آخر تعديل الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596597

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    وقبلي بخشية أعتابهم: رسائل مرفوعة إلى جناب الحبيب المصطفى

    إنَّ في داخل كلِّ إنسانٍ منَّا إنساناً. تلك قضية قررها العقلاء، وحاول سبر أبعادها النفسيون، وأبدع في تصوير بعض تجلياتها الأدباء.

    والمفهوم من هذه القضية، أن داخلَ كلِّ إنسان مسكونٌ بآخر، أي بإنسان، بحيث يمثِّل الساكنُ جملةَ مُتطلَّعات المسكون، وخلاصةَ فكرته عن الكمال. فأخبرني مَنْ في داخلك أقل لك من أنتَ، أو من تريد أن تكون.

    فهل مِن شخصيةٍ تمثل الخيرَ جميعَه في مُتطلَّع الإنسان، والكمالَ كله في سعيه، لتكون القدوةَ للسلوك، والمحبوبَ الأسوة للقلب ؟

    نعم. إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإن كان في داخل كل إنسان منا إنساناً، فليكن في داخلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله.

    ولقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين كونه "قدوة" يتخذه العاقل معياراً له، يدنو به من كمال إنسانيته، ويرتقي به إلى أعلى مدارج أداء الأمانة؛ وبين كونه – صلى الله عليه وآله وسلم – "محبوباً" اجتمعت فيه محاسن الصفات الخَلقية الموهوبة، وأحاسن الأخلاق العظيمة، ثم زاد فوق هذا وذاك من رصيده في القلوب بتفضله وعطائه الذي لن تجد له عند التقدير مثالاً. لذا يخاطبه المؤلف الدكتور الشيخ محمود عكام فيقول:

    "فيا سيدي:

    تفصيل عطائك للإنسان يستلزم منّا كتباً ومجلدات، ولكني أحيل بني قومي وأمتي إلى سيرتك ليقرؤوها، ويتدبروها، ويعرفوها، ويُقرؤوها ويعرّفوا بها، ويقدموها إلى بني الإنسان في كل مكان وزمان.

    ما كنتُ يا سيدي مبالغاً، والمبالغة فيك تقصير، وهل يحيط الصغير بالكبير، وهل يدرك القاصرُ الكامل ؟!

    أعطيتَ ووفيت، وأديت وتكرمت، وما من إنسان عاقل إلا ويعلم انك أعطيت، وعطاؤك خير كله، وغير منقطع بعد انتقالك، فمن صلى عليك فالله راحمه، ومن اتّسى بك فالله معزّه، فحياتك خير لنا، ومماتك خير لنا...".

    إنها عبارات من الرسالة الحادية والعشرين التي حملت عنواناً لها: "سيدي. هذا عطاء الله بلا حدود، وهذا عطاؤك منه ممدود"، وهي واحدة من ثلاثين رسالة، يضمها كتاب الدكتور الشيخ محمود عكام، الذي يستوحي فيه تجليات السيرة النبوية الشريفة، ويضع له عنواناً مقتبَساً من إحدى قصائد الشاعر العرفاني الشهير "الرواس" المتوفى/1870/م: "وقبِّلي بخشية أعتابَهم"، مع عنوان فرعي: "رسائل مرفوعة إلى جناب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم".

    فمن عناوين هذه الرسائل التي يرفعها الدكتور محمود إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "سيدي أنت أسوة فوق القدوة". "سيدي وإنك لعلى خلقٍ عظيم". "سيدي أنت الرحمة المهداة". "سيدي نواليك وننتمي إليك". " دعوةٌ عامة إلى شخصيه كاملة". "سيدي أنت المعصوم الأكمل. "سيدي وهل يستطيع القلب ألا يحب ؟"

    تنتظم جميع الرسائل في سلك من الحب، يضيء أمام بصير القارئ منذ مطالعة الإهداء الذي خطه المؤلف فقال فيه:

    "إلى محمدٍ الذات.

    إلى رسول الله الصفات.

    إلى محمد رسول الله عظيم الذات والصفات.

    من عاشق همّه لثم العتبات".

    يوشِّي هذا الحب نداء يرسله المؤلف إلى الإنسان حيث كان، من أجل أن يتعرف على الشخصية العظيمة للنبي الكريم، فهو الإنسان التام الكامل، الذي استوعبت حياته بمفرداتها البسيطة والكبيرة خلاصةَ المعاني الإنسانية الراقية، التي يبحث عنها ويسعى إليها كل عاقل.

    وما أعظم وأجلّ ذاك الخطاب الذي جعله المؤلف عنواناً للرسالة الأولى: "سيدي: وهل يستطيع القلب ألا يحب ؟!"، فتعالوا نطالع معاً تلك الرسالة. يقول الدكتور الشيخ محمود عكام:

    (ويسألني الناس عن منطقية التكليف بمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في قوله تعالى:‏ ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾ التوبة: 24. وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين"، والحب لا يخضع لذلك !!‏

    أقول:‏ ما دام المكلفُ اللهُ الخالق فلا إشكال، فقد كلف بعد إذ فطر القلوب على ذلك، فقال مختاراً: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ الأنعام:124، وعلق الاختيار بالحبيب محبباً: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم:4، فاتجهت القلوب صدقاً وعدلاً إلى صاحب الخلق العظيم، فمن الناس من أظهر وصدّق، ومنهم من ستر وكفر: ﴿ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها﴾ الزمر:41، ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ البقرة:283.

    عجباً للناس، يقولون: إن حب المال فطري! وما ورد في ذلك عقلاً ونقلاً لا يعادل ما ورد في فطرية حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فعبّر العقلاء وقصّر غيرهم. التوراة بشرت به، والإنجيل حكى عنه والقرآن نزل عليه، وغدا اسمه يذكر مع اسم الله جلت قدرته.

    وصفه يجذب، وخلقه يقرب، وصدقه يشد، وأمانته تحبب، وعقله أرجح من أن تقارن به عقول العقلاء مجتمعين أو متفرقين.

    فأما الوصف: فقد جاء على لسان من رأوه صادقاً محققاً موثقاً مؤكداً، لأنهم كثر متفاوتون عقلاً وتفكيراً ورأياً، فقال قائلهم، وهو أبو هريرة رضي الله عنه "ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأن الشمس تجري في وجهه". وقال آخر، وهو حسان بن ثابت الشاعر رضي الله عنه:

    متى يبد في الليل البهيم جبينه                    يلح مثل مصباح الدجى المتوقد‏

    فمن كان أو من قد يكون كأحمد                    نظام لحق أو نكال لملحد‏

    وعلى هذه الشاكلة توالوا.

    وأما الخلق:‏ فأعظم بتعظيم الله لخلقه، إذ قال عنه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم:4، وأنعم بمن توشى بكلام الله، فتخلق به، ولقد قالت زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه". وها هو ذا يعلن عن مهمته فيقول: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وفي رواية: "بعثت لأتمم صالح الأخلاق". وقد ورد عن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة. فقال: أجل. إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً".

    وأما الصدق: لم يكن لدى بشر سواه، تسمى به تحققاً، ولقب به تعاملاً، وأيمُ الله ما تجسد الصدق في غيره تجسدَه فيه، فكأنه شخصه الذي يُعاير عليه، ونموذجه الذي ينسب إليه، ما نطق لسانه إلا به، ولا خالف عمله قوله. ناداه أعداؤه (يا صادق) ولمس أصحابه بقلوبهم، قبل آذانهم، منه أصدق الحقائق. دخل عليه عبد الله بن سلام في المدينة فقال: "انجفل الناس إليه- أي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كاذب".

    وأما الأمانة:‏ التي تحبب فسجيته التي انطوت عليها سريرته، اؤتمن فأدى، وأمن ليبلغ عنه، عن الأمانة العظيمة صدر، والى الأمانة الإنسانية هدى. نظر إليه أبو بكر رضي الله عنه فقال:

    أمينٌ مصطفىً للخير يدعو‏                           كضوء البدر زايله الظلام‏

    وخاطب في حجة الوداع من أمامه، وأشهدهم على أدائه الأمانة، فشهدوا: "ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد". وبالرغم من عداوة أعدائه له، إلا أن نعته بالأمين لم يختفِ من كلامهم وعبائرهم، واستئمانه على أموالهم وودائعهم لم يرتفع من تصرفاتهم، حتى إنهم ليأتمرون على قتله، وهم مؤتمنونه على ما يحبون ويتعلقون من أموال، وأشياء ثمينة، وودائع لها قيمة عندهم.

    وعقله، وما أدراك ما عقله !: فقد بلغ الكمال لأنه حمل رسالة التمام والكمال. قال التابعي الثقة وهب بن منبه: "قرأت في واحد وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعطِ جميع الناس، من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل، في جنب عقل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا كحبة رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً". ويدخل عليه أعرابي فطري، ويستمع إليه، فيخرج مسلماً، فيقول له قومه: كيف عرفت أنه رسول الله ؟ فقال: "ما أمر محمد بأمر قال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء قال العقل: ليته أمر به".

    بعد هذا كله فليس غريباً، بل هو عين الصواب والحق، اتجاه القلوب إليه وتعلقها وارتباطها به، وتعبيرها عبر اللسان تعبيراً فريداً ليس له نظير في عالم المحبين لسواه من الناس.

    يأتيه ثوبان رضي الله عنه فيقول: "يا رسول الله. إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك في الجنة مع النبيين وأني لست كذلك، فبكيت خشية ألا أراك". فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ النساء:69. وارتسمت فرحة الأمل باللقاء على محيا ثوبان، وعاد قرير العين.

    فيا سيدي يا رسول الله:

    الحب لك، والصلاة والسلام عليك، والشفاعة لنا منك.‏

    سلام عليك في الأولين.‏

    وسلام عليك في الآخرين.‏

    وسلام عليك إلى يوم الدين).

     

    ولا غنى أخيراً عن الإشارة إلى اللغة الفنية، والأسلوب الأدبي الرفيع الذي عرفت به كتابات الدكتور محمود عكام؛ وتجلى في هذا الكتاب في أبهى حلله، وها هو المؤلف يقول في مقدمة الكتاب: "لست شاعراً حتى أكمل خطَّ مَن مدح الحبيب، وحينها لي أعظم الشرف، ولكنني ناثرٌ لي مع العبارة عبيرُ غرام، ومحبٌ للكَلِم، ينعشني منه ما طاب، ويخنقني الذي لم يطب، وما عليَّ ملام".

    محمد أديب ياسرجي

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    تهنئة مرفوعة إلى جناب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلمرسائل من غزةالشيخ الأخ المصطفى الصدِّيق مع الصدِّيقين والشهداء

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017