آخر تحديث: الأحد 20 تشرين الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
العدل أساس الملك -2

العدل أساس الملك -2

تاريخ الإضافة: 2003/09/26 | عدد المشاهدات: 1988

أما بعد ، فيا أيها الإخوة المؤمنون :
لو قيل لي لخص مطالبك من الناس ومن نفسك بكلمة واحدة ، ولو قيل لكم لخصوا مطالبكم وما تريدون وما تبغون من الآخرين ، من المسلمين ومن غير المسلمين ، من القريب ومن البعيد ، من الحاكم ومن الأستاذ ، من التاجر ومن المثقف لخص كل الذي يجول في ذهنك ، وكل الذي يعتلج في صدرك مما تريد من هذا ومن نفسك أيضاً بكلمة .
سألت نفسي هذا السؤال وأنا أبحث عن كلمات نضعها أمام أعيننا في حياتنا ، نلملم أفكارنا حولها و نجمع جهدنا في فلكها ، ونَجِد ُّ من أجل أن تتحقق هذه المعاني التي جسّدتها تلك الكلمات أو تلك الكلمة .
أقول هذا لأنني أشعر بشيء من التبعثر وأشعر بشيء من التمزق أصاب أمتي ، أصاب أفكارها ، قسم أمتي ، قسم مثقفيها ، فهناك يمين وهناك يسار ، وهناك مسلم ملتزم وهناك مسلم عابر , و هناك علماني وهناك يساري ، وهنالك من ينتمي لجماعة ضمن دائرة الدين تخالف جماعة أخرى ضمن دائرة الدين نفسه ، لذلك قلت أليس ثمة كلمات أو معانٍ يمكن أن تلخص مطالبينا على اختلاف توجهاتنا ؟! أليس ثمة عبارة ، مصطلح يجمع غاياتنا يجمع أهدافنا ؟! فكرت في هذا الأمر ملياً - وثقوا بذلك - فكرت في ذلك ملياً وخلصت إلى ما سأقوله وأعود لأطرح السؤال لو قيل لي لقلت : أريد العدلَ ، العدل ، لأن العدل أساس الحياة ولأن العدل أساس الملك ولأن الحياة والإنسان بلا عدل حيوان قاسٍ شرس مفترس . العدل لذلك أتوجه إلى نفسي أولاً وأتوجه للآخر مَن كان حاكماً كان أو محكوماً ، مسلماً كان أو غير مسلم ، ينتمي لأي حزب ، ينتمي لأي جماعة ، ينتمي لأي فكرة ، أقول له العدلَ العدل ، الزم العدل ، تحقق بالعدل ، لأن العدل هو الذي يسوِّيك وهو الذي يجعل منك إنساناً مكرماً ، لأن العدل هو الذي يجعل منك إنساناً منسجماً مع الكون كله ، هذا الكون بكل بساطة قائم على العدل ، كل شيءٍ فيه بمقدار ، لا تجاوز كل شيء فيه على وضوح . العدلَ العدل ، ومن جملة العدلِ أن نأتي المسجد في الوقت المحدد ، من جملة العدل أن لا نتأخر في النوم ، من جملة العدل أن لا نتأخر في الاستيقاظ ، من جملة العدل أن يلقى الرجل منا أخاه أو الإنسان الآخر من غير أن يحاكمه على أساسٍ من معرفة سابقة ، وعليه أن يستخرج معرفته من رؤيته ، من تمحيصه ، من فحصه .
أعود إلى العدل ، إذا كان العدل هو الذي يلخِّص كل مطالبنا من الآخرين ومن أنفسنا فما تعريف العدل ؟ إذا قلت لك عرِّف العدل فما هو العدل ؟ العدل بعد تقصِّ التعاريف ، رأيته في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل : " أعطِ كلَّ ذي حق حقه " . العدل هو : أن تعطي كل ذي حق حقه بأمانة ، بدقة ، بمعرفة ، وهذه الكلمات الشرطية ليست من باب الترادف وإنما من باب التحديد ، أن تعطي كل ذي حق حقه من جمادٍ أو حيوانٍ أو إنسان هذا هو العدل ، أن تعطي كل ذي حق حقه بأمانة ، بدقة ، بمعرفة ، بأمانة ودقة ورحمة ومعرفة ، هذه الشروط هي التي تَحْكُم إعطاءك كل ذي حق حقه . إذا كان العدل كذلك فمن الذي يحدد حقك ؟ العدل حتى عند غير المسلمين يكاد يقترب تعريفه من هذا الذي ذكرت ، أن تعطي كل ذي حق حقه بأمانة ودقة ومعرفة ورحمة ، ولكن هذا التعريف يستتبع سؤالا من الذي يحدد حقك ؟ من الذي يحدد حق المنبر ؟ من الذي يحدد حق الثوب ؟ من الذي يحدد الحقوق ، من؟ نجيب نحن الذين أسلمنا لله بقوله تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )
الملك : 14 ونسائل مع الإجابة الآخرين من الذي يحدد لكم حقوق الأشياء وحقوق الإنسان وحقوق الآخَر وحقوق كل شيء ؟ من الذي يحدد ؟ نحن نطرح المحدِّد لنقول إنه الله . الله هو الذي يحدد ويرسم حقوق كل شيء ، هو الذي يحدد حقك من أجل أن أعطيك إياه ، وهو الذي يحد حقه جل وعلا ، وهو الذي يحدد حق أبيك وأمك وولدك وأستاذك وحاكمك ومحكومك والجَماد والحيوان . نحن نقول : إنه الخالق ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الملك : 14 بلى إنه يعلم . ونسائل من الذي يحدد لكم يا أيها اللا مسلمون ، يا أيها اللا مؤمنون من الذي يحدد لكم الحقوق ؟ والإنسان لا يستطيع أن يحدد حقوق الكون لأن الإنسان محدود ، ولا يستطيع المحدود تحديد حقوق المحدودين ، فالإنسان مع الإنسان متماثل ولا نأمن مجانبته لنفسه ومع نفسه وأن يكون أسير هوى نابع من نفسه ومن ذاته .
بكل بساطة نقول : العدل هو أن تعطي كل ذي حق حقه بأمانة ودقة ومعرفة ورحمة ، والمحدد للحقوق هو الله ، ومن هنا قال عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في صحيح ابن حبان : " إن الله سائل كل راع عما استرعاه - أي عن حقوق الآخرين عليه - إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع " هل حفظت حق الآخر عليك فأديته فكنت عادلاً ، أم ضيعته فكنت ظالماً ؟! روى أبو داوود والترمذي أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال : " القضاة ثلاثة - وكلنا قضاة بحسب مساحاتنا لأنك إن كنت أباً فأنت قاضٍ في أسرتك ، لأنك إن كنت مدرساً فأنت قاضٍ في مدرستك ، لأنك إن كنت طبيباً فأنت قاضٍ في عيادتك ، لأنك إن كنت تاجراً فأنت قاض في متجرك ، وهكذا دواليك ، ومن باب أولى إن كنت قاضياً في المحكمة فأنت قاضٍ في محكمتك ، وإن كنت رئيسا فأنت قاضٍ في شعبك ، وإن كنت عسكرياٍ فأنت قاضٍ في ثكنتك - والقضاة ثلاثة : واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به - ومعرفة الحق من الله - وقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم - عدل عن الحكم ، عدل عن إعطاء كل ذي حق حقه - ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل جَهِل الحق فلم يقضِ به فهو في النار " أيها الأخوة : القضاة ثلاثة ، وليسمع الجميع ، لأننا نروم العدل ، لأننا نريد العدل ، لأن العدل قيمة القيم ، لأن العدل أُسُّ الفضائل ، لأن العدل أساس الحياة ، لأن العدل أساس الملك لأن العدل مطلوب الإنسان والجماد والحيوان ، لأن العدل إن لم يكن فلا راحة للإنسانية ولا استقرار للإنسانية ، العدل في كل الميادين . روى مسلم في صحيحه أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال : " إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا " وفي رواية : " وما وُلُّوا " وليسمع الجميع ، ولأسمع أنا " إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا " وبعد ذلك نتحدث عن رحمة ممزوجة بإعطاء كل ذي حق حقه ، عليك أن تكون رحيماً ونخاطب الجميع أن تكون رفيقاً من رفقٍ من رحمة من أنس ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " اللهم - وليسمع المسؤولون - اللهم من ولي شيئا من أمر المسلمين فَشَقَّ عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي شيئا من أمر المسلمين فرفق بهم فارفق به " فارفق به يا رب ، أيضاً يقول عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في الحاكم : " من ولي شيئاً من أمر المسلمين فغشَّهم فهو في النار " والغش يكون بعدم إعطاء كل ذي حق حقه على ضوء من كتاب الله عز وجل ، على الجميع أن يسمع ، على المسؤول أن يسمع ، على الوزير أن يسمع ، على المدير أن يسمع ، على القاضي أن يسمع ، على كل واحد منا لأنني أكرر فأقول كل واحد منا في مساحته قاضٍٍ ووليٌّ ومسؤول في كل ساحة من ساحاته ، في كل مجال من مجالاته لا تستثني نفسك فأنت داخل في الخطاب وأنت معني بتوجه النبي عليه وآله الصلاة والسلام في مثل هذه الأحاديث أيها المسؤول - وكلكم مسؤولون على اختلاف في اتساع رقعة المسؤولية أو ضيقها - هنالك حديث أختم به خطبتي لأقول إيانا ، إيانا ، إيانا ونحن نسعى لإعطاء كل ذي حق حقه أن نكون محابين على حساب الموضوعية ، علينا أن نسعى للبحث عن الكفؤ في كل مجال نريد أن نضع فيه مسؤولاً . أيها الأب على سبيل المثال تريد أن تعطي لابنك مكانة ما فعليك أن تكون مدفوعاً بالموضوعية بالعدل ، أي بأن هذا الولد يستحق ذلك على ضوء كتاب الله لا لأنه ولدك ، لا لأنه من حزبك ، لا لأنه من جماعتك ، لا . ابحث عن الكفؤ الذي يستطيع أن يشغل المكان بأمانة ودقة ورحمة ومعرفة وعن صاحب هذا المكان فهو صاحب الحق فأعطه حقه ولا تحابي على أساس من حزبية أو قرابة أو معرفة شخصية ، إياك فالقضية خطرة ، وهاأنا أقول حديثاً عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام يقول كما جاء في الحاكم في إسناد صحيح : " من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم " أعط كل ذي حق حقه . هذا المكان يستحقه فلان لأنه الأكفأ فإياك أن تعطيه غيره محاباة لأنه من جماعتك ، لأنه قريبك ، لأنه ينتمي إلى من تنتمي إليه ، إياك فهذا يجعلك من الملعونين ولا يقبل الله منك صرفاً ولا عدلاً إلى يوم القيامة حتى يدخلك جهنم . العدلَ العدل مع الآخرين ، وصَدَقَ عبد الله بن رواحه يوم أرسله رسول الله من أجل أن يجبي الضريبة المفروضة على اليهود الذي يعيشون في كنف المسلمين ، أرسله رسول الله ليجبي الضريبة ، ليجبي الخراج المفروض على اليهود آنذاك على أراضيهم ، وخاف اليهود من أن يظلمهم عبد الله بن رواحه خاف اليهود فالتفت إليهم عبد الله وقال : و الله إنكم لأبغض خلق الله إلي و لكن هذا لا يحملني على ألا أعدل بينكم ( ولا يحرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى )
المائدة : 8 فما بالنا لا نعدل مع الذي لا ينتسب لنا ، لا يتمتع بما لا تتمتع به من انتماء من هنا أو من هناك ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا ) المائدة : 8 أيها العالمَ بأسره كن عادلاً وإلا فأنت عالمَ فاسد لا قيمة له حتى ولو بلغتَ في التقنيات ما بلغت لأن العدل هو الذي يجعل منك عالماً له اعتبار ، وإذا فقدت العدل فقدت الاعتبار . نحن نُقِرُّ ونعترف بأن أغلب العالم اليوم في أي بقعة وجد لا يعيش العدل ويظلم فهل من يقظة للعالم من أجل أن يعدل ومن أجل أن يجابه الظالمين بكل قوة ، بكل اندفاع ، بكل بسالة ! إنا لِساعة اليقظة لعدلٍ نعيشه ونجابه بعده الظالمين لمنتظرون . وأنتِ أيتها الشرذمة الباغية ، يا أيتها الصهيونية الآثمة إنك ورب الكعبة ظالمة مجرمة آثمة ، أخذتِ حق الآخرين ، ووقعت على حق الآخرين من دون عدل ، بل بظلمٍ ما بعده ظلم ، أيتها الصهيونية المجرمة أنت ظالمة ، أيتها الإدارة الأمريكية مع مَنْ تحالف معك أنت ظالمة لأنك لا تعطين كل ذي حق حقه ، وما وجدناك تقابلين الظالمين الصهاينة بقوة ، لأنك ظالمة ولأنك جانبتِ العدل فمهما ارتقيتِ في سُلَّم الصناعة فليس لك اعتبار ، إنما الاعتبار لمن يؤسس وجوده على عدل يستمد معرفته ومعرفة حقوقه من رب العدل ، من رب الكون ، من الله العليم الحكيم .
يا أمتي أخاطبك ثالثاً : أيتها الأمة ، يا حكام أمتنا ، يا شعب أمتنا : أرجو الله أن توَّفقوا جميعاً لعدل بينكم وبين أنفسكم ، ولعدل بينكم وبين الآخرين ، ولعدل بينكم وبين الله ، وإذا لم تعطوا حق الله عليكم فقد ارتكبتم الظلم لأن الله قال : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم )
لقمان : 13  لماذا كان الشرك ظلماً عظيماً لأن الإنسان لم يعطِ حق الله عليه . حق الله عليك أن توحده وأن تعترف به وأن تعبده ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) يا أيها الناس ولم يقل ربنا يا أيها المسلمون ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) البقرة : 21 لأن الناس جميعا مطالبون بالعدل ، وعبادة الله من جملة التحقق بالعدل اللهم إنا نسألك أن تحققنا بالعدل في كل مسيرتنا وفي كل أمورنا نسألك أن توفق جميعنا في هذا البلد ليكونوا في ساحة العدل ممتثلين أوامرك ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق