آخر تحديث: الجمعة 19 إبريل 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
القناعة في الاستهلاك

القناعة في الاستهلاك

تاريخ الإضافة: 2010/05/14 | عدد المشاهدات: 2232

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

سألني أحد الشباب قائلاً: ما المقصود بالقناعة التي تتحدثون عنها وتطالبوننا بها، فهل القناعة تعني أن أعمل بحيث أُحصّل القدر الذي يكفيني، وبعد ذلك أتفرغ للعبادة الصِّرفة، أم أن القناعة تعني شيئاً آخر، فلقد سألت أكثر من شخص مختص بالمجالات الدينية فأعطاني معنى القناعة وفق هذا الذي قلت لك ؟ هكذا يقول السائل.

أجبت هذا السائل قائلاً: إذا أردتَ كلاماً مختصراً في هذه القضية فاعلم أن القناعة المحمودة التي أفهمها هي القناعة في الاستهلاك، وأما العمل فينبغي أن تكون طامحاً فيه، وأما الإنتاج فينبغي أن تكون عاملاً من أجله كل وقتك.  القناعة يا أخي السائل في الاستهلاك، وإن الأمة التي تطمح وتطمع إلى الاستهلاك، هي الأمة المتخلفة، ولذلك لما حُذّرنا من فتنة المال حُذِّرنا من فتنة الاستهلاك، لأن بإمكانك أن تستخدم المال وسيلةً لبناء حضارة ولبناء أمة. مَنْ الذي قال عن المال عندما يكون وسيلة بناء بأنه أمرٌ يجعل الإنسان متخلفاً: (لا حسد إلا في اثنتين) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله علماً فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار) والإنفاق يعني الإنفاق الخيري والعملي والبنائي، والإنفاق الذي يجعل المجتمع نشيطاً، ولا يقتصر الإنفاق على الإنفاق الخيري وعلى الصدقات والزكوات، وإنما هو يشمل أيضاً الإنفاق على العمل والإنتاج.

أعود فأقول: نحن أمة نحتاج إلى قناعة في الاستهلاك، لأننا فيما يخص الاستهلاك غير قانعين، وانظر نفسك كم تستهلك من الطعام ؟ وكم تستهلك من اللباس، وكم تستهلك من الشراب، وكم تستهلك من اللهو فيما لا طائل تحته، إن لم يكن تحته ما يضرك ولا ينفعك، انظر نفسك كم تستهلك من الأمور التي لا تحتاج إليها، هذه الأجهزة التي تستخدمها، أجهزة الهاتف، هذه الأجهزة التي تزرعها في بيتك ولا فائدة منها سوى أنها تضللك، وإن لم تضللك فإنها ستكون أداة مُلهية عن شؤونك، انظر أيضاً هذا الذي تضعه في بيتك من زينة وأنت لا تحتاج إليه لأن بيتك لا يراه أحد إلا القليل، فإنك تصرف عليه ما لا يحتاج إليه هذا البيت، ولو أننا نظرنا استهلاكنا اليوم فيما يخص الطعام والشراب واللباس والزينة والبيت والمزرعة والسيارة والهاتف والتلفاز والمذياع والسجاد والأثاث والمفروشات... لفاق استهلاكنا استهلاك دولةٍ غربية راقية تنتج أضعافَ أضعاف ما يمكن أن ننتجه نحن بعد خمسين سنة.

القناعة في الاستهلاك فإذا ما كنت قانعاً في الاستهلاك فعند ذلك تكون قد خطوتَ الخطوة الأولى على طريق ما يمكن أن يُسمَّى بالحضارة والرقي والمجد والعزة والكرامة، لأن الأمة التي تستهلك ما لا تنتج، وتستهلك ما يُصدّر إليها هي أمة متخلفة شئنا أم أبينا، أنت تستهلك ما لا تصنع، وتستهلك ما لا تزرع، وتستهلك ما لا تنتج، وتمعن في الاستهلاك، ولقد افتتحت شهية الاستهلاك عندك، ومن هنا قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي: (لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) ليس من حيث جمعه، ولكن من حيث صرفه واستهلاكه، وإذا ما استهلكتَ الاستهلاك الفاحش فعند ذلك ستبحث عن جمعٍ للمال من مصدر حرام، ومن مصدر حلال، ومن مصدر مشبوه، ولن تهتمَّ لطبيعة المصدر ولا لشرعيته. فلنخفف من استهلاكنا، وليجرّب كل واحد منا، وليخفف من استهلاكه شيئاً بسيطاً يوماً بعد يوم، فستلحظ الفرق بين ما أنت عليه الآن وبين ما ستكون عليه بعد أيام أو بعد أشهر إذا ما راقبت استهلاكك وإذا ما راقبت ربك في استهلاكك.

قرأ سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن ابن ماجه قول الله عز وجل: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب﴾ ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم عن رب العزة جلت قدرته، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غِنىً، وأسدُّ فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك). تفرغ لعبادتي أي تفرغ للعمل والإنتاج، تفرغ من أجل أن تقدّم لبلدك ولوطنك ولأمتك وللمجتمع الإنساني، للمجتمع الذي تعيش فيه، هذه العبادة المقصودة والتي أراد الله أن نتفرغ لها: (ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك) بالإنتاج بالعمل: (وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك) إذا لم تشتغل للمجتمع، للإنتاج، للرقي، للتطور في المجتمع، لرفعه وجعله مجتمعاً متقدماً فستبقى مستهلكاً فقيراً، لأن المستهلك وإن استهلك أشياء كبيرة فإنه فقير، إذا كنت عبدَ الاستهلاك فأنت فقير، وإذا كنت سيد الإنتاج فأنت سيد المجتمع، وأنت الأنموذج الذي يُنظَر إليه من قبل كل الناس، والآن وبكل بساطة ووضوح هل ينظر إلينا المجتمع الغربي على أننا المجتمع الراقي من حيث الإنتاج ومن حيث العطاء ومن حيث التقديم لكل المعطيات الخيّرة المفيدة النافعة، أم يُنظر إلينا على أننا تحويشة مستهلكة لا تعرف في حياتها إلا الطعام والشراب واللباس واللهو ؟ فإذا ما اشتغل الواحد منا سُويعَةً من زمن مَلَّ واحتاج إلى راحةٍ تطول ساعات، تشتغل سويعة ثم تطلب راحة تطول ساعات، تشتغل يوماً إن اشتغلت ثم بعد ذلك تطلب راحة، وفي هذه الراحة تستهلك، تشتري وتأكل وتشرب وتلبس وتركب السيارة وتقوم بتشغيل الهاتف والتلفاز وكل الوسائل، اشتغلتَ نصف ساعة، اشتغلت يوماً، أتريد أن تستهلك ما يستهلكه من اشتغل سنوات ؟ نعم، هكذا نعيش، نشتغل ساعة ونستهلك ونرتاح بعدها كمن اشتغل سنوات. انظروا المجتمعات الغربية، نحن عالة على المجتمعات الغربية وهم ينظرون إلينا نظرة رأفة ورحمة، صدقوني أن الواحد منا لم يعد إلا أداةً استهلاكية تضرُّ ولا تنفع، تؤذي ولا تحصِّل ولا تفيد، يقول سيدي رسول الله، وعلينا أن نفهم هذه الأحاديث في النقطة التي ذكرتها، يقول صلى الله عليه وسلم كما يروي ابن ماجه في سننه أيضاً: (من كانت الدنيا همه) أي الاستهلاك، ونحن همّنا الاستهلاك، وانظروا الزوجَ والزوجة والولد والأب والأم، كلٌ يخاطب الكل، ما الذي سنأكل اليوم، وما الذي سنلبس غداً، وفي رمضان شهر الحرية ما الذي يجب أن نخبئه من طعام وشراب لرمضان، ما الذي يجب أن نشتريه من لباس للعيد، ما الذي يجب أن نبنيه من بيت لولدنا الذي لم يرَ النور بعد، نريد أن نستهلك قبل أوان الاستهلاك، ونريد أن نبحث عن مستهلكاتنا وما نأكل ونشرب قبل أن نحتاج، نشبع اليوم وتسأل عن طعام الغد، تشرب اليوم وتسأل عن شراب الغد، وهكذا دواليك... تعيش حالةً هاجسية قاتلة وسواسية في الاستهلاك: (من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره) وهكذا نعيش فأنت مُفرّق عليك أمرك، لأنك تفكر في الغداء وأنت على الفطور، وتفكر في العشاء وأنت على الغداء، تفكر في البيت الثاني وأنت لم تسكن البيت الأول بعد: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينه) كلنا يخاف الفقر، وكلنا يعيش تحت وهم الفقر، لأننا مستهلكون، ولو أننا أنتجنا لكان الفقر بعيداً عنا، ولكان الفقر لا يستطيع أن يقترب من ساحاتنا: (من كانت الدنيا همّه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له منها، ومن كانت الآخرة نيته - والآخرة هنا  تعني أن تنتج لتنفع، الآخرة الطيبة للمنتج لمن ينفع بلده لمن ينفع الناس لمن يقدم الخير للبشرية جمعاء - جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) الدنيا أتت الغرب اليوم وهي راغمة، أما نحن فإن الفقر بين أعيننا، وإن أمرنا مفرق علينا، ويكاد الواحد منا يموت من جوعٍ منتظرٍ موهومٍ، ويكاد الواحد منا يُصعَق من استهلاكٍ قادم لا يملك ثمنه، وهو الآن في غاية الشبع والكفاية لحاجاته المادية، لكنه دائماً يتعامل مع الاستهلاك الفاحش والذي يزداد يوماً بعد يوم ولقد قلت: إن الواحد منا يشتغل ويعمل ويجمع ليضع هذا الذي جمعه في النهاية في تزيين بيتٍ لا يحتاج إلى زينة، وإن هذه الزينة التي يريد تغييرها في بيته يعيش عليها الغربي خمسين سنة، لكنك أنت وقد أصبحت أسير الاستهلاك الفاحش وعبدَ الثوب والخميصة وعبد الدابّة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الزوجة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) أما وأنك أصبحت أسيراً لهذا الاستهلاك الفاحش فإنك أصبحت مريضاً، وقد تجلّى هذا المرض في أنك تصرف ما تصرف على زينة لا فائدة منها ولا طائل تحتها، أما لو أردت أن تصرف نصف الذي صرفت على مريض في مجتمعك، أو على مريض قريب قد تصل قرابته إلى حد الأخوة أو البنوة لغصصتَ، ولا يمكنك أن تقوم بصرفِ نصف هذا الذي صرفته على ما لا طائل تحته، أما لو أنك دُعيت إلى صرف نصف ذلك على جارٍ يحتاج في جسمه أو في نفسه أو في طعامه أو في شرابه، أو على تقديم خدمة لشارع في الوطن لأبيتَ ذلك ولامتنعت عن ذلك. أتدري لماذا ؟ لأنك غدوت أسير استهلاكٍ فاحش أذلَّك وجعلك عبد رغبات بسيطة حقيرة، فأنت لست عبداً لأشياء كبيرة، ولكنك غدوة عبداً لأشياء حقيرة، ولرغباتٍ بسيطة وحقيرة جداً، مَن يأتي إلى صلاة الجمعة يفكر في الغداء، من يأتي إلى صلاة العيد يفكر في الطعام الذي سيتناوله بعد الصلاة، من يصلي صلاة المغرب في رمضان يفكر في الفطور وفي الطعام، وبعد ذلك نقول للأمم الأخرى: نحن أمة العلو والسّمو والمجد والرفعة والعدالة والقيم والأخلاق والعطاء والتعاون والتضامن...، هذه ادّعاءات نقولها وما أظن أن بعض بعضها يمكن أن يكون حقيقياً.

أتريدون أن تعرفوا علامة حب الله لكم ؟ إذا رأيت نفسك محمياً من الاستهلاك فأنت محبوب لله، ولقد جاء في الحديث الذي يرويه الترمذي أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا - أي من الاستهلاك - كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء) أي كما يحمي أحدكم المريض إذا كان يؤذيه الماء.

الذي لا يستهلك في عرفنا هو الفقير، لكن الفقير هو الذي لا يستهلك فعلاً، وهو الفقير المحمود، ليس الفقير الذي لا يُنتج، إنما الفقير المحمود هو الذي ينتج لكنه لا يستهلك، ويضع نتائج إنتاجه في منافع الناس، وفيما يعود على البلد بالخير، وفيما يعود على الإنسانية بالخير، وفيما يعود على المجتمع بالخير، يبحث عن جمعيةٍ ترعى الأيتام فيضع فيها ماله، يبحث عن جمعية ترعى الشوارع، ترعى الأطفال، ترعى البناء، ترعى الحجر، ترعى الشجر، ترعى الحيوان فيضع فيها ماله، يبحث عن بناء معملٍ يفيد الناس، ويستقطب الأيدي العاملة العاطلة، يبحث عن بناء مستشفى، يبحث عن بناء مصنع، يبحث عن بناء ما ينفع الأمة في حياتها وفي معيشتها وفي هذا الذي وُجد من أجله.

فيا إخوتي: الفقير المحمود هو الذي ينتج ويعمل لكنه لا يستهلك، وتحسبه فقيراً في عرفك، وهو فقير محمود عند الله، ولذلك قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء مسند الإمام أحمد: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعمئة عام) هؤلاء الذين ينتجون، ولكنهم لا يستخدمون المال الذي يجمعونه في استهلاكٍ فاحش يعود على أشخاصهم فقط، وإنما يستخدمون هذا الذي ينتجونه في منفعة الناس وفي منفعة البلد و الأمة و المرافق العامة. مرافقنا سيئة، وقلنا هذا منذ أكثر من عشرين سنة، نحن في بيوتاتنا ملوك، ولكننا في مرافقنا متأخرون إلى درجة لا تقبل التصنيف.

أخيراً: لا يسعني إلا أن أقول وصيةً قالها سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسبما جاء في سنن ابن ماجه عندما جاءه رجل فقال يا رسول الله دلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) ازهد أي في الاستهلاك، وإذا ما كنت مستهلكاً فاحشاً متفحشاً فلن تزهد فيما في أيدي الناس، وإنما ستبقى تتطلع إليهم حاسداً إياهم تارة، وحاقداً عليهم تارة. فيا هؤلاء لا تجعلوا هذا الذي ينظر إليكم حاقداً ولا حاسداً، وليدعو بعضنا بعضاً إلى أن نقلل من هذا الاستهلاك الذي أصبحنا أساراه، ولنسعَ دائماً من أجل أن نستخدم أموالنا في منفعة مجتمعنا، وفي منفعة كلنا، فيما يعود على مجتمعنا بالرقي والتقدم. أنتم اليوم تتحدثون أن الواحد منا يبحث عن مستشفى فلا يجد في هذه المدينة مستشفى يليق في أن يطلق عليه مستشفى فعلاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، يبحث عن مكانٍ لرعاية الأيتام فلا يجد إلا داراً واحدة أنشئت منذ أكثر من خمسين سنة، لكننا إن بحثنا عن أمكنة تبيع الطعام والشراب واللباس والحذاء وكل ما يضرنا في استهلاكنا وجدتَ المشاريع الكثيرة، المشروع تلوَ المشروع، ووجدتَ الناس مقبلين عليها إقبال الناس يوم الحساب على حسابهم، هذا يريد أن يشتري، وذاك يريد أن يتفرَّج، وثالث يريد أن يسأل، ورابع يريد أن يتخذ من هذه الزيارة مادة كلامية يكلم بها أهله وأصدقاءه الذين لم يُسعفهم الوقت ولا المال من أجل هذه الزيارة... لبئس ما نحن فيه عندما نكون مستهلكين متفحشين وفاحشين: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).

أدعوكم إلى ان تمحِّصوا حالكم، أدعوكم إلى وقفة نقدية ذاتية مع أنفسكم من أجل أن نكون إلى حدٍ ما منضبطين بالحد الأدنى بالقيم التي نتحدث عنها على أنها قيمنا ولكنها في الحقيقة ليست قيمنا لأننا لا نتحلى بها.

اللهم إني أسألك أن تردنا يا رب العالمين إلى ديننا وقيمنا وأخلاقنا وشهامتنا وأصالة عروبتنا رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 14/5/2010

التعليقات

أمين محمد

تاريخ :2011/08/03

بارك الله فيكم ونفع بكم وبعلمكم

شاركنا بتعليق