آخر تعديل الأربعاء 21 يونيو 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 580584

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    قيمة العبودية عند سيد البرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم

    كتاب جديد لمفتي حلب الدكتور الشيخ محمود عكام يتحدَّث فيه عن قيمةٍ نبيلة من أعظم القيم وعن تطبيقاتها لدى سيّد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان: "قيمة العبودية عند سيد البرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقد جاء الكتاب في ستة مطالب:

    المطلب الأول: تناول مفهوم العبودية بالتوضيح والتبيين - وإن كان جليّاً - لكن قد يعسر الإعراب عنه باللفظ، ومبرراته الثلاثة توضحه "اعتقادٌ بألوهية المعبود،  و اعتقادٌ بمالكية المعبود، واعتقادٌ بقيّومية المعبود المستغني في وجوده وأفعاله عمَّا عداه". ومجموع هذه الاعتقادات مبرر لعبودية الإنسان وما سواه لله.

    أما المطلب الثاني: فتناول فيه معنى العبودية بالاعتبار العام والخاص والأخصّ:

        أ- فالعبودية بالاعتبار العام: تعني التحقّق الاضطراري باللوازم الكونية ويحياها الإنسان اضطراراً، إذ يسجد له: (مَن في السموات والأرض طوعاً وكرهاً).

        ب- أما العبودية بالاعتبار الخاص عند أستاذنا الدكتور محمود عكام فهي امتثالٌ اختياريٌّ للوازم الدينية التي يقتضيها مفهوم العبودية، فالإنسان حين يُعلن الطاعة والخضوع لله يكون متحققاً بالعبودية بمعناها الخاص، فهي ممارسة حقيقية لهذا الإعلان عبر المنهاج الذي جاءت به الرسل، ثم تأتي النية التي تحوّل فعل الإنسان من مجرّد حركات عابرة إلى حركات ثابتة الأثر، وبها يكون الإنسان محسناً ومتقناً في كل أقواله وأفعاله، فيحقق الغاية من خلقه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فتكون مستغرقة الفعل الإنساني في كل ما يصدر عنه فيكون مخلصاً لله رب العالمين.

        ج- ثم يعرّج الدكتور عكام على العبودية بالاعتبار الأخص: والتي هي أقوال وأفعال يقوم بها المرء ملتزماً أوامر الشارع بها: "صلاة – صيام – زكاة – حج..." وهي التي يطلق عليها اسم الشعائر والمناسك وما أشبه.

    وقد اعتبرت دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم العبودية باعتباريها في مقام واحد من حيث الثواب والعقاب. غير أن المراد من العبادات بالمعنى الأخصّ أن تكون أفعال الإنسان كلها ينسحب عليها مفهوم العبادة ويصطبغ به، فالصلاة مثلاً يُراد منها أن تكون عنواناً لكل فعل فردي دقيق موزون، والحجُّ نموذج للفعل الضابط للحركة الجمعية، والصوم عنوان لتهذيب السر في الأفعال المكتومة... فالعبادات إن لم تؤدِّ إلى ضبط حركة الإنسان سراً وجهراً لا قيمة لها.

    المطلب الثالث: يميز بين العبد والعابد:

    وهذا الفرق الذي يعطي العبد مقاماً رفيعاً حيث مُدح النبي من خلاله: (سبحان الذي أسرى بعبده)، لأن العبد من يعبد عن معرفة، ولأن المعرفة أساسٌ للعبدية، ومن هنا فسَّر ابن عباس العبودية بالمعرفة في قوله تعالى: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) أي ليعرفون. أما العابد فليس كذلك في أصل وجود المعرفة  أو وصفها.

    المطلب الرابع: عهد العبودية أزلي، ودعوة النبوة للوفاء به:

    (كان الناس أمة واحدة) في أصل الوجود، منتظمين في وصف العبودية لله سبحانه، أما آثار العبودية فهي مظاهر الخضوع والتسليم لله رب العالمين، وقد كان ذلك بعهد الله الذي أخذه على الخلق بأن يعبدوه وحده: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)، فألقت هذه العبودية بظلالها على الحياة الإنسانية، وتجلّى ذلك من خلال "الدِّين" الذي هو وفاءٌ لدَين (عهد) إرادي رمزي ثبت في ذمة المخلوق الإنسان تجاه الخالق نتيجة الخلق والإيجاد وإسباغ ما تميز به على بقية المخلوقات من صفات، وبما أن الناس تميل عن هذا الوفاء – أحياناً – بعث الله مبشِّرين ومنذرين للأوفياء بالعهد، منذرين للناكثين عن الوفاء، إلى أن جاء خاتم النبيين محمد فمضى على التذكير بما جاء به الأنبياء صوناً لعهد العبودية وحضَّاً على الوفاء به.

    المطلب الخامس: من مشاهد العبودية في حياة سيد البرية:

    بما أن الدِّين وفاءٌ لعهدٍ مع الله لذلك كان الوفيّ الأوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تجلَّى ذلك في مشاهد العبودية بمعناها الخاصّ والأخصّ، حتى استحقَّ وسام "العبد" من لدن المعبود: (سبحان الذي أسرى بعبده)، واستحقاقه لهذا الوسام كان لتحقُّقه بعنصري العبدية وهما الخضوع لشرعة المعبود، وغاية المحبة له.

        أ- العبودية بالمعنى الأخصّ: وهي القيام بالمناسك والشعائر والفرائض مشفوعٌ بعاطفة الحب للآمر المعبود.

        1- في الصلاة: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة".

        2- في الزكاة: كان صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة".

        3- في الصوم: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم.

        4- في الحج: فقد حجَّ رسول الله على رحلٍ رثٍّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم.

        5- في قراءة القرآن: "كان خُلُقه القرآن".

    وهنالك مشاهد ذكرها أستاذنا الدكتور عكام في الذكر والدعاء وقيام الليل.

        ب- العبودية بمعناها الأخص: بما أن العبودية إتقان وإحسان مع تحرير النية لله تعالى، ابتغاء رضائه فإن رسول الله كان متحققاً بالعبودية بمعناها الأخص بشكل أمثل، وقد تجلى ذلك في سيرته مع مَن وما حوله:

        1- مع ذريته وأولاده: كان إذا أقبلت إليه ابنته فاطمة تمشي رحَّب بها وقال: "مرحباً بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله. وقال عنه أنس: "ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله".

        2- مع أزواجه وأهله: كان يسابق عائشة فتسبقه، ثم لما حملت اللحم وبدُنت تسابقا فسبقها فقال لها: "هذه بتلك السَّبقة". ودخل عليه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله فأجلسه بين يديه.

        3- مع خدمه: يقول أنس وقد خدمه تسع سنين: "ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا ؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا".

        4- مع أصحابه: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومن ترك دَيناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه".

    ويتابع الدكتور عكام ذكر المشاهد فيتحدث عن سيرة النبي مع مخالفيه ومع النساء بشكل عام، ومع البهائم والجمادات، ومع عموم الناس.

        ج- معيار العبدية: وهي أدلة وبراهين ساقها الدكتور عكام تبين تحقق النبي بالعبدية:

        1 – التحمُّل من أجل مرضاة مولاه: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تُحلَّ علي سخطك".

        2- الاكتفاء التام بمرضاة مولاه: "إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي".

        3- المسارعة إلى كل ما يرضي مولاه: "لبيك حقاً حقاً، تعبُّداً ورِقّاً، لبيك أنا عبدك أنا لديك".

        4- محبة لقاء مولاه والشوق إليه: "اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومالي وأهلي ومن الماء البارد".

        5- رحمته بالعباد جميعاً: "إنما أنا رحمة مهداة" فهو يرحم ويعطي ويعفو مقابل رضا مولاه.

    المطلب السادس: مبايعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصداق للوفاء بعهد العبودية:

    فقد أخذ الله على الناس الميثاق بالإجابة والوفاء لعهد الله: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا) فهي أشبه بضمان يتحقق به العهد الإلهي على الدوام حفاظاً على الدين الواحد في إطار العبودية لله، وتحريَّاً للسَّداد في الاعتقاد النظري والسلوك العملي، اللذين يكوّنان معاً أساس المعرفة الإنسانية، وركيزة مفهوم العبودية، وجاءت من بعد هذا قضية "البيعة" واسطة تصل الإنسان بالله في هداية محكمة على يد النبي المبعوث: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).

    ويختم الدكتور عكام كتابه هذا بتأكيد على أن العبودية في حياة سيد السادات كانت قيمة ذوقيةً وعقلية ودينية، تخصَّبت بها النفس الزكية، وأشرقت شمسها في سماء دنياه، حتى عمَّت ذؤاباتها عموم أحنائه وأنحائه كما يشاء لها المعبود.

    أحمد محمد خطيب

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017