آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


بحوث و مقولات

   
الإسلام وتنظيم الأسرة

الإسلام وتنظيم الأسرة

تاريخ الإضافة: 1970/01/01 | عدد المشاهدات: 7622

تنظيم الأسرة مسؤولية إنسانية من أجل وجود نوعي متميز
قادر على التحقق بالغاية الأسمى والوصول إلى الهدف الأرقى
دنيا وأخرى

الحمد لله رب العالمين خالقهم ومدبرهم ، والصلاة والسلام على رسوله داعيهم ومحررهم ، ورضي الله عمن ساروا وفق سنن التدبير ، وسلكوا بعبوديتهم للخالق طريق التحرير ، فكانوا منتظمين في ذواتهم ، منظمين لعلائقهم وتصرفاتهم ، وبعد :
1- مقدمة :
فالتنظيم يعني جعل الأمر منظماً ، أي مقعداً وفق أسس . وكلمة تنظيم الأسرة يراد بها في الغالب: ما يتعلق بالذرية قِلة أو كثرة . ولم يظهر هذا المصطلح إلا منذ فترة قريبة ، ولو عدنا إلى ما قبل لوجدنا مصطلحات أخرى ، بعضها ما يزال مستعملاً، مثل : تحديد النسل ، منع الحمل ، منع النسل . لكن مصطلحنا هذا : تنظيم الأسرة " لقي قبولاً أكثر من سواه .

2- بيان قبل المعالجة :
إن موضوع الحديث عن الذرية كثرة أو قلة ، قد اكتسب على مرّ الزمان رواسب اعتقادية مختلفة ، ربطها الناس بالدين وعقيدة القضاء والقدر ، وعلينا ألا نهمل هذه الرواسب عند المعالجة.
وإذا كان العرف قد قيد هذا المصطلح بالذرية وما يتعلق بها فقط ، فيجب أن نصحح هذا العرف ، ونعيد لهذا المفهوم دلالته الواسعة العميقة ، التي تلفتنا إلى واجبات اجتماعية بناءة من جهة ، وتفيدنا في معالجة تضخم السكان من جهة أخرى ، لأن كلمة " تنظيم " واسعة الدلالة ، وهي مرغوبة في كل شئ ، والكون ذاته قائم على هذا ، قال الله تعالى : ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) القمر / 49 .
وأما كلمة " الأسرة " فعريضة عميقة ، بسلامتها يَسلم المجتمع ، وهي تضم في الغالب : زوجاً ، زوجة ، وأولاداً وأقارب ، وهؤلاء بمجموعهم يشكلون مجتمعاً صغيراً يعني النواة لمجتمع كبير .
وحين نضيف كلمة " تنظيم " إلى كلمة " أسرة " فإننا نفهم من الكلمتين معاً :
كل أمر يعمل على تهيئة الظروف السوية لأسرة ناجحة سعيدة في الدنيا ، وفالحة في الآخرة . ويظهر ذلك في عدة مجالات :
أ- تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالذرية ، قلة أو كثرة .
ب- تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالتمهيد لبنائها تمهيداً سليماً .
ت- تنظيم الأسرة اقتصادياً .
ث- تنظيم الأسرة في تحديد العلاقات بين أفرادها .
ج- تنظيم الأسرة علمياً وثقافياً واجتماعياً .
وإن الحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم الأسرة ينهض على الاستنباط والاجتهاد ، إذ لم تكن مشكلة تضخم السكان في لائحة قضايا صدر الإسلام وعهد التشريع . والاجتهاد - هنا - ينبغي أن يكون مبنياً على جلب المصلحة ودرء المفسدة ، دون الخروج على أصول الشريعة ، بناء على القواعد المقررة شرعاً من أن : " الضرر يُزال " ، " ولا ضرر ولا ضرار " ، " والمشقة تجلب التيسير " ، وأنه " حيثما كانت مصلحة فثم شرع الله" . قال تعالى ( ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ) المائدة / 6.
كما إن الملاحَظ في الشريعة الغراء أن الأمر الذي يتغير بتغير الظروف والأحوال ، لا تنص فيه على وضع موحد ونص قاطع ، بل تكله إلى اجتهاد البُصرَاء ، في ضوء قول الله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) النساء / 83 .

3- احترازات :
- ربما يكون التنظيم تقليلاً للذرية في بعض الأزمنة ، كما قد يكون تكثيراً لها وإطلاقاً لمسيرتها في أزمنة أخرى ، فلا شك في أن كثرة النسل أو قِلَّته ، ليست وضعاً ثابتاً جامداً ، بل يتبدل حسب الظروف والأوضاع ، ويتغير تبعاً للأحوال . ومن هنا نقول : إن تنظيم الأسرة أمر نسبي ، لا يمكن أن يخضع لقانون ثابت موحد ،ولذلك يرتبط الموضوع ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة ، التي عدها الفقهاء مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي .
- نلاحظ نزعة الإسراف عند بعض الناس حين يدعون إلى تنظيم الأسرة ، فنراهم يطالبون لفرض الإجهاض والتعقيم ،وعلى الطرف المقابل نجد إسرافاً آخر بعدم بحث هذا الموضوع أو الدخول فيه ،وعَدِّه كفراً بالله وبعقيدة القضاء والقدر ، ومنافياً للتوكل على الله ، " وكلا طرفي قصد الأمور ذميم " ، وكلا نوعي الإسراف خطأ ، والصواب بين الإفراط والتفريط ، فالقرآن الكريم يقول : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) البقرة /143 . ويقول : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً ) الإسراء / 29 .
- علينا أن نُسلِّم بأن الدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج ، أو محاربة الذرية بحد ذاتها .
- وعلينا التسليم أيضاً بأن حب الذرية أمر فطري ، لن تقهره عقبات مصطنعة موضوعة في طريقه ، فوجود الذرية بين البشر أمر لا بد منه ، لكن القرآن الكريم يوجهنا إلى أن الذرية ينبغي لها أن تكون طيبة صالحة نافعة منتفعة . فهذا زكريا عليه السلام تتقدم به السن ، وامرأته عاقر ، فيدعو الله أن يمن عليه بذرية صالحة طيبة : ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) آل عمران / 38 . وهؤلاء هم عباد الرحمن وهم يدعون ربهم : (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ) الفرقان / 74 وقرة الأعين معناها هدوؤها واطمئنانها ، وهو كناية عن سرورها وسعادتها ، وإنما تكون الذرية سبباً للسعادة والمسرة إذا كانت سليمة قوية سعيدة نافعة .
- هناك مفهوم خاطئ رسبَ في أذهان الكثيرين واعتقدوا به ، وهو ظنهم أن كثرة الذرية وحدها علامة على الرضى الإلهي والخير والبركة . وليس على ذلك دليل عقلي أو نقلي ، لأن الكثرة العددية تقع للصالحين والطالحين ، وللمؤمنين والكافرين ن بل إن المؤمنين قلة بالنسبة إلى الكافرين . ولو تتبعنا مادة " الكثرة " ومادة " القِلة " في القرآن الكريم لوجدناه لا يمدح الكثرة لمجرد أنها كثرة ، ولا يذم القلة لمجرد أنها قلة ، بل على العكس يندد بالكثرة الطالحة وينوّه بالقلة الصالحة ، فيقول : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) البقرة / 279 . ويقول : ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ) المائدة / 100. ونرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يندد بالكثرة الضعيفة : " يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم حينئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت " أخرجه أبو داود .
- إذا كان الزواج هو مفتاح الذرية ، فإن الإسلام يشترط في الزواج أن يكون الرجل أهلاً له ، قادراً على تبعاته وإلا فقد طالبه الإسلام بالانتظار حتى يتوفر له المال والاقتدار . يقول الله تعالى : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله ) النور / 33 . وعبارة شيخ المفسرين " ابن جرير الطبري " هي بنصها : " ويقول تعالى ذكره : وليتسعفف الذين لا يجدون ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش ، حتى يغنيهم الله من سعة فضله ، ويوسع عليهم من رزقه " . وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد معنى الآية الكريمة فيقول : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة - أي القدرة على الزواج وتبعاته - فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء " أي علاج ووقاية ، أخرجه مسلم . ويقول عمر رضي الله عنه : " لا يمنع من الزواج إلا عجز أو فجور " .
وقد يمكننا أن نتساءل : ألا نستطيع أن نقيس هنا فنقول : إذا كان قد حَسُن شرعاً التوجيه إلى ترك الزواج حتى تتحقق القدرة على تبعاته فلِمَ لا يحسن التوجيه في أمر الذرية ، قلة أو كثرة حتى تكون في نطاق القدرة والقوة .

4- تعريف :
بعد هذا نعود للحديث عن تنظيم الأسرة ، فنعرفه بما يلي :
" إنه إيجاد فترات متباعدة بين مرات الحمل ، بطريقة مشروعة غير ضارة ، لداع يدعو إلى ذلك "
والحديث عن هذا الموضوع قديم غير حديث ، عرفه صدر الإسلام بصورة العزل ، وتحدث عنه طائفة من الفقهاء كالغزالي وابن القيم . وقد ذكروا طائفة من الأسباب التي تدفع الناس لممارسة هذا الموضوع ، ومنها :
1- أن يكون هناك مرض من الأمراض المعدية ، عند الزوجين أو أحدهما .
2- أن يكون عند المرأة مع ضعفها استعداد قوي ظاهر للحمل ، عقب انتهائها من آثار حملها السابق .
3- الخوف على صحة الزوجة وسلامتها بسبب الحمل المتتابع .
4- الضعف الاقتصادي عند الزوج .
والإمام الغزالي يعبر عن هذا السبب في الإحياء بقوله : " الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد ، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ، ودخول مداخل السوء ، وهذا أيضاً غير منهي عنه ، فإن قلة الحرج معينة على الدين " . كذلك تكلم عن طريقة منع الحمل المعروفة في وقتهم وهي العزل ، والعزل هو : " منع التقاء المادة التناسلية من الزوج ، بالمادة التناسلية من زوجته ، بأن يقذفها خارج الرحم " .
فالمقصود الأساسي من هذا العزل هو البعد عن التلقيح ، وقد قرر الفقهاء بأن إفساد المادة التناسلية قبل التلقيح لا يكون اعتداء على جنين بحال من الأحوال .

5- الأحاديث المبينة لحكم جواز العزل وإباحته :
وقد وردت أحاديث وأخبار صريحة بأن العزل كان موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه جائز ، منها ما يلي :
1- في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ينزل " ، أي : ولو كان هذا حراماً لنزلت في القرآن آية تحرمه ، فلما لم يحدث دل على جوازه .
2- وجاء في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا يُعزل عن الحرة إلا بإذنها " ، وهذا معناه أن العزل عن الزوجة الحرة جائز إذا وافقت عليه .
3- روي عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنه جلس إلى عمر رضي الله عنه جماعة من الصحابة، فيهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وتذاكروا موضوع العزل، فقال عنه الإمام علي كرم الله وجهه : " لا بأس به " ، فقال له رجل : " إنهم يزعمون أنها المؤودة الصغرى ؟ " فرد عليه الإمام علي قائلاً: " لا تكون موؤدة حتى تمر على التارات السبع : تكون سلالة من طين ، ثم تكون نطفة ، ثم تكون علقة ، ثم تكون مضغة ، ثم تكون عظاماً ، ثم تكون لحماً ، ثم تكون خلقاً آخر " . وسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال للإمام : " صدقت ، أطال الله بقاءك " .
4- وفي الحديث الذي أخرجه مسلم أن جابر بن عبد الله روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن عزله عن جارية لا يريد لها أن تحمل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " اعزل عنها إن شئت ، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها " .
5- ويروي الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينهنا ، ولو كان شيئاً يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن " .

6- أقوال الفقهاء في الموضوع :
1- ذكر الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار : " أنه لا خلاف بين العلماء في جواز العزل بشرط أن توافق الزوجة الحرة على ذلك ، لأنها شريكةٌ في المعاشرة الزوجية " .
2- وأورد الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد الأحاديث التي جاء فيها جواز العزل ، ثم قال ما نصه : " فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل " . ثم ذكر أن القول بجوازه وإباحته منسوب إلى عشرة من الصحابة هم : " علي ، وسعد ، وأبو أيوب ، وزيد بن ثابت ، وجابر ، وابن عباس ، والحسن بن علي ، وخباب ، وأبو سعيد الخدري ، وابن مسعود " عليهم رضوان الله جميعاً .
3- وقد قال الشافعي رحمه الله : " ونحن نروي عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأساً " .
4- ويؤكد الإمام الغزالي أن العزل مباح وأنه لا نص يصرح بتحريمه ، ولا نص ولا أصل يقاس عليه تحريمه ، بل ههنا أصل يقاس عليه إباحة العزل ، وهو ترك الزواج أصلاً . وقد صرح الغزالي بأن الدوافع المبيحة للعزل هي : " الخوف من كثرة الأولاد ، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ، ودخول مداخل السوء ، وهذا أيضاً غير منهي عنه فإن قلة الحرج معينة على الدين " . وفنّد الغزالي حجج القائلين بتحريم العزل . ولقد عرف الناس مع تطور الأيام طرقاً أخرى غير العزل لمنع التقاء المادتين التناسليتين ، وما دام الهدف من وراء هذه الطرق واحداً ، فلا مانع إطلاقاً من قياس هذه الطرق على طريقة العزل التي كانت معروفة عند القدماء .
5- ذكر ابن عابدين عن " الخانيّة " والكمال بن الهمام أنه يجوز للمرأة سد فم رحمها كما تفعله النساء مخالفاً لما بحثه في " البحر " من أنه ينبغي أن يكون حراماً إن كان بغير إذن الزوج ، قياساً على عزله بغير إذنها .
6- وقال الفقيه الشافعي الزركشي : " هذا كله في استعمال الدواء بعد الإنزال ، أما قبله فلا منع فيه " .
7- ويقول البجيرمي من الشافعية : " وأما ما يبطئ الحبل مدة ، ولا يقطعه من أصله فلا يحرم ، كما هو ظاهر ، بل إن كان لعذر كتربية ولد لم يكره أيضاً " .
8- وجاء في مطالب أولي النهى : " ويجوز شرب دواء مباح لقطع حيض مع أمن الضرر ، نصاً كالعزل ولو بلا إذن الزوج ، على الصحيح من المذهب .

7- أقوال مأثورة داعمة :
ويحسن أن نشير إلى نص مهم في هذا المجال ، وهو ما رواه الحاكم في تاريخه ، عن ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " جهد البلاء كثرة العيال مع قلة الشئ " أي الابتلاء يشتد ويصعب حين يكثر عند الإنسان أولاده ولا يتيسر ما تحتاج إليه حياتهم وكثرتهم من مطالب وحاجيات . وقد عرض عدد من الصحابة هذا الفهم بعبارات مختلفة :
- فهذا هو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول : " قلة العيال أحد اليسارين " . ويفسرها ابن أبي الحديد في شرح كتاب نهج البلاغة : " إن قلة العيال مع الفقر كاليسار الحقيقي مع كثرتهم "
- وهذا هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول عبارة قريبة من عبارة الإمام علي : " إن كثرة العيال أحد الفقرين ، وقلة العيال أحد اليسارين " . والفقران هنا : قلة المال وكثرة العيال ، واليساران هما : كثرة المال وقلة عدد الأولاد .
- وهذا عمرو بن العاص فاتح مصر يقول لأهلها : " يا معشر الناس : إياكم وخلالاً أربعاً فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة والى الضيق بعد السعة ، والى المذلة بعد العزة ؛ إياكم وكثرة العيال ، وإخفاض الحال ، وتضييع المال ، والقيل بعد القال من غير إدراك ولا نوال " .
- ونجد الإمام أبو حنيفة يقول في مقطع من وصيته لتلميذه الأكبر أبي يوسف : " ولا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائج المرأة ، ... واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك ووقت فراغك وفراغ قلبك وخاطرك ، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك ، فإن كثرة الولد والعيال تشوش البال ، فإن جمعت المال فاشتغل بالتزوج " .
- ثم يأتي الإمام الشافعي ليفسر قوله تعالى : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ) النساء / 3 . فيقول : " ذلك أقرب ألا تكثر عيالكم " . مما يدل على أن قلة العيال أولى .
- ويؤيد ابن جرير الطبري هذا التفسير : " إن الزوجة الواحدة ستكون أهون على الرجال في العيال ، لأن نسله سيكون من زوجة واحدة ، بخلاف ما لو تزوج بأكثر وكل زوجة جاءت بذرية ، لأن الذرية ستكثر حينئذ بتعدد مواطن الإنجاب " .
وسيلة أخرى غير مباشرة مشروعة لتنظيم النسل :
هذا وإننا لنرى لدى مقولات ديننا الحنيف وسيلة مدعواً إليها ، غير مباشرة ، لتنظيم الأسرة ، وذلك حسب ما ورد في الحديث الشريف الذي ينهى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المعاشرة بين الزوجين فيما إذا كان لهما وليد يرضع ، فقد روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا تقتلوا أولادكم سراً ، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره" . والغيل ( بفتح وسكون ) : أن يعاشر الرجل زوجته إبان الرضاع معاشرة تفضي إلى حمل .
وإذا كانت مدة الرضاع الكامل سنتين بدليل قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتمك الرضاعة ) البقرة / 233 . ثم تأتي مدة الحمل تسعة أشهر فمعنى هذا أنه سيكون بين الولد السابق والولد التالي ثلاثة أعوام تقريباً ، وهي مدة تستريح فيها الأم ، وتعاون على تنظيم الأسرة بطريق غير مباشر .

8- معاصرون يفتون :
ونجد علماء الخلف قد تحدثوا عن موضوع تنظيم الأسرة بالعزل أو بأي وسيلة أخرى شريطة عدم الضرر ، فمثلاً
1- في سنة /1953/ أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فتوى جاء فيها : " استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتاً لا يحرم على رأي الشافعية ، وبه تفتي اللجنة ، ولا سيما إذا خيف من كثرة الحمل ، أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع بدون أن يكون بيمن الحمل والحمل فترة تستريح فيها المرأة وتسترد صحتها ، والله تعالى يقول ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) البقرة / 185 . وقال : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحج / 78 . وأما استعمال الدواء لمنع الحمل أبداً فهو محرم " .
2- في سنة /1959/ كتب المرجوم العلامة العظيم محمود شلتوت يقول : " أما تحديد النسل بمعنى تنظيمه بالنسبة للسيدات اللواتي يسرع إليهن الحمل ، وبالنسبة لذوي الأمراض المتنقلة ، وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف أعصابهم عن مواجهة المسؤوليات الكثيرة ولا يجدون من حكوماتهم أو من الموسرين من أمتهم ما يقويهم على احتمال هذه المسؤوليات ، إن تنظيم النسل بشئ من هذا - وهو تنظيم فردي لا يتعدى مجاله - شأن علاجي تدفع به أضرار محققة ، ويكون به النسل القوي الصالح ، والتنظيم بهذا المعنى لا يجافي الطبيعة ولا يأباه الوعي القومي ، ولا تمنعه الشريعة ، إن لم تكن تطلبه وتحث عليه " .
3- وإلى الجواز ذهب كثير من العلماء المعاصرين الآخرين ، كالشرباصي ، والبوطي ، والزحيلي بشروط متفق عليها بين جميع المجوزين ، وقد لخصها الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه " تنظيم النسل وموقف الشريعة منه " بقوله : " ولهذا فإن وسائل تنظيم النسل السابقة ، عدا التعقيم الكامل ، فإنني أرجح جواز استخدامها ، مقيدة بالشروط التالية : رضا الزوجين ، وعدم استتباع ذلك بضرر لهام أو لأحدهام ، ومراعاة حق المجتمع في المولود .

9- الإسقاط " الإجهاض " :
والإسقاط نوعان : اختياري ، واضطراري .
أ- الإسقاط الاختياري : هو إخراج الحمل من الرحم في غير موعده الطبيعي عمداً وبلا ضرورة، بأي وسيلة من الوسائل .
وقد اختلف الفقهاء في حكمه ، بحسب طور الجنين في الرحم ، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى خلق متكامل شُقَّ فيه سمعه وبصره، وهذا يتم بين الأسبوع السادس والسابع من الحمل على قول علماء الجنين ، وقد ورد الحديث الشريف المؤصِّل لهذا والمؤكد والداعم ، وهو ما أخرجه مسلم والطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها" وعلى هذا فهناك خمسة اتجاهات :
1- تحريم الإسقاط في جميع مراحل وأطوار الجنين ، وإلى ذلك ذهب بعض الحنفية ، وأكثر المالكية ، والغزالي وابن العماد من الشافعية ، وابن الجوزي من الحنابلة ، والظاهرية .
2- كراهية الإسقاط والجنين نطفة ، والتحريم فيما سواهما من المراحل ، وهو قول عند المالكية .
3- جواز الإسقاط في مرحلة النطفة ، والتحريم فيما عداها ، وإلى ذلك ذهب بعض المالكية وأكثر الحنابلة .
4- جواز الإسقاط في مرحلة النطفة والعلقة ، والتحريم فيما عداها ، وهو قول بعض الشافعية .
5- جواز الإسقاط في جميع أطوار هذه المراحل ، وهو الراجح عند الحنفية .
ب- الإسقاط الاضطراري :
هو إخراج الجنين من رحم أمه في موعده الطبيعي بدافع اضطرار ما ، إما بسبب خطر مرضي يهدد الأم إذا استمر الحمل ، أو بسبب تشوه يرافق الجنين بعد ولادته فيما إذا ولد وكان هذا التشوه يشكل عبأً على الأهل والمجتمع ، من دون رجاء من الشفاء والمعالجة ، بناء على رأي الأطباء الفاهمين العارفين .
وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، ولا نرى حاجة لاستعراض الآراء ، لأننا نتبنى رأي من قال بالجواز ، فيما إذا لم يدخل الجنين مرحلة التكامل ، أي دون مدة الأربعين يوماً ، وهي مدة الاكتمال .

10- لنا ملاحظات :
وهناك طائفة من الملاحظات والأمور التي نرجو أن تكون موضعاً للمناقشة والبحث حتى نبلغ فيها موقفاً سليماً :
1- ينبغي أن ينهض تنظيم الأسرة على أساس أنه عمل وقائي يسبق الحمل ، ولا يقضي على الحمل بعد وجوده ، وخاصة بعد نفخ الروح فيه .
2- تجنب موضوع الإجهاض والإسقاط ما أمكن .
3- تقليل عدد الذرية ليس الطريقة الوحيدة لمعالجة التضخم السكاني ، فهناك طرق ووسائل أخرى كـ : مضاعفة الإنتاج ، وتطوير الزراعة والصناعة ، واستغلال كل ما يمكن استغلاله لإسعاد بني الإنسان .
4- يجب السعي لمعالجة المصابين والمصابات بالعقم ، لكي يشعر الناس بالسعادة ، وبصدق توجهنا في ذلك ، فليست الدعوة إلى تقليل ، وإنما التنظيم هو المبتغى .
5- تنظيم الأسرة إنما يكون باقتناع الفرد وإرادته ، ولا يكون عن طريق القسر والإكراه .
6- ينبغي أن يتحدث عن تنظيم الأسرة من الناحية الدينية علماء متخصصون بُصَراء بمجتمعهم ، ولا يُترك الحديث لكل من هبَّ ودبَّ .
7- ينبغي أن يكون هناك تنسيق مطّرد بين الذين يتحدثون عن تنظيم الأسرة من علماء الدين ، وبين الذين يتحدثون عن التنظيم من النواحي الأخرى ، وأن يتكامل الطرفان في دعوتهام .
8- دراسة موضوع تنظيم الأسرة في الجامعات والمعاهد على أساس المفهوم الواسع الفسيح الذي تحدثنا عنه .
9- بحث الصعوبات التي تعترض فكرة " تبادل الهجرات بين أقطار المسلمين " على مستوى العالم الإسلامي ، لأن المسلمين أمة واحدة ، وهكذا يجب أن تكون ، فليذهب الفائض السكاني من هنا حيث الصعوبة المعيشية إلى هناك حيث الرخاء .

11- خاتمة :
وبعد :
فليس تنظيم الأسرة - فيما نفهم - محاربة للزواج ، ولا محاربة للذرية ، ولا معارضة للأقدار ، لأن الله سبحانه وهب الإنسان عقلاً وأنزل عليه تشريعاً ، وبذلك يسلك السبيل التي إلى السعادة في الدنيا ، والفلاح في الآخرة ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) الشمس / 7-10 .
اللهم إنا نسألك قدرة على التنظيم وقوة على ما دعوتنا إلى تنظيمه ، فمنك الجود والعطاء ، ومنا العمل والولاء .


ألقيت هذه المحاضرة في ندوة التنمية والسكان التي أقامتها وزارة الإعلام السورية
في حماة : 25/ 11/ 1995
وفي المركز الثقافي في جسر الشغور : 1996

التعليقات

شاركنا بتعليق