آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
معالم خريطة بيت المقدس: الهوية والفضل والموقف

معالم خريطة بيت المقدس: الهوية والفضل والموقف

تاريخ الإضافة: 2009/05/22 | عدد المشاهدات: 3162

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لعلنا حينما نسأل أطفالنا وأولادنا وتلاميذنا عن فلسطين، عن بيت المقدس، فإن الجواب منهم سيكون تلك قضيةٌ انتهت، احتُلَّت فلسطين، ونُكِبنا منذ أكثر من نصف قرن، منذ أكثر من ستين سنة، وذهبت فلسطين، والآن نريد أن نسلم على الأراضي الأخرى الباقية، ربما كان هذا هو الجواب، ولعل السبب في إنتاج أطفالنا مثل هذا الجواب هو أننا لم نحدثهم حديثاً صريحاً مختصراً  مركزاً عن بيت المقدس، حدثناهم عن الصهاينة كثيراً لكننا لم نحدثهم عن هذه البقعة الطاهرة من الأرض كثيراً، فانشغلوا بمواجهة الصهاينة لكنهم لم يعرفوا لماذا يواجهون هؤلاء الصهاينة، وبالتالي إن كنت لم تعرف لماذا تواجه عدوك فستخفُّ هذه المواجهة شئنا أم أبينا، أنت في حالة مقاتلة مع عدوك من أجل ماذا ؟ أنت لا تعرف الشيء الوافي عما تدافع عنه أمام هذا العدو، إذن علامَ المواجهة ؟ ولمَ المواجهة ؟ باختصارٍ شديد: قررت اليوم في ذكرى النكبة التي مرَّ عليها أكثر من ستين سنة أن أقول لإخواننا وأبنائنا وطلابنا، وأن أرسم أمامهم خريطةً ليست جغرافية، وإنما هي خريطة ذهنية معالمها: الهوية والفضل والموقف.

هوية بيت المقدس، وفضل بيت المقدس، والموقف الواجب اتخاذه حيال بيت المقدس من قبلنا، فاحفظوا أيها الشباب.

الهوية: بيت المقدس سكانه عرب، عربي من حيث السكان، عربي من حيث الجغرافية، بيت المقدس مسلم من حيث إن أهله دخلوا الإسلام طواعية، وأرادوا أن يكونوا مسلمين بملء قناعتهم، فبيت المقدس عربي من حيث السكان والأصل والجغرافية والعرق، ومسلم من حيث الانتماء، مسلم حتى ولو كان بعض سكانه غير مسلمين لكنهم مع المسلمين في أمة واحدة، ولذلك فهم مسلمون من حيث انتمائهم للحضارة الإسلامية وأريد أن يكون هذا مركوزاً في أذهاننا.

ثم إن بيت المقدس لا حق لليهود فيه على الإطلاق، لا نقول هذا إنكاراً ولا تعنتاً ولا ظلماً وحاشا لله، وإنما نقول هذا الكلام من باب التوصيف والإنصاف، لا حق لليهود في هذه البقعة من الأرض على الإطلاق حتى قامت مجموعة التنقيب التي كُلِّفت من قبل الأمم المتحدة عام 1999 وصدّرت في نهاية البحث كلاماً مفاده أنه لا هيكل لليهود في هذه البقعة، ومن بين الباحثين في مجموعة التنقيب يهود، لا هيكل لهؤلاء ولا أثر لهم في هذه البقعة، وهؤلاء معتدون من الطراز الأول ومن الطراز الأوحش.

بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه كان المعراج، وهو مركز الدولة العادلة المنشودة إنسانياً ولا أقول إسلامياً، لأنها المطلوبة على مستوى الإنسان في كل بقاع الأرض. هوية بيت المقدس هذه الملامح، فليعرفها شبابنا، وليكونوا متأكدين من ذلك.

وأما الفضل: اقرؤوا آيتين في كتاب الله عز وجل، أما الآية الأولى فالتي ترددونها باستمرار: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾آية تعرفونها جميعاً، ولا أريدكم أن تتجاوزوها من غير فهمٍ لأبعادها ودلالاتها وحروفها ومعانيها، والآية الثانية ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾، والأرض المقدسة هي بيت المقدس، وحينما توصف الأرض بالقداسة تعني أن هذه الأرض حيةٌ أبداً وأنها تبعث الحياة، فيمن يقطنها على أن يكون وفياً لها، إن قطنتها وأنت تحمل الوفاء لها فستبعث فيك الحياة، الحياة التي تعني الرفعة والتي تعني المجد والتي تعني العدل والتي تعني السمو والتي تعني الأخلاق والتي تعني الفضيلة والتي تعني السيادة، السيادة عن استحقاق وجدارة ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾.

وأما ما ورد في حقها من أحاديث فحسبنا أن نذكر حديثين، أما الأول الذي يرويه البخاري في صحيحه والذي تعرفونه جيداً: (لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، وأما الحديث الثاني فيرويه ابن الجوزي في فضائل القدس وثمة أحاديث أخرى كثيرة تتحدث عن فضل القدس، وقد ذكرت جلَّها في خطبٍ سابقة كثيرة، لكنني اليوم وباعتبار سعيي من أجل أن تكون خطبة اليوم خارطة ذهنية لبيت المقدس اخترت هذين الحديثين، واخترت الآيتين اللتين ذكرتهما، الحديث الذي ذكرته والحديث الآخر الذي رواه ابن الجوزي في فضائل القدس، وقد عزاه إلى رواية ابن مندة وأظن أن الحديث يرقى إلى مستوى مقبولٍ من حيث السند ومن حيث الصحة الحديث يقول: (إن الجنة لتحنُّ شوقاً إلى بيت المقدس، وبيت المقدس من جنة الفرودس) هكذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا هو الفضل بعد الهوية.

أما الموقف الواجب اتخاذه من قبلنا نحن إن كنا شعوباً أو حكاماً أو مسؤولين أو فلسطينيين أو غير فلسطينيين أو فصائل أو حماساً أو جهاداً أو جبهة أو فتحاً أو منظمة تحرير أو ما يمكن أن يكون في المستقبل وأرجو ألا ننتظر ستين سنة أخرى من أجل أن نتحدث عن الذكرى المئة والعشرين لنكبة فلسطين، لأنه ما كان أحدٌ يتصور أنه كان سيتحدث عن ذكرى ستين لنكبة فلسطين، فأرجو ألا نأمل ولا نتصور أن نبقى ستين سنة أخرى لنتحدث عن ذكرى مئة وعشرين لنكبة فلسطين.

الموقف الواجب اتخاذه هو ما يلي:

أولاً: لا اعتراف لليهود بشبر واحد من فلسطين وهذه استراتيجية ينبغي أن تكون ملء أسماعنا وأبصارنا.

ثانياً: لا تنازل البتة عن حق العودة، فحق العودة لا يُسَاوم عليه ولا يخضع لتنازل ولا يمكن أن يكون محل بيع أو شراء أو مهادنة فهذا خطٌ أحمر لا يمكن أن تقترب منه.

ثالثاً: طريقنا إلى التحرير أمور:

1- العلم، ومن غير علم لا يمكن أن نحرر فلسطين ولا يحرر بيت المقدس، العلم، وأمة بمستوى العلم الذي هي عليه ليست مرشحة من أجل أن تحرر فلسطين لأننا من حيث العلم لا نساوي الشيء الكثير ولا القليل.

2- سبيل التحرير العمل، لأننا نريد أن نحول كل هذا الكلام الذي نقوله في مساجدنا وفي مراكزنا الثقافية وفي منتدياتنا وفي أماكن حكمنا وفي اجتماعاتنا الرسمية وغير الرسمية وفي مؤتمراتنا نريد أن نحول كل هذا الكلام إلى واقع وإلى فعلٍ على الأرض، أين ما فعلتموه أنتم باتجاه تحرير فلسطين ؟ أين هذا الذي قلتموه من الواقع الذي تعيشونه ؟ أين هذه الخطب التي ذكرها وقالها وخطبها القادة والساسة والمتحدثون والمتكلمون والشيوخ ؟ أين هذا على الأرض ؟ العلم والعمل سبيلان للتحرير.

3- الوحدة، والوحدة حتى لا تكون كلمة ضبابية وأريد أن أقول لكم إن الوحدة التي أعنيها تقوم على ثلاثة أركان:

الركن الأول: الصدق في اللقاء، هل أنتِ صادقة يا أيتها البلدة الفلانية في الوحدة مع الدولة الأخرى، أم أن الأمر يأتي منكِ ادِّعاءً ويأتي منك على أن تكوني أنتِ الحاكمة المطلقة للدولة الأخرى ؟ بالأمس احتفل في اليمن باتحاد اليمنيين لكن اليمن الجنوبي لم يكن راضياً عن هذه الوحدة لأن الوحدة في رأيه تمت على حساب شخصيته ومنافعه، انكسرت شخصيته هكذا يقول، أنا لست مع هذا أو مع هذا لكنني أنقل كلام هؤلاء. الوحدة لا تكون بهذه الصورة، الوحدة تقوم على صدقٍ في اللقاء على أن يصدق الأطراف بأنهم يريدون أن يتلاقوا.

الركن الثاني: الرحمة في التعامل فيما بين الدولتين فيما بين الشعبين والرحمة: عطاءٌ نافع برفق.

والركن الثالث: التضحية والفداء، التضحية والفداء على مستوى الصدق، اتبعتك يا رسول الله من أجل أن أقاتل فأُقتَل، فيدخل السهم من ههنا ويخرج من ههنا، التضحية والفداء، حتى على مستوى الصداقة بين شخصين. هب أن لك صديقاً إلا أنه وضع في ذهنه ألا تضحية ولا فداء فقل لي بربك هل يسمى هذا الذي يدَّعي صداقتك صديقاً ؟ إن حذف من ذهنه ومن فكره ومن قلبه ومن لوحة تفكيره إن حذف التضحية والفداء فهل يبقى الصديق هذا صديقاً ؟ لا يمكن أن يكون هذا الصديق صديقاً.

سبيل التحرير علمٌ وعملٌ ووحدة تقوم على صدق اللقاء والرحمة في التعامل والتضحية والفداء.

4- من سبل التحرير: الاعتماد على الله والعبودية لله الصادقة، أيها الحكام وأيتها الشعوب إن لم تعتمدوا على الله حق الاعتماد حق الاتكال فالعمل كله هدر لأنكم تقولون ظاهراً، ومن أفواهكم ندينكم، أنتم تقولون بأنكم مسلمون ومؤمنون، إما أن تقولوا بأنكم مسلمون بالتالي سندينكم من أفواهكم وإما أن تقولوا بأنكم غير مسلمين عند ذلك سيكون التعامل معكم وفق أسس أخرى، الاعتماد على الله، نريد أن نسمع كلمة العبودية لله في محافلنا ومجالسنا ومدارسنا ومؤسساتنا ووزاراتنا وكل الأمكنة التي نكون فيها، الاعتماد على الله، يا الله نعتمد عليك إذ لا ناصر إلا أنت، من الناصر إلا الله ؟ ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ اعتمدوا على الله، سبيل التحرير علم وعمل ووحدة واعتماد على الله عز وجل.

أقول هذا بإجمال حتى يكون الأمر في ذهنكم واضحاً ومركوزاً وحتى تكون هذه القضايا التي نتحدث عنها مُستجمعة في ذهنكم وإن لم تحدد فلا يمكن أن تطبّق وإن لم تبنّد فلا يمكن أن تحقق على الأرض، هذه هي اللوحة بمعالمها البسيطة من حيث الكم هي التي نريد أن تكون في أذهاننا دائماً.

الهوية والفضل والموقف، على ضوء هذا يمكننا أن نتعامل مع أبنائنا ونحن نحدثهم عن فلسطين، وأنا لا أريد منك أيها المدرس أن تكثر من الحديث لكنني أريد منك أن تقلل من الكلام شريطة أن يكون الكلام واضحاً ومبيناً ومحدداً، كلّم طلابك وضع أمامهم هذه الكلمات، كلم أبناءك وضع أمامهم هذه الكلمات، ثم بعد ذلك فلنفرق الجهود للعمل للتطبيق وإلا إن بقينا في ساحة الكلام والثرثرة فلا سبيل لنا إلى أن نتحدث عن زوال النكبة بل سنتحدث عن دوام النكبة ولئن تحدثنا اليوم عن الذكرى الحادية والستين للنكبة فسنبقى نتحدث عن الذكرى المئة والمئتين وهذا ما لا أرجوه وما لا أطلبه.

فاللهم إني أسألك بحق بيت المقدس أن توفقنا وأن تردنا إلى أن نعرف واجباتنا نحو بيت المقدس ونحو الكعبة المشرفة ونحو الأماكن المقدسة والأماكن غير المقدسة نحو الأرض كلها نحو الإنسان نحوك أنت يا الله نحو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو كل شيء هنالك واجب علينا نحوه، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 22/5/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق