آخر تحديث: الإثنين 11 تشرين الثاني 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
توجيهات من وحي عاشوراء

توجيهات من وحي عاشوراء

تاريخ الإضافة: 2005/02/18 | عدد المشاهدات: 2189

أما بعد ، فيا أيها الإخوة المسلمون :

أسأل الله عز وجل بداية أن يحفظ بلادنا وأن يحفظ ديننا ، وأن يحفظ أعراضنا ، وأن يحفظ إسلامنا ، وأن يحفظ إيماننا ، وأن يحفظ أراضينا من كل شر وفتنة وظلم وفساد وفجور وسوء .

نعيش هذه الأيام ذكرى عاشوراء ، وعاشوراء لها شقان : الشق الأول هو أنه ورد فيها كما جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل نجَّا في مثل هذا اليوم موسى من فرعون إذ أدرك فرعونَ الغرقُ ، نجَّا موسى بفضل الله ومنته ، وقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا اليوم : " هذا يومٌ نجَّا الله فيه موسى " كما جاء في صحيح الإمام مسلم .

وأما الشِّق الثاني فعاشوراء هي عاشوراء الحسين . أغتنم هذه الذكرى لأقول : اللهم كما نجيت موسى من فرعون نجنا من الظالمين ، وكما وفقت سيدنا الإمام الحسين رضي الله عنه الله عنه إلى الثورة السِّلمية على الفساد والمفسدين ، فانتصرَ في هذه الثورة الدم الطاهر علي السيف الباغي المجرم انصرنا يا ربنا بحق دماء الحسين ، وبحق دماء الشهداء الذين قضوا على أرض فلسطين وفي كل بقعة من بقاع الأرض يا رب العالمين ، انصرنا واجعلنا هادين مهديين ، سِلماً لأوليائك وحرباً على أعدائك .

لا أريد أن أحلل سياسياً فلست بذاك السياسي ، إنما ونحن نرى الأحداث حولنا تقع ، أريد أن أتوجه إلى نفسي وإلى شبابنا ، ولعل بعضهم سألني فقال لي : كيف نسعى من أجل أن ينجو شبابنا من فتنٍ تتوالى وتتالى وتكثر وتتلبد غيومها في سمائنا ؟ الإجابة عن مثل هذا السؤال طويلة كثيرة وذات مناحٍ عديدة ، لكنني قلت لهذا الذي سألني : من جملة ما يمكن أن يُثبِّت أفئدة شبابنا على إسلامنا وديننا ومعتقدنا وقرآن ربنا عز وجل أن يكون في داخل شبابنا أناسٌ ارتضاهم الله عز وجل قدوة لنا وأسوة لنا ، وقد قلت هذه الكلمة منذ أكثر من عشرين سنة على هذا المنبر بالذات ، قلت : إن في داخل كل إنسانٍ إنساناً ، فابحث عن إنسانٍ تضعه فيك حتى لا يدخل أو حتى لا يتسلل إنسان لا ترتضيه إلى داخلك الفارغ . ما دام داخلك فارغاً فسيمتلئ بشخصيات يمكن أن تكون من الذين لا يرضون عن هذه الشخصيات ، لكنك تركت داخلك فارغاً فتسللت هذه الشخصية غير المرضية فحلت في داخلك ، من أجل أن لا تدخل شخصيات غير مُرضية إلى داخلك حاول أن يكون داخلك قد ملئ بشخصيات مُرضِية ، وأعتقد من باب البداهة في ديننا أن الشخصية التي يجب أن تدخل دواخلنا وأن تعيش صدورنا وفي صدورنا وأن تعيش قلوبنا وفي قلوبنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام ، ولكن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم دعانا أيضاً إلى أن ندخل معه من ينتسب إليه حقاً وصدقاً ، إلى أن نجعل معه في دواخلنا من يحب هذا النبي ويفتديه ، ومن يحبه هذا النبي ، ولذلك نذكر محمداً عليه وآله الصلاة والسلام شخصية أساسية في داخلنا ونذكر معه آل بيته الكرام وأصحابه العظام ، نذكر معه التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، نذكر معه كل من التحق به بسلوكه وقالِه ، واليوم وأنا أتحدث عن عاشوراء الحسين أحب أن أقول لشبابنا : هيا فأَدخِلوا قلوبَكم وإلى قلوبكم محمداً عليه وآله الصلاة والسلام ، أدخلوا قلوبكم وإلى قلوبكم آل بيته الكرام ، أدخلوا قلوبَكم وإلى قلوبكم أصحابَ محمد عليه وآله الصلاة والسلام ، وأدخلوا قلوبكم وإلى قلوبكم التابعين والمتأسين بمحمد عليه وآله الصلاة والسلام فإن قلوبنا إذا دخلها أولئك كان ذلك عاصماً لنا من فتنة تسيطر أو تنتشر أو من فتنة نرى آثارها لا تترك ذا قلب فارغ إلا ودخلته وشغلته فاحتار ، ولم يثبت كالجبال ، وكثبات أولئك الذين ثبتوا في المحن والابتلاءات والفتن .

تعرَّفوا – في ذكرى عاشوراء – تعرَّفوا على سيدنا الحسين ليكون من جملة من يكون بدواخلكم ، ولذلك أرجو الله أن تكونوا معصومين من فتنة تدخل قلوبكم وأفئدتكم وعيونكم ومسامعكم ، تعرفوا على سيدنا الحسين ، على سبط رسول الله فإن في ذلك عصمة أو سبباً من أسباب عصمة نرتضيها من فتنة لا تترك ولا تذر ، من فتنة تُسكَبُ علينا سكباً ، من فتنة تتقاطر علينا تقاطر السيل المنهمر صباح مساء وأنتم ترون بأم أعينكم هذا التقاطر .

من هو الحسين – ولا أريد أن أحدثكم عن سيرته كلها فهذا يقتضي منا خُطباً وخُطباً ، لكني أقول لكم شهادات رسول الله في الحسين رضي الله عنه وأرضاه ، وأريد أن أؤكد عليكم حتى تعودوا إلى بيوتاتكم لتقرؤوا سيرة هذا الرجل ، وأقول لكم - ولتكن الصراحة جسراً يربطنا ، وأرضاً نلتقي عليها – أقول لكم كم يستغرق من الوقت التعرُّف على سيدنا الحسين وأنتم تقرؤون ثلاث صفحات ، لعلَّ بعضكم ، ولعلي من بعضكم ، نقف أمام التلفاز لنتعرف على تفاصيل لا تضر ولا تنفع ، على تفاصيل لا تؤثر على معرفتنا الإيجابية شيئاً ، لعل بعضكم يقف أمام التلفاز ساعة أو ساعتين لينظر فيما إذا كان الأمر الفلاني قد تمَّ أو لم يتم ، وهذا الأمر الفلاني بتمامه لا يَهمُّك ، ولا يؤثر عليك إيجاباً إن لم أقل ربما أثر عليك سلباً من حيث اقتطاعه وقتك ، ومن حيث تضييعك وقتك فيما لا طائل تحته ، لذلك أقول : احترموا أوقاتكم ، أو فلنحترم أوقاتنا ولنرعَ مسؤولياتنا عن أوقاتنا ، ولنملأً أوقاتنا بكل ما ينفعنا في ديننا ودنيانا ، وكفانا أننا أضعنا أعمارنا وأن غيرنا اغتنم هذا التضييع منا ليفرض علينا ما أنتجه في أعماره ، وكان هذا الإنتاج استعماراً لنا ، وأما بالنسبة لنا فكان تقدماً وتطوراً ، كفانا أننا ضيعنا أوقاتنا وأعمارنا - ولا أقول هذا تقريعاً - لكنني أوجه عنايتكم وعنايتي إلى فحص زمنكم ، فهل يستوي هذا الذي مرَّ من أعماركم مع الفوائد التي جنيتموها مع هذا الذي مرَّ ، هل تستوي تلك السنوات التي مرت من أعماركم مع ما وقع في عقولكم وأخلادكم وقلوبكم من فوائد . ادرسوا ذلك ، نريد أن نتحرك ، ونريد أن نتحرَّق لنتحرك ، ولا نريد أن نتحرَّق حيث لا نعرف كيف نتحرك . ربما رأى الرائي فينا عواطف مؤججة وانفعالات لا تعرف حداً لكن هذه العواطف والانفعالات لا تلبث أن تنتثر في الهواء من غير أن تتجمع لتنتج موقفاً يحمل بصمة العبودية لله عز وجل . انظروا أوقاتكم وأزمانكم وأعماركم ، وفكروا ، ولعل الواحد منا ولا يدري ، لعل من أمسى لا يصبح ، ولعل من أصبح لا يمسي ، من يدري ، وقد سمعنا منذ يومين كما سمعتم ، وقد ملأ الخبر أسماعنا عن موت إنسان ما كان يحسب من حوله ، وما كان يحسب هو أنه سيموت بهذه السرعة ، كم من مشاريع كانت بداخله ، وإذ بهذه المشاريع تقف الآن غير منفذة ، الآن وقفت ووجمت ، رأينا هذا في غيرنا ، وما سرى على غيرنا سيسري علينا شئنا أم أبينا . أنت أيها الشاب : لا تظنن أنك ضامن عيشاً طويلاً إلى أن تبلغ سناً بلغه جدك أو أبوك ، فربما سبقته إلى الآخرة وبقي هو وراءك ، من يدري ، لذلك اسمحوا لي أن أؤكد على ضرورة رعاية مسؤوليتنا عن وقتنا وزمننا وأعمارنا ، وهذا هو التطور والتقدم ، بل هذا هو أساس التطور والتقدم ، وباختصار : العمر الإنتاجي يجب أن يكون أكثر من العمر الزمني ، لكننا أصحاب معادلة معاكسة ، إن أعمارنا الزمانية تفوق أعمارنا الإنتاجية بأضعاف مضاعفة .

أعود لأذكر شهادات رسول الله للحسين بن علي ، للإمام أبي عبد الله رضي الله عنه وأرضاه : يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن الترمذي نظر إلى الحسن والحسين فقال : " هذان ابناي ، وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما وأُحب من يحبهما " وجاء في مسند الإمام أحمد أن نبينا عليه وآله الصلاة والسلام حمل الحسين وأمال رأسه ووضع فاه على فيه فقبله ، ويروي ابن ماجه والترمذي أن نبينا عليه وآله الصلاة والسلام قال : " حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً " ويروي الإمام أحمد في مسنده أن نبينا عليه وآله الصلاة والسلام قال : " من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني " ويقول عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في مسند الإمام أحمد : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " ويروي ابن ماجه وابن حبان أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال عن علي وفاطمة والحسن والحسين : " أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم " ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان في ظل الكعبة فرأى الحسين مقبلاً : " هذا أحبُّ أهل الأرض اليوم إلى أهل السماء " ويقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كما في البخاري ومسلم : " ارقبوا محمداً في أهل بيته " أي احترموا وأحبوا وقدروا وعظموا وبَجِّلوا محمداً وعظموا أهل بيته وقدروا أهل بيته ، واجعلوا المودة لأهل بيته ، ويقول رضي الله عنه : " والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي " هذا ما يقوله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه . ارجعوا إلى كتبٍ سطرت حياة الحسين عليه السلام من أجل أن تتعرفوا إلى شخصية يجب أن تدخل فيمن تدخل إلى قلوبكم حتى يكون ذلك مساهماً في عصمتنا من الخطأ ، واسمحوا لي أنقل لكم كعادتي بعض أقوال هذا الإمام أبي عبد الله رضي الله عنه الله عنه وأرضاه من أجل أن تكون تلك الكلمات معرفة إيانا هذا الرجل العظيم رضي الله عنه وأرضاه ، كان يقول : " من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مُدخَله " أن يجعله مع هذا الظالم .

وكان يقول رضي الله عنه عندما سئل عن صفات الإمام : " لعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات الله " .

ولما سئل عن سبب خروجه وثورته السلمية قال رضي الله عنه : " إني لم أخرج بطِراً ولا أشِراً وإنما خرجت أطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم " .

كما بدأت خطبتي أريد أن أجعل الختام فيها دعاء إلى ربي أن يحفظ بلادنا من كل مكروه ، أن يحفظ شبابنا ، أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً ، أسأل الله عز وجل أن يحفظ بلاد المسلمين ، وأن يجعل إخواننا في لبنان يلتقون على الخير ويجتمعون على الخير ، أسأل الله أن يوفق إخوتنا في لبنان بعد هذا الذي ألم بهم منذ ثلاثة أيام أن يلتجئوا إلى ربهم ، أخاطب جميع أولئك على سبيل الأخوة معهم إن بالدين أو بالإنسانية أو بالأرض أو بالجوار ، أقول لهؤلاء جميعاً : لن يعيش لبنان سالماً ولا سوريا إلا إذا قرر الجميع الالتجاء إلى ساحة العبودية لله ، فعبودية الله تؤلف بين الناس كافة ، ولئن قلت مثل هذه الكلمة ، أرجو أن لا يُسقطها بعضٌ منا على عباد يدَّعون العبودية لله بيد أنهم لا يسلكون سبيلها ، أنا أتحدث عن عبودية كتلك التي تحلى بها سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقول لإخوتنا في لبنان : إن هذا الذي توفي رحمه الله ، لا شك بأنه خسارة للبنان ، وخسارة لمجالات خيرة كثيرة ، ولكن اسعَوا من أجل الاعتبار لا من أجل الانتقام ، فما قد حدث قد حدث ، ولكن العاقل من اعتبر لا من انتقم ، وهذا ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . أفضى إلى خير ، رحمه الله ، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً من أجل تعاون بناء ، وليكن رائدنا في ذلك القرآن الكريم ، ونبينا الأكرم ، وأصحابه ، وآل بيته حتى نعيش جميعاً بأمان واستمرار .

اسمحوا لي أخيراً أن أقول لكم ما قلته لبعض الإخوة يوم قالوا لي تتحدث عن إسلام وعن ضرورة هذا الإسلام من أجل نجاة ، أما ترى أن عدداً وفيراً من المسلمين لا يتمتعون بهذا الذي تدعو إليه وهم يقولون عن أنفسهم بأنهم مسلمون ويطبقون ويعبدون ! أقول للجميع : أنا أتحدث عن إسلام وعن نماذج لا غبار عليها ، أتحدث عن دين مستوحى من القرآن الكريم ، وأتحدث عن دين مستخلَص من سيرة نبينا الكريم ، وبعد ذلك إذا كان هنالك تلامذة غير أوفياء لهذا الدين الحنيف فما الذي يجعلنا ننفي الدين الحنيف من أجل أن يكونَ تجربتنا وطريقنا ومسارنا وقيمتنا الكبرى ، وقد قلت هذا لعدد من الإخوة : ما أظن أن هنالك مبدءاً أعظم من الإسلام ، ولكن بعضنا في كثير من الأحيان هم العيب بالنسبة للإسلام ، إلا أن هذا العيب لا يلتصق بالإسلام ، وإنما يلتصق بالشخص نفسه لأن كل شخص مسؤول عن نفسه لا أكثر ولا أقل ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ النجم : 39 ، ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألفى معاذيره ﴾ القيامة : 14-15 يا رب أسألك أن توفقنا وأن ترحمنا وأن تردنا إلى إسلامنا الصافي ، إلى ديننا الوافي ، إلى شريعتنا الغراء ، إلى عقيدتنا السديدة ، أن تردنا إلى ذلك كله رداً جميلاً ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق