آخر تحديث: الأحد 16 يونيو 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
الوحدة الإسلامية .. أسسها وروادها/ دمشق

الوحدة الإسلامية .. أسسها وروادها/ دمشق

تاريخ الإضافة: 2004/05/11 | عدد المشاهدات: 3114

- ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام محاضرة بعنوان : سماتُ العمل الإسلامي في مستقبل منشود ضمن فعاليات ندوة الوحدة الإسلامية .. أُسُسُها وروَّادها التي أقامها مجمع الشيخ أحمد كفتارو بدمشق والمجمع الإسلامي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بالتعاون مع المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق وذلك بتاريخ : 22- 23 ربيع الأول 1425 هـ الموافق 11- 12 أيار 2004 م .

لسماع المحاضرة ومشاهدتها لطفاً اضغط هنا

سماتُ العمل الإسلامي في مستقبل منشود

الحمد لله ، مَن وعدَ المسلمين بالنّصر إن هم نصروه ، والصلاة والسلام على من آمن به أصحابه فعزَّروه ووقَّروه ، ورضي الله عمَّن تآخَوا في الله حباً وثقوه ، وتحلَّقوا حول رسولهم قائداً اتخذوه ، وبعد:

تمهيد :
لقد جعلتُ البحث في مدخل ، وحدَّدتُ ثماني سمات ، كنتُ فيها منظِّراً منَ النص ، ومُلملماً من الواقع ، أكثر مني ناقلاً أو جامعاً ، تلمَّست تجارب من سبق ، فثبَّتُ الإيجابيات وقعَّدتها ، وأعرضتُ عن السلبيات وأهملتها ، فإن أصبتُ فذاك فضلُ الله عليَّ . وإن أخطأتُ فالتقصير ثوبي الذي ما انفكَّ في نسبته إليَّ .
الموضوع جدُّ مهم ، لأننا سنتحدث فيه عن أنفسنا ، سنقف فيه أمام المرآة لنحسِّن من وضعنا في العمل الإسلامي ، فقد أصبحنا فيه شُعثاً غُبراً مدفوعين بالأبواب ، غير أنَّه لا يُستجاب لنا .
أردتُّها ورقةً مختصرة ، فيها عناوين وخطوط عريضة ، أدعو الحركات والجماعات إلى اللقاء في ظلها ، أو على الأقل أن يفكّروا فيها .

المدخل :
نظرةٌ عامة سريعةٌ للحركات الإسلامية في القرن الأخير :
قامت في العالم الإسلامي ، ومن ضمنه العربي – منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى العقد الثامن من القرن العشرين – حركاتٌ إسلامية عديدة ، أخذ بعضها طابع الثورة التحررية من ربقة الاستعمار ، وبعضها نهج النهج الفكري في تقديم رؤية إسلامية شاملة على حد رأيه كان للأولى دَوْرُها الفعَّال في إجلاء المستعمر المستكبر ، ولا أريد أن أعددها فهي كثيرة ، وقد اعتمدت هذه الحركات الثورية طريق إثارة العاطفة الإسلامية في القاعدة الشعبية العريضة ، وإذكاء روح الجهاد فيها .
وقد قرأتُ قصةً يوم خرج المستعمر الفرنسي من الجزائر ، بعد استعمار دام أكثر من قرن ، فخرجت نساء الجزائر تهلل وتقول :

مبروك يا محمَّد عليك الجزائر رجعَت إليك

وأمَّا الثانية ، أعني الحركات التي اتسمت بالفكر إذ قامت ، فكثيرةٌ في عالمنا العربي والإسلامي .
بعضها كان امتداداً لحركات التحرر السالفة الذكر ، وبعضها نشأ على آثارها ، مكملاً مسارها وهو يقدم الطروحات البنائية لمرحلة ما بعد الاستعمار .
وهذه الحركات أيضاً كثيرة لا أريد أن أعددها ، وقد حدث أول انقسام بين هذه الحركات حين بحثت موضوع الغرب ، وكيفية التعامل معه ، ومسألة الانفتاح ، وتتابعت الانقسامات في طرح مواضيع أخرى ، كالعروبة وعلاقتها بالإسلام ، وقضية الحكم وكيف يتوصل إليه ، ومسألة العنف واللاعنف ، وتحديد العدو ، وقضية الشيعة والسنة ، حتى أدَّى الأمر إلى عداوة في الحركة الواحدة والاتجاه الواحد .
ولا أريد أن أبحث في محاضرتي هذه الخلافات ، فذاك أمرٌ عشنا آثاره القاسية المريرة ، ويكفينا ذلك درساً ، وإنما آثرتُ أن أرسم ملامح عملٍ إسلامي منشود نتجاوز فيه الخلافات .
ولا يعني هذا أنني أغيِّبُ الماضي أو أرفضه ، ولكني سأقبله على أنه مرحلةُ مخاضٍ قاسية ، مضت مدتها الكافية لتكون الولادة المفرحة ، وكلّي أمل أن تكون ندوتنا هذه صيحة من صيحات استهلال المولود المنتظر .

السمات والملامح للعمل الإسلامي المنشود :
إنها نصيحةٌ ، ومساهمةٌ في لقاء جادٍّ ، ودينُنا دينُ النصيحة ، كما قال عليه وآله الصلاة والسلام ، فهل نعي مستقبلنا ، بفهم حاضرنا واستيعاب ماضينا ، لنكون أمة موحدة ، ذات غاية متكاملة ؟ هذا رجائي .
أريد أن نحقق أولى خطوات فاعلية الإزالة للشر ، بعد أن وثقنا بانفعالية زوال الشر المحدق بنا ، وإرادةُ الله في النصر إنما تكون باجتماع فاعلية الإزالة من قبل الخير للشر ، مع انفعالية الشر من خلال تقوض أركانه بذاته .
السمة الأولى : الإبقاء على الإسلام فقط اسماً يجمعُنا :
وحذف كلِّ الألقاب الزائدة في تسمية الحركات ، حتى لا تحلَّ هذه الألقاب محلَّ الإسلام في قدسيته ، وتطغى عليه ، ويُتوجه إليها دونه وعلى حسابه ، فتصغر الجماعة الكبير ويقلَّ عددها ، وقد أطلقت مقولةً أضحت عنواناً في بلدي : " لنلتق دون ألقاب أفلا يكفينا الإسلام ، وقد سمانا الله به : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) الحج : 78 " .
وعلامَ الإعراضُ عن تسمية الله لنا ، أو اتهامها بعدم الكفاية ، والنقص في توصيف المسلمين ؟
وما المانع من أن تقلع الجماعاتُ والحركات عن ألقابها ، التي اتخذت صفة القداسة الزائدة على الإسلام بحد ذاته وقد وجدت فيها حواجز تمنعها من التقارب الفعلي الجاد مع غيرها ، بل وجدت فيها حواجز تمنعها من الانتماء إلى الإسلام نفسه في قضايا معينة ؟
لا أريد أن أسمّي ، فذاك أمر أحببت أن أبتعد عنه ، لكنني قرأتُ مقابلةً صحفية مع إنسانة تنتسب إلى حزب إسلامي في دولة عربية ، وقد سُئلت عن جواز أمرٍ قام به الحزب ، فقالت بالحرف الواحد : " إنني أعترف بأنَّ الإسلام يرفض هذا ، لكنني مضطرةٌ لقبوله ، ما دامت قيادة الحزب قالت به وحضَّت عليه " !
وهنالك كتاب قرأته يحمل اسم " الفكر الإسلامي " ، يخلص فيه الكاتب من أجل أن يقول : إن جماعته هي الجماعة الأنظف في عالم الإسلام والمسلمين .
وهنالك كتاب أيضاً صدر في السبعينات ، لكاتب معروف توفي في السبعينات ، قال هذا الكاتب ، ينبغي على العالم أن يعيَ بأن جماعتنا هي جماعة المسلمين ، وأن جماعتنا هي الجماعةُ الأنظف .
ما المانع من أن تقلع الحركات والجماعات عن ألقابها ؟ وهاهم أولاء اليهود ، كما يقول ظفر الإسلام خان : " ولا تظننّ بأن يهودياً في المشرق يتصرف بمعزل عن شعوره بالوحدة مع كل يهود المغرب والشمال والجنوب ، وإلا لما أثَّرت بضعة ملايين في تسيير دفَّة العالم " .
ثم أليس قميناً بنا أن نوجّه جهودنا إلى تقوية الانتماء للإسلام الكبير ، الذي نُواجَه من خلاله من قِبَل عدونا من غير تسميات ، بدلاً من أن نقوّي الانتماء إلى الحركة الصغيرة ونقف عندها ، فتتفتت الصخرة العظيمة الكبيرة إلى صخيرات يسهل طحنها وكسرها ؟ بالانتماء الكبير نحقق غاية رسمها الله لنا فنكون الأمة الوسط في عقيدتها وتشريعها وأخلاقها : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً )البقرة : 143 . ونكون الأمة الشهيدة ، القائمة بالحجة بتطبيعها وتمسكها : ( لتكونوا شهداء على الناس ) البقرة : 143 . ونكون الأمة الخيّرة في مهمتها : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) آل عمران : 110 .
ولا أريد أن نقدم أو نفضّل ما ورثناه عن تاريخنا السابق – في حركاته المختلفة- على ما ينبغي استقباله عن ربنا جل وعلا .
السمة الثانية : تمتين الوحدة الكاملة بين الحركات والجماعات :
بعد حذف الألقاب والزيادات ، وذلك بتطبيق فرائض الإسلام الجماعية ، على مستوى الحركات الواحدة والجماعة الواحدة .
فالتعاون فريضةٌ من الله تعالى علينا ، بيننا جميعاً ، حركاتٍ وأفراداً ، كما جاء في كتابه الكريم : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) المائدة : 2 . والسلام نؤصِّله صلةً وطيدة بيننا ، جماعات وأفراداً ، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال : " والذي نفس محمد بيده ، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم " أخرجه مسلم . وحبلُ الله ليس ذاك الذي تزعم كل جماعةٍ بأنه معها دون غيرها ، بل الجميع يدعون للاعتصام به : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) آل عمران : 103 . والأخوة وشيجةٌ عقدها ربنا بيننا ، لا نرضى عنها في علائقنا بديلاً ، ولا نقصرها على فئة دون أخرى من المسلمين ، ونرفض أن تدعي جماعة ما أنها جماعة المسلمين ، والقول الصائب أن تقول : إنها جماعةٌ من المسلمين . وعلى مفكري الجماعات أن يقعِّدوا الثوابت التي تشكل محور التلاقي ، مع الاحتفاظ بمتغيرات كل جماعة واجتهاداتها التي يفرضها عليها زمانها ومكانها ، وهي في النهاية فرعٌ من شجرةٍ وارفة ، وليست شجرة مستقلة بذاتها ، وهذا ما يجعلها تجري في المسار التاريخي الصحيح من أجل توريث الأجيال اللاحقة ، فكفانا أننا في أحسن أحوالنا كوَّنَّا شجرات أو أشجاراً ، لكنها غير قادرة على الإثمار .
ويا حبذا لو أننا وجَّهنا عنايتنا من أجل أن ننشئ جامعةً للحركات الإسلامية ، كما هو الحال في جامعة الدول العربية .
السمة الثالثة : الاجتهاد المستمر المضبوط :
النص الذي لا يلقى متفاعلاً معه ، يفهم مراميه الدلالية وأبعاده التطبيقية ، سيظل متهماً بعدم قدرته على الاستيعاب . فلنُبعد الاتهام عن نصنا بنشاطنا وتفاعلنا ، وهو أرحبُ من كل حركة فكرية إنسانية ، ولقد زهونا فخراً بنتاج علمائنا السابقين الفقهي والاستنباطي ، حتى إذا ما آل الأمر إلينا تقاعسنا عن فعل ما امتدحناه فيهم ، وكررنا مع التقزيم صفحتهم ، فكنا الرقم المكرر المقزّم ، ولم نكن العدد التالي بترابط وإيجابية . فأين آراء المسلمين من خلال جماعاتهم فيما يستجدُّ من قضايا على مستوى العلوم التجريبية والإنسانية ؟ أين بياناتهم فيما يتعلق بتطورات التقنية ، ومستحدثات الخبرات العقلية في ميادين شتى ؟ فنحن وإن رأينا بوارق وإلماحات ، لكننا نريد أن تكون بالزَّخم نفسه الذي تُظهره الجماعات في ميادين التنظيم والسياسة والحكم وفن التهاتر فيما بينها .
وقد قال كاتب فرنسي في مجلة الإكسبريس : " أسمَعونا بأن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان ، ونحن ننتظر منهم حلولاً لمشكلات مستجدة ، وتتأخر هذه الحلول من العالم الإسلامي حتى يأتي غيرها ، فينهشها ، أو يشتمها هذا العالم الإسلامي " .
وأؤكد على الضبط صفةً لازمةً للاجتهاد ، ليكون له أسسه ومناهجه ، وليتمّ ذلك في مراكز ومؤسسات ومجمعات تضم كل الفئات والاختصاصات ، فالجماعية في الاجتهاد اليوم هي الضرورة الضابطة .
السمة الرابعة : إيقاد جذوة الشعور بالمسؤولية الوطنية :
الوطن غالٍ أيها الإخوة ، وهو محلُّ تشخيص الفكر ، وتحويله إلى سلوك عملي يتراءى للناس نجاحه . ومن لا وطن له يدافع عنه لا فكر له ينادي به ، وقد أهملت الحركات الإسلامية الفكرية في وثائقها الصادرة ، إلا قليلاً ، هذا الأمر ، مع أنه ذو صلة أساسية وثيقة بديننا ، الذي يرعى الوطن ، ويحضُّ على حبه والتفاني من أجله ومن قُتل دونه فهو – لا شكَّ – شهيدٌ . وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أروع الأمثلة في حب الوطن ، وإنه لمشهد جدُّ عظيم يوم ودّع مكة وقد أخرجه أهلها منها ، فذرف الدمع الحاني ، وقال : " (والله إنك لأحبُّ بلاد الله عندي ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني ما خرجت " أخرجه الترمذي) .
أيها الإخوة : إن الوطن حسب قاعدة لحن الخطاب – أو فحواه - الأصولية أمانةٌ أكيدةٌ ، ما دمنا مسؤولين عن بيوتاتنا الصغيرة ، وعن أُسرنا الصغيرة .
لم ترث الحركات الفكرية الاهتمام بالوطن – بالزَّخم نفسه – عن الحركات التحريرية الثورية التي قامت في أراضي الوطن العربي والإسلامي . وهذه مثلبةٌ في اللاحقة لا أعتقد أن لها تفسيراً مقبولاً ، سوى الانشغال بما هو جزئيٌّ عما هو كلي هامٌّ .
العروبة - على سبيل المثال - بالنسبة لي مظهرُ شرف ، أُعلن من خلالها إسلامي ، ومَنْ قال بأن الإسلام لا يمتُّ إلى العروبة بصلة؟! فهو دينها وهي مظهره ، بلغتها وريادتها المتجلية في الجيل الأول ، جيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وليكن شعاركل واحد منا في وطنه : دينٌ حنيف ، ووطن نظيف .
نلتقي بعدها بأوطاننا موحدة في دائرة الإسلام الجامعة ، ولنتذكر قولة عبد الرحمن بن المهدي : " لا شِيَع ولا طوائف ولا أحزاب ، ديننا الإسلام وطننا السودان " . وقولَ ابن باديس : " شعب الجزائر مسلمٌ وإلى العروبة ينتسب " .
أكرر - أيها الإخوة - التنبيه على هذه المشكلة ، فأنا أخشى من أن تكون العلاقة بين العرب والمسلمين ، بالنسبة إلى القوميين أو المسلمين ، قائمة لصالح المجاملة ، كمن يقف على ماء جمد سطحه ، فإذا ما ذاب هذا السطح غرق ، لأنه لم يستطع السباحة ، أو لم يُهيّئ نفسه لهذه السباحة .
وأنا أرفض العبارات التي لا يمكن أن نجد لها تفسيراً في إسلامنا ، من قِبَل بعض القوميين ، فما معنى القول الذي يُقال بأن : " العروبة والإسلام وجهان لذاتية واحدة " ، إذا كان الوجه الآخر الأهم يرفض من قبلهم ؟ وما معنى القول الذي يروج له : " إن الإسلام هو الوجه الروحي للعربي المسلم وغير المسلم " ، ثم يتخلى عن ذلك هذا العربي أو ذاك ؟
السمة الخامسة : البناء المتوازن للشخصية المسلمة :
فالإسلام منهجٌ متوازن يغطي علائقنا في كل اتجاهاتها ، ويعطي كلاً منها حقها ، وإنَّ أي إفراط أو تفريط منا في نظرتنا إليه سيؤدي إلى التطرف أو التسيب ، وقد عانينا من كليهما ، إذ تمثَّلتهما بعضُ الحركات هنا أو هناك ، من التكفير إلى التمييع .
هذا البناء يقوم في رأيي على خمسة محاور تشكل ملامح الشخصية المسلمة ، هي : الوِرْد ، والعهد ، والنص ، والدعوة ، والدولة .
فالوِرْد : استجابةٌ لفريضة الذكر ، التي تُطمئن الإنسان في داخله ، وما أحوج المسلم إليها : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد : 28 . وهي التي تُغذِّي الوجود الارتباطي للمسلم بربّه ، كما جاء في الحديث القدسي ، يقول تعالى : " وأنا معه " أي مع العبد " إذا ذكرني " أخرجه مسلم . وكم أعرضت الحركاتُ عن هذا الجانب وأهملته ، حتى خلت أفرادها في جفاف روحي مرعب ، وأصبح الواحد منهم لا يعدو أن يكون فرداً في حزب مادي أرضي .
والعهد : هو الالتزام الأفقي برباط الأخوَّة مع كل المسلمين دون استثناء ، امتثالاً لقول الله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات : 10 .
والنص : هو المنبع الثرُّ الفيَّاض الذي نَرِدُه ونصدر عنه في فكرنا وسلوكنا ، ولطالما أكد الفلاسفة على ضرورة وجود منهج حاكم يلائم الإنسان ، يجد فيه هذا الإنسان محاور ثابتة يدور في فلكها مفكراً ومنظراً : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) المائدة : 3 .
والدعوة : هي الحركة الحوارية التي ننصبها مع الناس كافة دون تحديد ، ونهيِّئ الظروف لتفاعلات القرائح والعقول ، ويُشترط فيها اللُّطفُ والحكمة والدعم بالعمل الصالح ، قال الله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) النحل : 125 ، وكما قال : ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ) فصلت : 33 .
والدولة : ما هي إلا ذاك التنظيم الراعي لحقوق الأفراد ، الصائنُ لها ، والمحافظ على ضمان حقوق الجماعة ، في مواجهة تطاول حقوق الأفراد ، وهي باختصار : المظهر الإسلامي للجماعة .
والدعوة بأشكالها الوفيرة هي السبيل لتحقيق الدولة ، فبعد أن يقوِّي الدعاة في نفوس الناس وعقولهم ضرورة برمجة أوضاعهم وفق الإسلام ، بالحجة والبحث والدراسة ، يسعى الدعاة والناس معاً إلى التغيير بالطريقة المناسبة ، مراعين أخلاق الإسلام القاضية بحفظ الدماء ، وصيانة الأرواح ، والابتعاد عن القتال ، ودخول عالم السلام .
والإسلام في فقهه لم يحدد صورةً معينة ملزمة ، بل حدد معايير ، ووضع محترزات : فلا ضرر ، ولا إثارة ، ولا قتلَ ، ولا اغتيال ، بل المطالبةُ وقولةُ حق لا يخاف معها قائلها في الله لومة لائم .
السمة السادسة : توصيف العدو الحقيقي والإعداد لجهاده :
أكد لنا التاريخ – مستقى تجاربنا ومحلُّ تحققات السنن والنواميس الإلهية - أن العدو الأكيد اليوم هو الصهيونية الماكرة ، والصليبية الحاقدة ، والإلحادية المعتدية الآثمة . وإذا ما أردنا رسم خريطة المحاور المعادية لنا في البداية ، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، نرى اليهود الماكرين في المدينة المنورة ، الذين قاتلوا المسلمين وظاهروا عليهم ، والروم الحاقدين الذين قاتلوا المسلمين ومنعوهم من أن يمارسوا دعوتهم ، والفرس المعتدين الملحدين . وقد جهدوا في القضاء على المؤمنين خارجاً ، واستمر هذا الثالوث حتى وقتنا الراهن . فاليهودية الماكرة ورثتها الصهيونية التي اعتدت على البلاد والعباد ، وظلمتهم ، وأخذت حقوقهم . والروم الحاقدون ورثهم الصليبيون في حملات الأمس على الشرق والغرب الإسلامي ، وحملاتهم اليوم تتابع هنا وهناك في أراضي العرب والمسلمين من عراق تجلى فيه الاحتلال إلى غيره حيث الاحتلال خفي مضمر لكنه أدهى وأمر .
إذاً ، فالإعداد للمواجهة أمرٌ واجبٌ علينا ، وفريضةٌ ملقاة على عاتقنا ، لا عدول لنا عنه ، ولا إهمال منا له ، لا سيما وأن أمامنا معركة حاسمة مع الصهيونية ، حسب ما جاء في الحديث الشريف : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى إن اليهودي ليختبئ وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر والشجر : يامسلم ، ياعبد الله ، هذا يهودي خلفي ، فتعال فاقتله " أخرجه مسلم .
وحين نتحدث عن الإعداد للجهاد ، فلنضع في أذهاننا أن هذا إنما يتم عن طريق الدولة المسلمة ، أو الاتحاد الدولي الإسلامي ، الذي يجمع شتات دويلات العالم الإسلامي ، والدول القائمة اليوم في عالمنا العربي والإسلامي عليها أن تفصح عن رأيها في هذا الأمر ، وأن تناقشه مع شعوبها بحرية ، ونحن نقول لقادة الحركات : اسعوا للحوار باسم الشعوب مع القائمين على الحكم ، ولا تخافوا في الله لومة لائم ، والحوار هو الدعوة دون القتال ، وإنما القتال في مواجهة العدو الذي حددناه . واصبروا ايها الدعاة على قولةالحق ، وأمِّنوا الحكام على كراسيِّهم ، فلسنا بالراغبين فيها ، وإنما الذي نبغيه أن نقول ما نعتقد ، وعلى الشعب – بعد أن ساهم المساهمة الفعَّالة في تكوين الرأي العام – أن يختار الذي يريد ، وبعدها إن لم تفعل الحكومات هذا الذي نقول ، فـ " على نفسها جنت براقش " .
السمة السابعة : الطرحُ الحضاري للإسلام :
مشكلتنا أنّنا لم نطرح إسلام الإنسان بشكل عام .
بل إن الجماعات جهدت في طرح إسلام الحكم والسياسة فقط ، وهذا الذي أوجد جفوة من الشعوب الغربية ، وكأنهم يقولون : نحن لسنا بحاجة إلى نظام سياسي نستورده ، ولكننا بحاجة إلى نظام متكامل نتبناه ، فهل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟
وأذكر أيُّها الأخوة أنه في عام 1972 أو 1973م ، يوم جاء مالك بن نبي رحمه الله إلى دمشق ، وألقى محاضرته في رابطة الحقوقيين تحت عنوان : " دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين " ، حدثنا فقال : يوم كتب سيد قطب رحمه الله كتابه " نحو مجتمع إسلامي " ، خاطبه مالك فقال له : اجعل العنوان " نحو مجتمع إسلامي متحضر " فإن الغرب أضحى مادياً حتى في سماع كلماته . فهل من شيء آخر في إسلامنا نطرحه عليهم ونقدمه إليهم ؟
فلنطرح إسلام المعرفة ، إسلام الاجتماع ، إسلام القيم ، إسلام التصنيع ، إسلام الزراعة ، إسلام الاكتفاء الذاتي ، إسلام التنقيب والتقنية ، إسلام الأخلاق والفضيلة ، إسلاماً نصوغه مذكرةً تفسيرية لقانون الإنسان في كل أحواله .
فحيَّهلا بكل باحث ، ومرحباً بكل كاتب وناقد ، يحقق جميعهم هدف الإسلام في الإنسان ، ولنقدم للناس حاكميَّة القيم الخيّرة على السلوكيات من خلال إسلامنا ، ولنقدِّم له حاكمية الله المحددة بالنفع العام على كل العلم واكتشافاته .
السمة الثامنة :
وقد أفردت هذا تحت سمة خاصة وعنونتُه بـ :
الحسم الإيجابي لقضية الخلاف بين السنة والشيعة :
أفردت هذا تحت سمة خاصة لما للأمر من أهمية ، فأنا أخشى من الوحدة المطروحة أن يفهمها السني مع جماعته ، والشيعي مع جماعته ، دون أن يفكر الطرفان بضرورتها فيما بينهم ، إذ العلاقات لا زالت على أرضية غير مستقرة : فمن عداوة تظهر بينهما في مكان ، على مجاملة تتراءى في مجال آخر لا تقدم ، إن لم أقل : إنها تؤخر ، ومن مؤتمر ينفضُّ عن رفض من كل للآخر ، إلى مؤتمر يخلِّف توصيات وحدوية لا تتجاوز الحبر على الورق ، أو الصوت في الهواء .
فإذا كان الشيعة مسلمين في نظر السنة : وليحدد السنة موقفهم ، وكذلك السنة في نظر الشيعة : وليحدد الشيعة موقفهم ، إذاً ، فليكن التداخل قائماً بينهم ، ليصار على تقديم الفئتين معاً في صياغة واحدة عامة ، وعلى العالم والمفكر السني ألا يستبعد مفردات الشيعي من أن تدخل كتاباته ، وكذلك العالم والمفكر الشيعي من أن تدخل مفردات أهل السنة مواضيعه ، وقد قال كاتبٌ صحفي أميركي في الواشنطن بوست في عام 1984 : " نحن نخشى من اجتماع سياسة الشيعة وأخلاق السنة " . فهل يستعدُّ العالم الإسلامي ، سنيُّه وشيعيُّه ، لتجاوز الخلاف المفرِّق إلى لقاء ضمن ساحة واسعة تضمهما معاً ؟
أملي أن نحسم قبل أن يُحسم علينا ، إن لم نقل : قبل أن نحسَم في وجودنا .

ورقة العمل :
هنالك ورقة عمل ، أحببت أن أذكرها في نهاية بحثي ، أرجو أن تكون محل مناقشة وحوار .
1- المنطلقات :
أ – شريعةُ الله حاكمة ، والإسلام بكتابه العظيم وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يمثلها .
ب- الإسلام عامٌّ تامٌّ في كلِّ تشريع ، فلا نظير له ، وشاملٌ لكل صُعُد الحياة ومجالاتها ، سواء أكانت فردية أم اجتماعية .
ج- لا تفريق بين مذهب وآخر ، إنْ في ميدان العقيدة ، أو في ميدان التشريع والأخلاق ما دام المذهب يعتمد الأسس المنطقية الشرعية في الاستنباط والاستخراج .
د- مراعاةُ الزمان والمكان في استصدار الأحكام من النصوص ، للوقائع المستحدثة والقضايا المستجدة .
2- الوسائل :
أ – الإيمان العميق بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى .
ب- العلم الموثَّق والمحقق : فالتوثيق في ميدان النقل ، والتحقيق في ميدان العقل .
ج- الذكر الذي يُبقي القلب في حال تيقُّظ ومراقبة لله عز وجل .
د- الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، واتخاذ الإجراءات الممهّدة لها والمعززة لاستمرارها ، من تعاون ، واعتصام ، وبث روح الجماعة ومقوماتها في القائمين بها .
هـ- الأخوَّة منهجنا لتحقيق هذا ، واعتماد النصيحة والمحبة جناحين أساسيين لها ، انطلاقاً من العهد الذي نوثّقه بالمعاهدة بيننا .
3- الغايات :
أ – التحقق بالعبودية ، بامتثال الأوامر واجتناب النّواهي .
ب- إقامة شرع الله جلّت قدرته في الأرض ، وتطبيق أحكامه في الفرد ، والأسرة ، والجماعة والمجتمع ، والدولة .
4- الهدف :
السَّعيُ إلى نيل مرضاة الله ، المتمثلة بنجاتنا من النار وعذابها ، ودخولنا الجنة مع الأمل الكبير بالله عز وجل أن يزيدنا إكراماً ، بالنظر إلى وجهه الكريم جل شأنه وعزت قدرته .

والحمد لله رب العالمين

التعليقات

شاركنا بتعليق