آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
مسيرة حاج

مسيرة حاج

تاريخ الإضافة: 2002/02/15 | عدد المشاهدات: 2963

أما بعد ، أيها الإخوة المسلمون المؤمنون : 
طلب مني بعض الإخوة في الأسبوع الماضي أن أحدثكم عن بعض أعمال الحج ، فقلت لهم : لقد وضعت في ذهني هذا الأمر ، وأحببت أن أستعرض معكم اليوم ملخصاً عن الحج ، فلعل من كتب له أن يحج هذه السنة يفيد منه ، وأما الذين لم يكتب لهم الحج هذا العام فلا أقل من أن يعيشوا في خيالهم هذه الفريضة وكيف تؤدى ، وبالنسبة لأولئك الذين لم يكتب لهم هذا العام أن يحجوا أسأل الله عز وجل أن يكونوا من أولئك الذين يدخلون تحت قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم خرج في غزوة العسرة وبقي بعض المسلمين في المدينة لم يخرجوا ، وكان سبب عدم خروجهم مرضاً ، فقال عنهم صلى الله عليه وآله وسلم : " إن بالمدينة رجالاً ما سرنا مسيراً ولا قطعنا وادياً ، ولا علونا جبلاً ، إلا كانوا معنا حبسهم العذر " تذكرناهم وكان الثواب من الله لهم ، لأنهم بقوا بالمدينة بسبب العذر ، ورحم الله من قال :

يا راحلين إلى المختار من حلبٍ

سرتم جُسوماً وسرنا نحن أرواحاً

لقَـد أقمنـا على عذرٍ ألَمَّ بنـا

ومن أقـام على عذر كمن راحـا

حَبسنا العذر ، فأسأل الله أن يكتب لنا أجراً على نياتنا . 
أيها الحاج ، ويا من تتخيل أنك ستحج : 
- أعدّ نفسك قبل الحج ، وتب إلى ربك واستغفر لذنبك ، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، واذكر أن التوبة تعني فيما تعني رد المظالم إلى أربابها ، فتب إلى الله ورد المظالم إلى أربابها ، فمن كان منا ظالماً أخاه فليعد إليه ظلامته ، ومن كان منا مقصراً تجاه واحد من أفراد مجتمعه ، سواء أكان أخاه أم أباه أم أمه أم بنته أم ولده ، فليتب إلى الله ، وهذا أهم الاستعداد بالنسبة للحج ولمن حبسهم العذر فلم يحجوا حتى يكتب لهم بعون الله أجر الحج ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في صحيح مسلم حتى للشهيد : " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين " لا سيما إذا كنت مماطلاً فيه . 
- وأريدك أيها الحاج أن تكون نفقات حجك من حلال طيب ، وكذلك أنت الذي لم تحج أن تكون نفقات صرفك على أولادك من حلال طيب ، واسمحوا لي أن أذكر نفسي وإياكم بضرورة الحرص على القرش الحلال ، فالقرش الحلال هو الأساس في بناء الفرد والأمة ، في بناء الإنسان والطهر والعفاف ، في بناء الجندي الذي يجاهد والحاكم الذي يعدل ، في بناء القاضي الذي يخاف الله ، القرش الحلال لهو الأساس الأهم ، لأن رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قال كما روى الإمام مسلم : " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟! " نريد منالاً حلالاً ، أخاطب بهذا الأفراد والدولة ، وكل من يشرف على مال سواء كان كثيراً أم قليلاً . 
- اختر رفيقاً صالحاً أيها الحاج ، وكذلك أنت الذي لم تحج ، أيها الطالب وأيها الموظف والعامل ، اختر صاحباً يُنهضك حاله ، ويدلك على الله مقاله ، ينصحك ويحبك ويريد لك الخير ، وإلا فمن أهم المشاكل أن أبناءنا يضيعون مع رفقاء غير صالحين ، وانظروا مدارسنا وجامعاتنا ومعاملنا ، وانظروا أبناءكم وزوجاتكم من يصاحبون فالمر على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالِل . 
- ثم أيها الحاج ودع أهلك وقل : أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، وأغتنمه فرصة لأقول : لم لا تقول لزوجتك وأولادك ولو كنت خارجاً لغير الحج أستودعكم الله الذي لا تُضيَّع ودائعه ؟ لِمَ نعيش عادات تبعد قلوبنا عن ربنا ودين ربنا ؟ قل لأهلك هذا ، وليكن الله على بالنا دائماً ( واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً ) أين الله في وداعنا أهلنا ؟ لماذا لا نتذكر الله إلا إذا كنا نريد الحج حتى إذا ما عدنا من الحج عدنا إلى ما كنا عليه من نسيان لله ؟ وليقل له المودع : زَوَّدك الله بالتقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث ما توجهت ، ولتقل هذه العبارة المرأة لابنها وهي تودعه إلى الجامعة والمدرية ، الحياة كلمة ، وعلى أساس الكلمة يقوم العمل الصالح ( والعمل الصالح يرفعه ) . فقلها أيها الأب لولدك حينما يذهب إلى المدرسة ، وقلها أيها المسؤول حينما ترسل أحداً إلى مهمة ما ، وقلها أيها الضابط حينما ترسل جنديك ، وقلها أيها المدير إذا وجهت موظفك إلى مهمة ، وقد قلت منذ أكثر من خمسة عشر عاماً : إن الكلمة الطيبة إذا تُشاع في المجتمع ستؤثر عاجلاً أم آجلاً في السلوك بلا شك . هل نخجل من هذه الكلمات ؟ 
- وإذا خرجت منة بيتك فقل : " بسم الله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل ، أو أذل أو أذل ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل عليّ " هكذا كان يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي أبو داود والنسائي ، لم لا نقول هذا ونلجأ إلى الله في كل سَكناتنا وحركاتنا ، والله هو المطلق والفعال لما يريد . 
- وإذا ركبت في السيارة قل : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون ) وقل دعاء السفر إذا سافرت إلى الحج أو إلى أي مكان قل : " اللهم إنّا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في المال والأهل والولد ، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد " قل هذا فإنه يعينك في تكوين وجودك ، لأننا أصبحنا من غير هوية ، وعلامات الهوية غدت أشياء مخجولة . هذه الكلمات التي قلناها هي علامات ولاء ، فمن كان منا يوالي الله فليقل هذا الكلام . 
- إذا وصلت إلى ميقات الإحرام فأحرم ، والإحرام أن تلبس ثوبين أبيضين غير مخيطين ، دون تغطية الرأس والوجه ، وأن لا تتطيب ، ولا تزيل الشعر ولا تقلم الأظافر ولا تصطاد ، ولا تقرب النساء ، وابدأ التلبية ، " وأفضل الحج العج والثج " التلبية والذبح ، أكثر من التلبية واستشعرها ، فأنت تلبي أوامر الله : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، لبيك وسعديك ، والخير لبيديك ، لبيك إن العيش عيش الآخرة ، هكذا كان يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم . 
- فإذا دخلت مكة فقل هذا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما روى الترمذي : " اللهم البلد بلدك " وتذكر وأنت تقول هذا عن مكة ، تذكر القدس وأنها ثالث الحرمين وأولى القبلتين ، وأنها اليوم تحت براثن الاعتداء ، وأنه يجب عليك أن تحررها ، لأننا لا نريد أشخاصاً يعتقون أنفسهم من هذه المسؤولية ، فلا تقل إنها مهمة الرئيس ، أو مهمة الجامعة العربية ، أو مهمة الحكومات ، إن صلاح الدين الأيوبي يوم رأى القدس مغتصبة محتلة ، قال : فليشهد الله أني سأحرر القدس . وقل هذا ولا تستصغرن نفسك ، ولا تقل أين أنا ، فإنك إن قلت ذلك وقعنا جميعاً في الوهن والضعف . قل ,أنت تدخل مكة : " اللهم البلد بلدك ، والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك ، وأؤم طاعتك ، متبعاً لأوامرك ، راضياً بقدرك ، مسلماً لأمرك ، أسألك مسألة المضطر إليك المشفق من عذابك ، وأن تستقبلني بعفوك ، وأن تتجاوز عني برحمتك ، وأن تدخلني جنتك " وقل أيضاً : " اللهم هذا حرمك وأمنك ، فحرمني عن النار ، وأمّني عذابك يوم تبعث عبادك ، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك " . فإذا وقع بصرك على الكعبة فاستحضر الخشوع والتذلل وقل : " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة ، ومن شرّفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وبراً " . واسمحوا لي أن أعلّق : من منا - لا سمح الله - يتصور أن تغتصب الكعبة أو تحتل ؟! أقول هذا لأننا عشنا فترات لم نكن نتصور أن قبة الصخرة يمكن أن تغتصب ، قبة الصخرة التي عرج من عليها النبي تغتصب وتحتل ويدنسها آثمون صهيونيون ، لكن الأمر وقع ، فأنت حينما تقول : " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً " تذكر أنك قصرت حيال قبة الصخرة ، حيال المسجد الأقصى ، وقد قلت مرة : لئن تساهلنا اليوم في المهادنة على بيت المقدس وعلى القدس الشريف ، فأنا أخاف من يوم نهادن فيه على الكعبة ، ونساوم فيه على الكعبة . ولا يقولن قائل منكم : لا يمكن أن يكون هذا . بل التساهل يجر بعضه بعضاً . 
قم يا صلاح الدين عاد عدونا عادت جحافله بلون ثاني 
- وبعد دخولك المسجد الحرام ابدأ بالطواف سبعاً تحية للحرم ، وهو طواف العمرة لمن أحرم متمتعاً أو قارناً ، وطواف القدوم لمن كان مفرداً ، وقل عند دخولك المطاف : ( رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ) ، وأنت أيها الإنسان : قل هذا في عملك كله ، إن دخلت إلى مدرستك أو مؤسستك أو أي مكان فيه عملك . واتجه إلى الحجر الأسود واستقبله وقبله إن استطعت ، وإلا فاكتفِ بالإشارة ، وابدأ بالطواف وقل : اللهم إن هذا البيت بيتك ، والحرم حرمك ، وهذا مقام العائذ بك من النار ، فحرم لحمي وبشري على النار ، اللهم أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، والفوز بالجنة والنجاة من النار . قل هذا وأنت هنا ولو لم تطف حول الكعبة ، بل تخيل أنك تطوف ، وليست هذه الأدعية حكراً على الحجاج ، ثم اختم طوافك باستلام الحجر الأسود ، ثم ائت مقام إبراهيم ، وصلِّ ركعتين ، فإذا فرغت قل : " اللهم أنا عبدك ، وابن عبدك ، أتيتك بذنوب كثيرة وأعمال سيئة ، وهذا مقام العائذ بك من النار ، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم " ، ويستحب بعد ذلك أن تأتي زمزم قبل الخروج إلى الصفا ، فتشرب منه حتى تتضلع ، وادع عند شربه : " اللهم إني أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وعملاً متقبلاً ، وشفاء من كل داء " ، ثم يجب عليك أن تسعى بين الصفا والمروة ، فإن وصلت الصفا فاقرأ قوله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ) ، استقبل القبلة ووحد الله وكبره حتى إذا بلغت المروة اصعد عليه واقرأ ما قرأته على الصفا ، فهذا شوط ، ثم عد إلى الصفا ، وهكذا حتى تنهي الأشواط السبعة منتهياً بالمروة . وأريد حينما أتحدث عن الطواف والسعي أن أدلل على رمزيته ، فإن الطواف يعني دواماً والتزاماً مستمراً ، لأنك تدور حول الكعبة ، وأما السعي فيعني انتشاراً ، تنتشر بدعوتك يميناً وشمالاً ، من الشرق إلى الغرب ، فالإسلام دعوة لكل الناس . الطواف التزام ومثابرة ، والسعي دعوة الله شرقاً وغرباً . 
- وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية صلِّ الفجر بمكة ، ثم توجه إلى منى بعد طلوع الشمس وتمكث بها إلى ما بعد شروق شمس يوم عرفة ، وتصلي هناك خمس صلوات : الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، فإذا طلعت شمس ذلك اليوم التاسع من ذي الحجة فتوجه إلى عرفة لأداء أركان الحج العظيم مع السكينة في باطنك والوقار في أعمالك ، مهللاً داعياً ذاكراً ، مع الإكثار من التلبية ، وتوجه إلى مسجد نمرة لسماع الخطبة ، وصل الظهر والعصر جمع تقديم ، ثم توجه إلى عرفة الموقف ، وكلها موقف إلا بطن عُرنة ، والأفضل أن تقف قرب جبل الرحمة ، ثم قف على قدميك مستقبلاً القبلة رافعاً يديك ، تدعو مولاك باسطاً يدك ، واحذر المخالفات ولو في أدنى شئ ، فاحفظ بصرك وسمعك ، وصن لسانك ، وتذكر هناك الموقف العظيم بين يدي رب العالمين ، واجتهد في التذلل متذكراً الآخرة والحشر والنشر والحساب .
- استمر واقفاً إلى غروب الشمس ، فإذا غربت فاستعد للسير إلى المزدلفة ، وحذار أن تدفع قبل الغروب ، فإنك إن فعلت وجب عليك دم عند الحنفية والشافعية ، ويفوت الحج عند المالكية ، ولا تصل المغرب في عرفة ، وأخّرها لتصليها مع العشاء في المزدلفة جمع تأخير ، والمبيت بالمزدلفة سنة عند الحنفية ، وواجب عند الشافعية والحنابلة ، وعند المالكية يجب النزول وقت الليل قدر حط الرحال ، وارقد قبيل الفجر ثم استعد للوقوف بعده ، فالمكث بعد الفجر في المزدلفة واجب عند الحنفية ولو زمناً يسيراً ، ثم تلتقط الحصيات لرمي الجمرات ، وهي سبعون حصاة . 
- ثم انطلق إلى منى قبل طلوع الشمس ، وليكن شعارك التلبية والدعاء والأذكار ، وهذا يوم النحر ، وعليك أن ترمي جمرة العقبة ، وتذبح وتحلق وتطوف طواف الإفاضة ، والسعي إن لم تكن سعيت قبلاً ، ثم اذهب لطواف الزيارة " الإفاضة " وبعدها عد إلى منى لتدرك بها صلاة الظهر ، ويجب عليك رمي الجمرات في هذين اليومين الأولين الأول والثاني من أيام التشريق ( ثاني وثالث أيام العيد ) تبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، وإن شئت أن تتعجل في يومين أو تتأخر ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) . 
- وبعد ذلك تنتهي المناسك ، وتذهب إلى مكة ، فإذا مكثت في مكة فأعطِ الجوار حقه ، ثم طف طواف الوداع - وهو الاستئذان - وائتِ زمزم واشرب منها ، وتشبث بأستار الكعبة ، والتزم الملتزم ، وابكِ ، وقل : اللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك الحرام يا أرحم الراحمين ، ثم استلم الحجر الأسود وقبله وعد إلى بلدك مغفوراً لك ذنبك برحمة الله ومشيئته ، اللهم اجعل قلبنا بك معلقاً ، واجعل توبتنا مستمرة ، وأوبتنا دائمة ، ودمعتنا سخية في صلتنا بربنا ، اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام ، ووفقنا لطاعتك وما يرضيك ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق