آخر تعديل الإثنين 20 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596445

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه

    وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه﴾.

    وهنا يتبادر سؤال: هذه الآيات غريبة السِّياق عما قبلها ولا تتناسب بحسب السياق المعنوي مع الآيات السابقة، فما بال السياق تحول من الحديث عن إنسان متهاون في الآخرة إلى خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ ؟! ولماذا هذا الالتفات وما حكمة ذلك ؟

    الجواب: ربنا عز وجل لما قال: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ هذه القاعدة القرآنية لها تجليان:

    - التجلي الأول: تقال لمن أذنب ويحاول أن يقدم الأعذار الواهية لذنبه، معتقداً أو ظانّاً أن هذه الأعذار الواهية ستعفيه من العقوبة. وهذا التجلي السلبي للقاعدة القرآنية.

    فأنت أيها الإنسان على أعمال نفسك حجة بصير وتعرف نفسك وتعرف أن هذه المعاذير إنما هي عبارة عن أدوات من أجل أن تعفيك من العقوبة، وأنت تعلم في داخلك بأنها معاذير مصطنعة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة.

    - التجلي الثاني: وهو التجلي الإيجابي والرائع للقاعدة القرآنية، وأعلى تجليها الإيجابي عندما ظهرت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالآية: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ هي قاعدة قرآنية، والآية ﴿ولو ألقى معاذيره﴾ هي حال للتجلي السلبي، أما الآية ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ هي حال للتجلي الإيجابي، أي يا محمد نحن نطلع عليك وأنت على أعمال نفسك حجة بصيرة إيجاباً. على أي شيء أنت يا محمد حجة على نفسك ؟

    في التلقي عن الوحي وفي تبليغ هذا الذي تلقيته، فنحن نعلم بأنك تسعى من أجل تلقي الوحي بأمانة ومن أجل أن تبلغه بوفاء، لذلك لما تلقيت الوحي بأمانة وبلغته بوفاء فأنت يا أيها الإنسان الكامل على نفسك بصيرة، لذلك فلا تتعب نفسك يا محمد ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾. أي لا تتعب نفسك يا محمد، لأننا نعلم بأنك على نفسك بصيرة من الناحية الإيجابية، وأنك تجتهد من أجل التلقي بأمانة والتبليغ بوفاء، فنحن سنوفقك... لأننا نعلم أن نيتك إيجابية وعظيمة، فالله عز وجل هو منْ يوفق إما لهذا وإما لهذا ﴿وكلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك﴾.

    ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أي جمعه في ذاكرتك و ترتيبه في صدرك.

    وكلمة (قرآن) في اللغة العربية مصدر بمعنى الجمع، فهل الكلمتان هنا مترادفتان بنفس المعنى ؟ وإذا كانتا بنفس المعنى فلماذا التكرار ؟!

    الجواب: الكلمتان ليستا بنفس المعنى، فكلمة (جمعه) أي جمعه كاملاً وفق ما أردناه ووفق ما قضينا به، (وقرآنه) أي جمعه بالترتيب وفق ما ينفع الإنسان الذي يتبع هذا القرآن.

    لذلك استخلص بعض العلماء من هذه الآية إشارة إلى أن الترتيب في المصحف هو ترتيب توقيفي وليس ترتيباًًًًًً اجتهادياً.

    فمثلاً: فأنا إذا قلت لك هذا المسجد عليّ جمعه وبنيانه، (عليّ جمعه) أي عليّ جمع أحجاره.. (بنيانه) أي ترتيبه ليكون مسجداً.

    ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ أي أن الله عز وجل يقول لرسوله محمد: يا محمد نحن علِمنا بأنك على نفسك بصير، وبأنك تريد وتسعى لكي تتلقى الوحي بأمانة وأن تبلغه بوفاء، فلا تتعب نفسك.

    ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أي نحن سنوفق في جمعه في ذاكرتك وترتيبه في صدرك.

    ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي فإذا قرأناه عبر رسولنا وهو الملك جبريل فاتبع قرآنه. (جمعه) وهذا الجمع للقرآن إما أن يكون في السماء الأولى ثم نزل منجماً، وإما أن يكون الجمع في صدر النبي جملة واحدة كما قال بعض العلماء وهذا المعنى يمكن أن يكون مقبولاً.

    ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ليس في سماء الدنيا فقط وإنما في صدرك يا محمد، فالقرآن مجموع في داخلك ولكن سنخرجه مجتمعاً مرتباً ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ وعندما نخرج هذا المجموع مرتباً ﴿فاتبع قرآنه﴾ فالقرآن مجموع في صدرك يا محمد ومجموع في السماء الدنيا ومجموع في اللوح المحفوظ.

    ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ليس المعنى: ثم إن علينا تفسيره، وإنما المعنى: إن علينا أن نوفقك من أجل أن تبينه للناس ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، والبيان يكون عبر اللسان ﴿الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان﴾.

    فالله عز وجل تكفّل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بجمع القرآن في صدره وترتيبه، ثم بعد ذلك في تبليغه للناس من خلاله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التبليغ هو التبيين.

    فيصبح المعنى: نحن سنوفقك يا محمد لتبيين ما قد جُمع في صدرك وما قد أُقرئته من خلال جبريل على الترتيب الموجود.

    لذلك هذا الفاصل ليس هو فاصل غريب عن الآيات السابقة والآيات اللاحقة وإنما هو كما يقول علماء التربية اغتنام الفرص، لأنني عندما أقرأ الآية ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ قد يخطر في بالي شخصية كبيرة وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم... لكن الله عز وجل قبل أن يخطر في بالي أتى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مثالاً عظيماً على كون الإنسان على نفسه بصيرة، فالرسول على نفسه بصيرة أيضاً عندما يبلِّغ. فالصادق على نفسه بصيرة والكاذب على نفسه بصيرة، وهذه الآية لا تستخدم فقط لعالم الكاذبين، لكن الآية وإنما تستخدم في عالم الكاذبين وفي عالم الصادقين.

    بل الإنسان على نفسه بصيرة إن كان كاذباً وأيضاً بل الإنسان على نفسه بصيرة إن كان صادقاً، ولكن نحن نستخدم هذه الآية في عالم الكاذبين فقط.

    والكاذبون كثيرون... لذلك الله عز وجل أبهمهم لم يذكر أحد منهم لأنهم كثر، وليس هناك مَنْ هو أكذب الكاذبين، لأن الكذب مستمر ويأتي كاذب أكذب من الذي قبله... ولكن أصدق الصادقين موجود ومحسوم وهو محمد عليه الصلاة والسلام ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (جمعه) في صدرك، (وقرآنه) أي الجمع مع الترتيب، ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي فاتبع قرآنه على حسب الترتيب، وهذا الترتيب توقيفي، ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ أي عندما تريد تبليغه للناس نحن نتكفّل بهذا ولن تضيع منك ولا كلمة، فما دمت صادقاً في تلقي بأمانة وتبليغ بوفاء فلن نضيع منك شيئاً وسنلبي هذا التوجه الصادق في داخلك.

    وهذه (الداعيه) ـ كما أسماها الأشعريون ـ في داخلك سنلبيها، إن كانت خيراً فالخير ينتظرها وإن كانت شراً ـ والخطاب لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالشر ينتظرها ﴿وكلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً﴾.

     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017