آخر تحديث: السبت 29 فبراير 2020
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً

وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً

تاريخ الإضافة: | عدد المشاهدات: 3855

بدأنا منذ أكثر من أسبوع الحديث في اللطيفة القرآنية حول قوله تعالى:  ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً * وقل ربّ أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً * وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً الإسراء: 79-81.

وقد فسّرنا فيما مضى، أو أعطينا ظلالاً من بعض دلالات الآيتين الأوليين. فتكلمنا أولاً عن قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً. ثم تكلمنا عن قوله تعالى: ﴿وقل ربّ أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.

ونصل اليوم إلى قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً.

ذكرنا في الأسبوع الماضي أنّ مدخل الصدق أن تدخل كل أمر تود الدخول فيه بكفاءة مناسبة له ومشروعة. وأنّ مخرج الصدق أن تخرج من هذا الأمر بثمرته المرجوة منه. فإذا رأينا إنساناً يدخل المسجد فسألناه: ما الذي تريد ؟ فقال: أريد الصلاة. فإن كان مستعداً للصلاة الاستعداد المشروع لها من نظافة وطهارة وحضور قلب وإخلاص نية فقد دخل إلى الصلاة مدخل صدق، وهو جدير بأن يخرج منها بالقبول من الله تعالى، وأن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهو مخرج الصدق من الصلاة.

وهكذا يجب أن يكون الإنسان في كل أموره، يدخل إليها مدخل صدق ويخرج منها مخرج صدق. حتى القبر... على الإنسان أن يدخله مدخل صدق ليخرج منه مخرج صدق ناجياً من العذاب.

ونعود إلى الآية موضوع هذا الأسبوع، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل مكة فاتحاً، دخل المسجد الحرام وبيده عود، فجعل يطعن بهذا العود في الأصنام التي كانت منصوبة حول الكعبة، وهو يردد قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً. وفي رواية أن تلك الأصنام جعلت تتهاوى وتسقط على رؤوسها عندما يطعنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك العود، إلا صنم خزاعة الذي كان على ظهر الكعبة، فقد رفع رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً كرم الله وجهه إليه فأرداه فحطمه.

لقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمور حياته كلها مدخل صدق وخرج منها مخرج صدق، ويضرب لنا الله تعالى مثالاً على ذلك الهجرة، إذ أعد لها كل ما ينبغي إعداده، فخرج منها مخرج صدق فعاد إلى مكة فاتحاً.

من دخل مدخل صدق خرج مخرج صدق... لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مهاجراً ودخل المدينة مدخل صدق، فكانت النتيجة أنه خرج من هجرته مخرج صدق إذ دخل مكة فاتحاً منتصراً.

هذا هو المثال الذي يضربه لنا الحق سبحانه وتعالى عمن دخل في حياته كلها مدخل صدق وخرج مخرج صدق.

وهنا نطرح سؤالاً: لم قال الله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل، ولم يقل: جاء الحق وذهب الباطل ؟

وجواباً على هذا السؤال أقول: إن الحق والباطل ليسا شيئين متقابلين. لا وجود لشيئين متصارعين أحدهما الحق والآخر هو الباطل. فالموجود هو الحق، والباطل لا وجود له، فالباطل هو غياب الحق.... وعندما يعود الحق يزهق الباطل. والزهوق هو التلاشي.

هل للسراب وجود ؟ لا. ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً النور: 39. وكذلك الباطل لا وجود له. فالأصل في الوجود الحق، ونسبة الباطل إلى الحق كنسبة الصنم إلى المعبود الحق. صحيح أن الصنم موجود بحسب الظاهر، لكنه في وجوده وتشخّصه هذا أضعف مما لو لم يكن مشخّصاً. فإن كان هناك شيء بحسب الظاهر... إن كان للصنم وجود بحسب الظاهر، فهو لا شيء في الحقيقة، وهو في وجوده هذا أضعف مما لو لم يكن موجوداً أصلاً.

أرأيتم لو أن الصنم لم يكن موجوداً بشكله هذا، ربما تخيلناه أكبر، فوجوده هذا يجعله أضعف، ونحن نشخص غير الموجود تشخيصاً ضعيفاً، وهذا التشخيص يجعله أضعف في ذهن المتلقي مما لو لم يشخّص. فالتشخيص للتقريب، وإن لم تكن الصورة موجودة، وانظروا إلى مثال ذلك في الحديث القدسي: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".

هل تنقص الإبرة إذا غُمست في ماء البحر ثم أخرجت منه ؟ أو هل ينقص البحر شيئاً إذا أدخلت الإبرة فيه ثم أخرجت ؟ لا... لن ينقص منهما شيء، ولكن هذه الصورة - صورة البحر والغبرة المغموسة فيه - تشخص الموقف، وتجعله أوضح في ذهن المتلقي وإن لم تكن صورة حقيقية.

لما رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العود وجعل يطعن في الأصنام فتتهاوى، كان كأنه يقول: الحق هو الموجود، والباطل صورة لا وجود له... ولعلكم تذكرون أننا تكلمنا في إحدى الخطب منذ بضع سنوات عن الصورة والحقيقة. وقلنا إن الصورة لا يمكن أن تقاوم - وإن كانت كبيرة - الحقيقة وإن كانت صغيرة. ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًً: لأن الحق هو الأصل والباطل لا وجود له.

نقول هذا للتنبيه على أمرين:

أولهما - كن مع الحق المطلق ولا تخش شيئاً.

ثانيهما - كن في حياتك كلها وجميع أمورك مع الحق النسبي ولا تتخاذل.

وإياك والباطل، فالباطل لا وجود له. وهذا ما تؤكده خاتمة الآية إذ يقول الله تعالى: ﴿إن الباطل كان زهوقاًً. فلم يكتفِ الله تعالى لبيان زهوق الباطل بأن يقول: ﴿وزهق الباطل بل أردف ذلك بقوله: ﴿إن الباطل كان زهوقاً، وهذا من باب ما يسمى - في البلاغة – (التذييل). ووظيفته أن يؤكد المعنى الذي سبقه.

فالباطل - من طبيعته - لا وجود له، والقرآن يقول: للمرة الثانية أذكركم أن الاضمحلال طبع الباطل، وإنما يأخذ وجوده من غياب الحق. كما قال الشاعر:

لما صار الوادي من السباع خالياً                    أصبح الثعلب فيه والياً

والباطل في ضعفه وفي نسبته إلى الحق أضعف من نسبة الثعلب إلى السبع، فمثله كمثل الغول. فهل للغول وجود ؟ لا.

الباطل وهم لا وجود له. وإياك أن تكون معه، فإن كان الكذب ينجي فإن الصدق أنجى، وإن كان الباطل يعطيك بعض الميزات أحياناً فإن الحق هو الباقي. ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين الحشر: 16. ﴿إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب البقرة: 166. ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعماله وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جارٌ لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب الأنفال: 48.

لقد كفّر الشيطان الناس ولكنه لم يكفر، بل استكبر، وهذا دليل على أن الكفر لا وجود له، وأن الباطل لا وجود له، وإنما هو غياب الحق.

فاللهم اجعلنا مع الحق وللحق.

التعليقات

شاركنا بتعليق