آخر تعديل الإثنين 20 نوفمبر 2017
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 596442

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    سيدنا محمد مضمون كل الأعياد

    أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

    قبل أمس مرت علينا ذكرى مولد الحبيب الأعظم عليه الصلاة والسلام، وبالأمس احتُفل بعيد المعلم، واليوم يُحتَفل بعيد الأم، وبعد غدٍ يُحتفل بعيد الفصح.

    لميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم عيد، وللمعلم عيد، وللأم عيد، ولأمرٍ يتعلق بسيدنا عيسى عليه السلام عيد. لكن ألا ترون أن هذه الأعياد كلها تصبّ في مصبِّ سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الرسول المُحتَفى بمولده، والمحتفل بمولده، وهو المعلم، ومَن منا ينكر معلميته، ومن منا يستطيع أن يأتي من الخَلق بمعلمٍ أعظم منه على مستوى الخلق منذ آدم وإلى اليوم، ما أظن أن معلماً خلقه الله عز وجل يفوق المعلم الحبيب النبي الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله هو أم وأب بالنسبة لنا، وإذا كانت الأم تُكرَّم لرحمتها، وإذا كانت الأم تُقدَّر لعطفها وحنانها ولطفها وأنسها، فأروني أرحمَ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنا، أروني إنساناً أرحم بالإنسان من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورحم الله من قال:

    وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ            هذان في الدنيا هما الرحماءُ

    وأما سيدنا عيسى المحتفل بأمرٍ يتعلق به بعد غد، أوَليس سيدنا عيسى أخاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ليس سيدنا عيسى هو من بشّر بأحمد: ﴿مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾ فيا رسول الله، يا مضمون كل الأعياد، ولستُ في هذا الكلام مبالغاً ورب الكعبة، فليحتفل العالم بأي شيء يريدون، إن كانوا يحتفلون بالقيم الإيجابية فمحمد سيدها، وإن كانوا يحتفلون بأي شيء خير معطاء فمحمد هو خير الإنسانية وهو الأكثر عطاءً من الإنسانية للإنسانية، فيا رسول الله، يا مضمونَ كل الأعياد الجميلة النبيلة، سأذكرك في هذا اليوم على أنك خير الناس بيتاً، وخير الناس نفساً، سأذكرك على أنك الرحمة للعالمين، لأن الله قال عنك: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، سأذكرك على أنك رحمةٌ مهداة، لأنك قلت: (إنما أنا رحمة مهداة)، سأذكرك على أنك خِيارٌ من خيار، وهذا ما قلته على ذاتك ونفسك، سأذكرك يا سيدي يا رسول الله على أنك البشير النذير للناس كافة: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾، والبشارة والإنذار في دائرة الرحمة، فأنت تبشر وتنذر منطلقاً من كونك رحمة للعالمين، وإذا كانت البشارة والإنذار تنبثق وتنبعث وتتجلى وتتحدد وتظهر من خلال الرحمة، فما أروع تلك البشارة، وما أجمل وأحكم وأعدل هذا الإنذار! بشرتَ فناديت الناس: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)، بشرت فناديت: (لكل نبيٍ دعوة مستجابة دعاها لقومه في حياته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً)، وأنذرت ولكن من منطلق رحموي فقلت: (اللهم اهدِ قومي فإنهم يعلمون)، أنذرت فقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

    سيدي رسول الله سأتحدث عنك في هذه الأعياد، سأتحدث عما جئت به فيما يتعلق بالمعلم، لأنك المعلم الأكبر، ولأنك المعلم الأعظم.

    سيدي رسول الله لقد طالبتَ أمتك أن تُقدّر المعلم، وأن تكرّم المعلم، فقلت كما في الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده: (ليس منا) وفي رواية: (ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه). قلتَ وطالبتَ الأمة أن تَعِيَ من المعلم ما يعلّم، فقد روى البزار أنك قلت لسيدنا علي كرم الله وجهه: (حَقٌ عليَّ أن أعلمك، وحقٌ عليك أن تَعِي)، طالبتَ الناس حيال المعلم أن يكونوا واعين مستوعبين متلقين تلقياً إيجابياً. طالبتَ الناس حيال المعلم في أن يدعو للمعلم، فقد جاء في سنن الترمذي: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير). طالبتَ الناس والمجتمع بالتواضع للمعلم: (وتواضعوا لمن تَعلمون منه).

    أيها المعلم: كل عام وأنت بألف خير، ولكنني أنصحك، ونصحي لك منطلقه حب: عُد إلى المعلم الأكبر، إلى المعلم الأعظم، إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن ترى نفسك، ومن أجل أن تلملم حقوقك.

    يا وزارة التربية والتعليم: ضعوا في دستوركم وفي أنظمتكم الداخلية، ضعوا حقوق المعلم مُستقاةً من مبادئ وتوجيهات وتوصيات سيد المعلمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما أروعَ أن يرى المعلم هذا الكلام الذي سُقناه، ما أروع أن يرى المعلم إذ يدخل المدرسة أو الصف قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) ما أجمل أن يلقى المعلم أمام ناظريه: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)، ما أجمل أن يرى المعلم يا علي: (حَقٌ عليَّ أن أعلمك، وحقٌ عليك أن تعي) لا سيما أن المدرسين والأساتيذ اليوم يشكون ما يشكون من تمردٍ سلبيٍ من طلابهم، يساعد طلابهم أولياء لا يريدون لأبنائهم الرعاية والتعلم والتدريس الجيد والمتابعة.

    أيها المعلم أكرر: كل عام وأنت بخير، ولكن لن تلقى ملاذاً آمن من أن تلوذ بمعلمنا جميعاً محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    أيتها الأم: في يومِ عيدك أقول لك: إن المحتفل بمولده كرَّمك من خلال قرآنٍ أنزل عليه: ﴿بالوالدين إحساناً﴾، ومن خلال قرآن أيضاً أنزل عليه: ﴿حملته وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾، كرَّمك عندما قال كما في النسائي يوم جاءه رجل يُسمّى جاهمة، فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك. فقال: (هل لك من أم ؟) قال: نعم. قال: (فالزمها، فإن الجنة عند رجليها) وفي رواية: (فإن الجنة تحت رجليها).

    أيتها الأم: حدثيني بربكِ عن عبارة تقديرٍ قيلت لك على مدار التاريخ أروعَ من هذه العبارة: (الزمها فإن الجنة عند رجليها)، لقد سعى أيتها الأم سيدي رسول الله المحتفل بمولده في هذه الأيام من أجل تكريمك، ومن أجل أن تكوني مُعتَنىً بها، وكلنا يذكر الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم، وهل سمعتِ توصية من أحد أقوى من هذه التوصية ؟ يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: (أمك) قال: ثم من ؟ قال: (أمك) قال: ثم من ؟ قال: (أمك)، قال: ثم من ؟ قال: (أبوك).

    أيتها الأم: الاحتفال بك احتفال برسول الله، لأنه أعطاكِ حقك في التكريم، في البر، في الإحسان، وما أظن أن مبدءاً أو أن أحداً أو أن مصلحاً أو أن عظيماً أو باحثاً قدم لك ما قدمه هذا النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    وأما الأمر المتعلق بعيسى عليه الصلاة والسلام: فيا سيدي يا رسول الله علمتنا أن عيسى نبيٌ رسولٌ من أولي العزم: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ فنحن فرحون بعيسى النبي الرسول، فرحون بعيسى الذي جاء من امرأة طاهرة بل طهور، نحن فرحون بعيسى عليه الصلاة والسلام، والذي أنبأنا عن عيسى هو أحمد عليه الصلاة والسلام، هو نبي التوبة، هو الحاشر، هو العاقب الذي لا نبي بعده، أوَقرأتم عما جاء عن عيسى في قرآنٍ أنزل على أحمد، اقرؤوا ما قاله عيسى لحظةَ الولادة عندما حملته أمه وأتت به قومها تحمله: ﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً. يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً. فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً. وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً. والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً. ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ علمتنا يا سيدي يا رسول الله أن نذكر الأنبياء كلهم بالتقدير والإعظام والثناء، فالصلاة والسلام عليهم جميعاً، وعليك أفضل الصلاة والسلام يا معلم الناس الخير، يا سيدي يا رسول الله، يا أيها العظيم في ذاتك وصفاتك.

    أرأيتم إلى هذا النبي الكريم كيف كَرَّم المعلم، وكيف كَرَّم الأم، وكيف أنبأنا عن عيسى عليه الصلاة والسلام، وكيف أن عيسى بشر بمحمد في كلام صريح صحيح: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾.

    صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.

    يا أبناء هذا البلد، يا أبناء هذه الدولة، يا أبناء العالم: والله ليس بمبالغة حينما أقول: صلوا على هذا النبي إن كنتم مسلمين، وإن لم تكونوا مسلمين فأعلنوا تلمذتكم لهذا النبي، كلنا في العالم كله يحتفل بالأم، وبالمعلم بشكل عام، وما قلته لا يعدو أن يكون شذرات، وإذا أردتم المزيد من حدب الخلق العظيم عن المعلم والأم وعيسى وموسى وإبراهيم و... فعودوا إلى المنهل العظيم، إلى القرآن الكريم الذي أنزل على الرجل العظيم، وعودوا إلى ما نقل من سنة وحديث عن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

    سيدي رسول الله وتبقى أنت على مرّ الزمان المعلم، والرسول النبي، والأم الرؤوم، ستبقى وتبقى على مرّ الزمان خاتم الأنبياء، وداعي الناس من أجل أن يلتقوا على أساسٍ من إيمان بالله وبكتبه ورسله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، نحن لا نفرق بين أحدٍ من رسله، إذا كان الآخرون يُفرِّقون بين أحد من رسله فإنا لا نفرق ونتنادى لوحدة لاجتماع، لأننا لا نفرق بين أحدٍ من رسله، ونقول: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.

    صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله صلاةً كاملة تامة، اللهم صلِّ وبارك وشرف وعظَّم هذا النبي، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آله وعلى أصحابه وعلى أزواجه وعلى ذريته وعلى أتباعه وعلى أحبابه وعلى كل الذين يسيرون على دربه ومنهاجه، نعم من يسأل ربنا، ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    ألقيت بتاريخ: 21/3/2008

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2017