستثني هنا حركة من مجمل الحركات الإسلامية السياسية، فالجميع معنيون: من إخوان مسلمين، إلى تحرير، إلى سلفية، إلى إسلامية.. إلى.. إلى..

    وقد علقت يوماً على كتاب بعنوان: «الطريق إلى حكم إسلامي»، لكاتب إخواني لبناني، فقلت: كان الأولى أن يكون عنوان الكتاب: «الطريق إلى حكم الإخوان المسلمين».

    وإذ ننتقل لنتحدث عن عقابيل أحداث أيلول 2001م، فإننا نؤكد أن هذه الأحداث لم تكن في خير المسلمين، ولا في خير الحركات السياسية الإسلامية، ودليلنا في ذلك ما نعاني وما يعانيه كل المسلمين في العالم، وأخطر نتيجة انحسرت عنها تلك الأحداث: ما أصاب الإسلام من تشوّه في تصور الذين لا يعرفونه أو الذين عرفوه معرفةً مجملة بسيطة غير معمقة.

    وكذلك ما لحق المسلمين من حرص استنفد قدراتهم لكي يدافعوا عن إسلامهم، وأنه بريء من  العنف والتعصب والإرهاب وما شابه، وقد كررنا كثيراً مقولة مفادها: لو أن «القاعدة» كانت حركةً ثوريةً صرفةً ولم تتبدَّ بسِمة الإسلام والإسلامية لكان الموقف حيالها مغايراً لما هو عليه الآن حين تبدّت باسم الاسلام وظهرت تحت عنوانه.

    وأنا على يقين أننا كنا سندعمها ما دامت ثورية إنسانية تتكلم باسم المظلومين، وتنافح عنهم وتناضل عن حقوقهم في مواجهة الظالمين، ما دامت مرجعيتها هي رؤيتها الخاصة بها، ففي أسوأ الأحوال يقال عنها: مناضل ضد الظلم أخطأ الطريق، لكنها حينما تكلمت باسم الاسلام وتجلت من خلاله، فهي بذلك قد صادرت آراءنا وحسمت مواقفنا لمصلحتها، أو ربما أخرجتنا من ديننا إن لم نقف مؤيدين لها، وهذا ما جعل الأوراق تختلط والمفاهيم تتيه وتضيع، والمسلمين في خصام فظيع فيما بينهم.

    نأمل من الحركات الإسلامية السياسية أن تبقي في عناوينها على «السياسة» وأن تحذف الإسلامية، وعندها فنحن معها وداعمون لخير فيها، وناصحون لها لشر يصدر عنها وهكذا..

    وإلا فسيبقى الصراع الإسلامي- الإسلامي مستمراً وموفراً فرصة سانحة للمغرضين، فينفذون عبرها ويصطادون في الماء العكر.

    يا قوم عودوا إلى إسلام القرآن الكريم والسنة الشريفة في رسم طبيعة علاقة الدين بالحياة، عبادة ومعاملات واقتصاداً وسياسة و..

    وخلاصة خلاصة الأمر:  الإسلام مع الخير في ميدان السياسة، لكنه لا يثبت مفردات ثابتة مفصلة في هذا الحقل، فالناس أعلم بأمور دنياهم، وعليهم أن يوجهوها من حيث النية النظيفة والغاية النبيلة النافعة، لتصب في مصب العبودية: (واتقوا الله ويعلمكم الله) البقرة: 282.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال، عندما أرسل سرية موجها قائدها: "وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" أخرجه مسلم عن بريدة رضي الله عنه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

    مفتي حلب

    د. محمود عكام

    لقراءة النص من المصدر، لطفاً اضغط هنا

    http://tishreen.news.sy/tishreen/public/read/309016

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017