آخر تعديل الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596596

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    رؤية مسلم حول الإنسان والأخلاق

    عدت إلى الأصل فقلت: الإنسان بين خَلْق وخُلُق، له تجليان: الأول: التجلي المادي وهو هذا الشكل الذي أنت فيه، ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ وهو الشكل الذي تتميز به عن سائر المخلوقات، ويكمن هذا التميز:

    1- في طبيعة الإنشاء الأول: فأنت الوحيد من المخلوقات لما خُلقت قال ربي عز وجل: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ أنت الوحيد بين المخلوقات المنفوخ فيك من روح الله عز وجل.

    2- مكرَّم في الاستمرار والمتابعة: متميز عن المخلوقات الأخرى في طريقة التكاثر. وأنا لا أريد أن أتحدث عن الدافع الجنسي الذي يقبع فيك وأنت بالتالي تقوم بإروائه بطريقة مختلفة عن الحيوان، إذ أن هنالك كلمة وعقد، وعهد، (واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، يوجد إشهاد لله على العقد فالقضية متميزة، أما باقي المخلوقات فلا كلمة لها في التناسل.

    3- ويستمر التميز الخلقي أيضا ليظهر في الشكل الأرقى والأقوم: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾.

    والتجلي الثاني هو التجلي المعنوي: والذي يشكل الوجه الآخر للخَلق، وليس لهذا التجلي  وجود أصلاً لدى المخلوقات الأخرى، وهو محل التكليف بالنسبة للإنسان، ولعله الأمانة التي حُمِّلها الإنسان، وأبى حملها غيره من المخلوقات، ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾.

    فهناك قواعد تحمي الخَلق وهي قواعد صحية جسمية مادية، وكذلك يجب أن تكون هناك قواعد تحكم الخُلق، القسيم الثاني للتجلي العام للإنسان، ومن هنا وجب البحث عن نظام للخُلق يعادل نظام الخَلق من حيث تميزه ورقيه وحسنه، وبدون هذا النظام الخُلقي تنسلخ عن الإنسان إنسانيته، لأنه ما حازها إلا لأنه جمع بين المظهرين: الخِلقي المقوم المسوى، المكرم به فضلاً دون تكليف. والخُلقي العظيم، المكلف به حماية، ورعاية، وارتقاء، فليس الإنسان محض خَلق مادي، كما إنه ليس محض خُلق معنوي مثالي، بل هو هما معاً ، ولذلك قلنا: الخُلق أنسنة الخَلق، وبالخُلق يتأنسن الخَلق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في مسند الإمام أحمد عندما يريد أن ينظر شخصيته: (اللهم كما حسنت خَلقي، فحسن خُلقي).

    مضامين التجلي الخُلقي:

    أنت أيها الإنسان ثلاث محالّ: تصور وموقف وأسلوب.

    1- التصور: أنت لديك تصور تريد أن تغنيه، فلذلك تسأل: من خلقني ؟ لمَ وُجدت ؟ هل هنالك نهاية لهذا العالم ؟ من الذي ميَّز هذا عن هذا ؟ أسئلة تنبت في مساحة التصور.

    جاء الإسلام فغطى مساحة التصور بالعقيدة، بالخبر الصادق، من أنا ؟ أنت مخلوق لله عز وجل. هل للعالم نهاية ؟ نعم، يوم آخر...

    2- الموقف: والموقف هو فعلة، ما علاقتي معك، ما الذي يحكم علاقتي معك ؟ كيف أتعامل مع الناس ؟ مع الحيوان ؟ مع الجماد ؟ ... أيضاً جاءت الشريعة بأحكام نسميها أحكام عملية، الفقه، الشريعة. هل أكل الخنزير جائز ؟ لا. هل أشرب الخمر ؟ لا، لا تشرب الخمر... قل، لا تقل. افعل، لا تفعل.. هذه الأحكام هي الشريعة التي تغطي الموقف، وتلبي حاجتك إلى حكم يغطي علاقتك بالآخر.

    3- الأسلوب: لكل فعلة مستويان، مضموني وأسلوبي. مثال: أنا عطشان وأريد أن أُذهب العطش، أريد أن أُروى، ما نزل من ماء في حلقي يُروي العطش، هذا مستوى مضموني، أما المستوى الأسلوبي فهو كيف سأشرب الماء ؟ هل أعبُّ الماء عباً، هل... مثال آخر: لك دَين علي فجئت تطلب مالَك، فأخرجت لك المال وألقيته لك وقلت خذها، على المستوى المضموني أدّيتُ لك المال، أما على المستوى الأسلوبي فما قمت بمستوى يتناسب وإنسانيتي.

    أعيد التصور بالعقيدة، الموقف بالشريعة، الأسلوب بالإحسان. لذا كان الحديث الثاني في الأربعين النووية الذي يرويه عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام? فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا). قال: صدقت. فعجبنا له، يسأله ويصدقه ! قال: فأخبرني عن الإيمان ? قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال: صدقت. فأخبرني عن الإحسان ? قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك). وهذا الإحسان هو المستوى الأسلوبي، وسنقصر دلالة الأخلاق على هذا فقط، بعد أن كانت تشمل الجميع التصور والموقف والأسلوب، لما لهذا الأمر من أهمية، وعلى هذا يصبح تعريف الأخلاق هو: الأسلوب الأمثل للتعبير عن الأقوال المرغوبة والأفعال المطلوبة.

    مثال: عندما يصلي إنسان بينه وبين نفسه، وعندما يصلي أمام الناس صلاة جهرية، كم سيكون الفرق في أسلوب الأداء بينهما ؟ هل يستويان ! ما أظن ذلك. فعندما نكون بيننا وبين أنفسنا نراعي المستوى المضموني أما المستوى الأسلوبي فلا نراعيه.

    عندما تفرق في أسلوب فعلتين بينك وبين نفسك وبينك وبين الآخرين فأخلاقك في خطر، وهذه مشكلة. وهكذا في الطعام... عناية في الأسلوب أو عدم عناية. هل تتصورون أن النبي كان يفرق بين أدائه للفعلة الواحدة بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين ؟ ما أظن أنه يفرق بينهما، لأنه كان يقول: (اللهم اجعل سريرتي خيراً، من علانيتي واجعل علانيتي صالحة).

    والآن تسألني: كيف يكون الأسلوب أمثل ؟ أقول لك: إذا شعرت بأنك مُراقَب فستسعى من أجل أن يكون أسلوبك أمثل. أي المؤيد شعورك بأنك مراقب. مثال الصلاة عندما تؤديها بينك وبين الناس ما الذي يجعلك تُحسِّن أسلوب الصلاة ؟ شعورك بأنك مراقب من قِبل الناس. (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك). راقب الله عز وجل من أجل أن تحسن أسلوبك، الله يراك فلمَ لا تُحسِّن أسلوبك ؟!

    نحن اليوم مؤمنون بالله، فهل يعتقد أحد منَّا أن الله لا يراه ؟ فهل يوجد اليوم أمة أفعالها بينها وبين نفسها أسوء منَّا ؟ لا يوجد، فمَحَكّ الإيمان بالأسلوب، وليس بالادّعاء والكلام، يأتي الناس من بلدان أجنبية فيقولون: إن الصيام عبادة ممتازة.

    نحن نراقب الله في صيامنا لا نأكل، نمتنع، هذا صحيح، لمَ نراقب الله في صيامنا ولا نراقب الله في رمي الأوساخ مثلاً، لمَ تراقب الله في الصوم ولا تراقب الله في حق المسلم على الآخر ؟ لم لا تراقب الله عندما تتكلم كلاماً بذيئاً... هل تمحض الله مؤمَناً به في الصوم فقط. هذه مشكلة.

    مؤيد الأخلاق هو شعورك بأنك مراقب من قبل الله، كلنا يعتقد بأن الله مطلع عليه ومراقب له ويعلم ما نخفي وهو أقرب إلينا من حبل الوريد.

     الأخلاق هو: الأسلوب الأمثل للتعبير عن الأقوال المرغوبة والأفعال المطلوبة.

    الأخلاق عامة وشاملة لكل شيء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته). إن الله كتب الإحسان على كل شيء، على كل صغيرة وكبيرة من قول أو فعل، ولها مستويان: مضموني وأسلوبي، والله عز وجل جعل هذين المستويين في كل شيء يصدر عنك من قول أو فعل مهما صغر أو كبر.

    إذا أخذنا الحج مثالاً قلنا: هناك أحكام للحج، وأخلاق للحج، وكلاهما فرض. أما الأحكام: فالإحرام، والطواف، و... وهذه مستوى مضموني أما المستوى الأسلوبي: فـ (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ ونحن اليوم أهملنا المستوى الأسلوبي، فالذي فرض الحج قال هذا الكلام ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ ونحن اليوم نسأل عمن ترك الطواف أو الإحرام أو... ولا نسأل عمن ترك خُلقاً أو عمن رفث... أهملنا المستوى الأسلوبي.

     قلت في يوم من الأيام هناك فرق بين الصيام والصوم، الصيام: امتناع عن الطعام والشراب والجماع. أما الصوم فهو امتناع عن المفطرات المعنوية: (فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار) الصيام: امتناع عن المفطرات الحسية، والصوم امتناع عن المفطرات المعنوية (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) إذا كان الصيام: امتناع عن المفطرات الحسية، والصوم امتناع عن المفطرات المعنوية  فصيام شهر رمضان طُلب منا أن نصومه صياماً حتى نصل إلى صيام السنة صوماً. وكنت أقول في آخر رمضان كم يوماً صمنا صياماً وكم يوماً صمنا صوماً ؟ أنت أدرى بنفسك، إذا كنت قد سببت أو كذبت... (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).

    صرنا أمة مادية أكثر من الغرب، هم أكثر روحانية منا، انظروا طعامنا، وشرابنا...

    ما الأسلوب الأروع ؟ هو السَّعة والاستيعاب، الإنسان شخصيتان إما مستوعِب وإما مستوعَب، المستوعِب يدفع بالتي هي أحسن، ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ أما المستوعَب فهو الصغير، لو سألنا من المستوعِب الرسول أم المشركون ؟ فيكون الجواب: الرسول بالطبع. جاء في البخاري كما يقول ابن مسعود: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً من أنبياء بني إسرائيل ضربه قومه حتى أدموه فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون).

    الأكثر خُلقاً هو المستوعِب: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) يقول سيدنا أنس: خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لمَ فعلته ولا لشيء لم أفعله لمَ لم تفعله. ألم يُخطئ أنس ؟ لكن عندنا بيت شعر قالته العرب:

    ليس الغبي بسيد في قومه                 ولكن سيد قومه المتغابي

    لذلك قيل في أحد تعريفات الحضارة بأنها استيعاب، ونحن اليوم نُحاصِر بعضنا، الأمة المستوعِبة هي أمة حضارية، السَّعة والاستيعاب هو الخُلق الأقوى والأفضل من دون تردد، فإذا كنت مستوعِباً فأنت ناجح وحضاري، وإن كنت مستوعَباً فلن تصل إلى شيء اسمه الحضارة ولن تشمَّ رائحتها. التحمل ووصية لقمان لابنه ﴿أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ القضية محسومة لصالح الاستيعاب، لذا قلت مرة: "الحضارة لا تقوم على شتم الحضارات، ولكن الحضارة تقوم على تحمل شتم أشباه الحضارات" وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، ويقول: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وربنا يقول: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾. ولكن الحضارة تقوم على تحمل شتم أشباه الحضارات، اقرؤوا سيرة النبي وسيرة من بعده من النخبة.

    عمر بن عبد العزيز كان يمشي ذات يوم فحطَّت رجله على رجل إنسان فقال له ذاك الإنسان: أمجنون أنت ؟ فقال عمر: لا.

    لما ذهب النبي إلى الطائف أرسلوا إليه أطفالهم وغلمانهم فنزل إليه جبريل ومعه ملك الجبال: يا محمد أنطبق عليهم الأخشبين ؟ لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله.

    الشيخ يوسف النبهاني نظم قصيدة في وصف هذا الموقف فقال:

    لو رأيت النبي بعد بالطائف               سالت بالحَصب منه الدماءُ

    وسمعت التخيير فيهم من الله                     فكان اختياره الإبقاءُ

    كنت شاهدت أعظم الناس حلماً                     وتمنيت أن يعمَّ الفناءُ

    كان يلقى عنه الحجارة زيد                     إن روحي لنعل زيد فداءُ

    هذا خلق الاستيعاب.

    رقابة الله هي مؤيد الأخلاق، الضمير في الغرب مؤيد الأخلاق، قلت للغربيين: ما تعريف الضمير ؟ لم يُعرِّفوه. قلت: الضمير فعيل في اللغة العربية، مراد فيه الظرف المَحلّ، ثم قلت لهم: الضمير هو صوت الله في الإنسان، حتى ولو لم يكن مؤمناً بالله فهناك صوت لله لأن الله حقيقة. فلان صحا ضميره أي سمع لصوت الله فيه.

    نتكلم كثيراً في تراثنا عن إنسان كان سيئاً، وإذ به يسمع هاتفاً، أي صوت الله في داخله.

    مؤيد الأخلاق إذاً رقابة الله. لأن رقابة الدولة مهما قويت، ورقابة الناس مهما اشتدت، ورقابة الإنسان هو على ذاته مهما ارتقت، لن تصل جميعها إلى مستوى رقابة الله، الذي يعني لدى المؤمن به، المطلع على السر والجهر، والصغير والكبير والخلجات والحركات.

    ورقابة الله لها مستويان: مستوى سيادة الواجب كما نقول في الفلسفة: اعمل هذا لأنه واجب وفرض، والمستوى الثاني: سيادة الحب. أنا مراقب من قِبل من أحب وهذه أرقى وهنا أتفانى في العمل، هذا المؤيد.

    إما أن تكون سيادة الواجب، أي صاحب الواجب عليّ، وإما أن يكون محبوباً. لذلك ورد للاستئناس وإن لم يصح:

    أحبك حبين حب الهوى                         وحباً لأنك أهل لذاك

    "إلهي لا أعبدك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك، ولكن لأنك رب تستحق العبادة".

    ربما قال لي قائل: كيف سأتعرف على الأسلوب الأمثل في قضية ؟

    أقول له:

    1- الشريعة الإسلامية قدمت لك الأساليب: (يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك)، و(إذا ركعت فاطمئن راكعاً، وإذا سجدت...)، و﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾.

    2- جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمى وابصة، فقال له رسول الله: (تسألني أم أخبرك) قال: بل أخبرني. قال النبي: (جئت تسأل عن البر). قال نعم. قال: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفت قلبك). لمَّا لا ترى الأسلوب في الشريعة عد إلى قلبك المتصالح معه، سل داخلك، من استهدَ بالله يَهده. أقول: (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فيسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به). اللجوء إلى الله: (ما كان الله ليفتح على عبدٍ باب الدعاء ويغلق عليه باب الإجابة) سل قلبك يجيبك ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾.

    من طريف ما قرأت في العقد الفريد أن عمرو بن العاص قبل أن يسلم كان يأتي إلى مسيلمة الكذاب، فقال مسيلمة لعمرو في يوم من الأيام: يا عمرو لقد نزلت عليَّ الليلة سورة كما نزلت على صاحبكم. قال: ما هي ؟ قال: "يا وَبر يا وَبَرُ، إن أنت إلا أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر". فما رأيك يا عمرو ؟ وعمرو داهية. ضحك وقال: "يا مسيلمة والله إنك تعلم بأنا نعلم بأنك تكذب".

    وأنا كتبت مقالة ذات يوم بعنوان: والله إنك تعلم بأنا نعلم بأنك تكذب. ووجهتها إلى كل الذين يجلسون خلف الطاولات.

    سألت مرة أستاذنا الشيخ عبد الرحمن زين العابدين رحمه الله وقلت له: هل تحبني ؟ فقال لي: يا محمود:

    وإذا اعتراك الشك في ودِّ امرئ                 وأردت تعرف حلوه من مرِّه

    فسل فؤادك عن ضمير فؤاده                 ينبيك سرك كلَّ ما في سرِّه

    قال أحدهم للحسن البصري: كيف أعلم مكانتي عند الله ؟ قال: انظر مكانة الله عندك.

    أخيراً: الأخلاق والعادة: الغلط الذي نرتكبه هو أننا نخلط بين الأخلاق والعادة، وحمَّلنا الإسلام عاداتنا وسلخنا منه أخلاقه ورمينا بها، وحولنا عاداتنا إلى أخلاق الإسلام، ودعونا الناس إليها فلم يقبلوها، فقلنا إن الناس لم يقبلوا الإسلام ! لا، الناس لم يقبلوا عاداتنا، لكنك باعتبارك مسلم تنسب زوراً وبهتاناً عاداتك للإسلام، اللباس الآن مثلاً (القميص الطويل أو ما يسمى بالكلابية) عادة وليست من الإسلام وإذا قال الآن شخص بأن هذا اللباس إسلامي، نقول: لا، يا أخي هذا عادة، أنا في ألمانيا على سبيل المثال هل من الأفضل أن ألبس (كلابية ) ؟

    ومشكلة إنساننا اليوم أنه أنزل العادة منزلة الأخلاق فتمسك بعادته الخاضعة لبيئته تمسكه بالأخلاق، وراح يسعى إلى تصديرها على أنها عامة شاملة، وهي ليست كذلك. ولما صادمت عادته عادات أخرى، لم يتنازل عن عادته، ودافع عنها دفاعه عن أخلاقه، فحدثت الفوضى الكبيرة، والاختلاط العجيب بين الأخلاق وبين العادة. قد نرى أن الإسلام يُرفض أحيانا، وذلك لأنه حمل عاداتنا على أنها جزء هام منه، وعلى أنها جزء من أخلاقه، ولطالما طبع بعضنا عاداته - التي تكونت نتيجة بيئته - بطابع الإسلام، وراح يدعو إليها على أنها أخلاق الإسلام، أو على أنها أخلاق قابلة للتصدير عبر القارات، وعبر الأزمنة لكل الإنسان. ولذا فنحن نطالب بفصل العادة عن الخُلُق. حين نقدم الإسلام مصدرا للأخلاق، وحين نقدم قواعد أخلاق الإسلام.

    الأخلاق ثوابت متعلقة بك أنت أيها الإنسان، أما العادات جغرافية ظرف زمان، وكل أسئلتنا اليوم تُصب في العادة، ولكي نفرِّق بين الأخلاق والعادة فلننظر إذا كان الأمر يتغير من مكان إلى مكان فهو عادة، لذا قالوا: قبل جبال البرينيه يختلف عما وراءها. عادات تتغير، إذا لم تتغير هي أخلاق، الصدق صدق فهو أسلوب، خُلق، الإحسان خُلق، لذلك النبي قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أي فيما يخص عاداتكم.

    آمل أن نميز بين هذه الأمور، وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017