آخر تحديث: السبت 29 فبراير 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
من حقوق الطفل -1

من حقوق الطفل -1

تاريخ الإضافة: 2009/04/24 | عدد المشاهدات: 2656

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

يقال للإنسان هل تهتم بالمستقبل ؟ الجواب: لا شك في أن جلَّ اهتمامنا ينبغي أن ينصبَّ على المستقبل، لكننا إن سألنا هذا الإنسان الذي يهتم بالمستقبل: ما المستقبل عندك ؟ سُئلت هذا السؤال فأجبت: المستقبل هو الطفل، أطفالنا هم مستقبلنا، أتريدون أن نتعرف على مستقبلنا وملامحه، فانظروا أطفالكم وعلاقتكم ورعايتَكم أطفالكم، أتريدون أن تنظروا إلى المستقبل نظرة أكيدة ونظرة ثاقبة، فانظروا أطفالكم وواقعكم والتربية الموجهة إليهم وما إلى ذلك، وإذا كان الطفل هو المستقبل، وإذا كان المستقبل هو الطفل، فهل قدَّمنا على مستوى الآباء والأمهات والمسؤولين عن التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية والعمل والاقتصاد والإعلام والثقافة والأوقاف، هل قدمنا في بناء طفلنا الذي سيكون فيما بعد مستقبلنا ؟ هل فكّرنا بطفلنا وما سيؤول إليه لأنه مستقبلنا الذي ينتظرنا ؟ هل فكَّرنا برسم جسور لهذا الطفل ولكيفية التعامل معه ولكيفية التقديم له من أجل أن نكون أمام أنفسنا وأمام الآخرين قائمين بمسؤولياتنا ؟ لا أريد أن أتحدث كثيراً عن هذه النقطة لأنني أعتقد أنني استطعت إلى حدٍ ما أن أوصلها إليكم.

للطفل حقوق، ولقد قام أحد الأساتذة الأفاضل بإلقاء محاضرة في جامعة حلب عن حقوق الطفل وعن مشروع قانون لحقوق الطفل، وقلت لإخوة معنا نتمنى أن يكون هناك قانون لحقوق الطفل وأن يكون هذا القانون صادراً عن جهة تستشعر مسؤوليتها الجادة عن الطفل وعن الأطفال، وصادراً عن جهة تستشعر واجبها وتستشعر مسؤوليتها وتستشعر دينها وتستشعر عروبتها وتستشعر كل شيء يحركها من أجل أن يكون المجتمع الذي نعيش فيه حافلاً، وأن يكون المستقبل ناجحاً فالحاً على مستويي الدنيا والآخرة، لذلك قررت اليوم أن أنقل لكم ما كنت قد كلمت به إخوة لنا في الجامعة هنا وعبر الوسائل الإعلامية الأخرى.

استشعروا مسؤوليتكم عن هذه الشريحة ولا أخاطب الآباء فقط وإن كانوا معنيين في الدرجة الأولى، لكنني أخاطب الآباء والمدراء وكل أولئك الذين تتوجه إليهم الأسئلة من خلال كونهم مسؤولين عن هذه الشريحة الخيّرة المعطاءة، الشريحة المنتظرة، شريحة الأطفال، قرأت قوله تعالى وكلكم تقرؤون هذه الآية: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ووقفت مليّاً عند قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ فهل نحن نقوم بالتوصية لأبنائنا وأطفالنا أم أننا لا نعتبر هذه الأمر الذي ذكرته في كلامنا: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ فاستشعروا مسؤوليتكم عن أطفالكم، ويا إخوتي: اسمعوا مني حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرويه النسائي: (إن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيّع) والويل لمن أنيطت به مسؤولية الرعاية للأطفال وضّيع هذه المسؤولية، لأنه بتضييعه هذه المسؤولية يضّيع مسؤولية الحاضر ومسؤولية المستقبل، فيا أيها الآباء ويا أيها المسؤولون في رياض الأطفال وفي المساجد في كل البقاع وكل المساحات التي يكون هنالك فيها أطفال وأبناء، ولا فرق بين طفل وطفل بالنسبة لمسؤليتنا عنه، طفلك هو طفلي وطفلي هو طفلك، وطفل جارنا طفلنا وطفلٌ في المدرسة هنا في جانب الجامع هو طفلنا لا فرق بالشعور بالمسؤولية عن طفلي بشكلٍ مباشر أو عن طفلٍ آخر لأن النتيجة هي أن الأطفال هؤلاء هم أطفالنا وهم مستقبلنا جميعاً.

فيا أيها الآباء، يا أيها المسؤولون إليكم حقوق الطفل كما قرأتها، صحيحٌ أنني لا يمكن أن أقول بأنني جمعتها كلها أو حصرتها أو تقصَّيتها لكنني ما أعتقد أنني إن تركت أمراً فإن هذا الأمر يمكن أن يكون مشمولاً تحت هذه الحقوق التي سأذكرها عليكم اليوم، وفي الجمعة القادمة إن شاء الله.

الحق الأول للطفل: عليك أن تختار له أماً صالحة، وأريد أن أطرح السؤال المنبثق عن هذا التقرير، وأريد أن أسائل أنفسنا أن أسائل مجتمعنا، هل نحن نقوم بالسؤال عن الأسرة الصالحة ناظرين إلى الطفل الذي سيكون من أجل أن يكون طفلاً سعيداً مُسعِداً في مجتمعه الذي نعيش فيه، أم أن معيارنا في اختيار هذه الأم لهذا الطفل لا يُراعى فيه معيار الصلاح ومعيار التقوى، بل إننا نراعي اليوم معيار الجمال والشكل والمادة لا أكثر ولا أقل، ولذلك فنحن خائفون من مستقبلٍ مادي طاغٍ وهذا ما نراه وللأسف الشديد، انتحارات، وعدم أمن، وضياع للحقوق، وقتل، وسلب، وتشريد، وأنتم ترون ذلك ونحن نرى ذلك وهذا ما نعيشه في مجتمعنا وذلك بما كسبت أيدينا ويعفُ عن كثير، يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الدارقطني: (اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي ابن عدي بسندٍ حسن: (تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن). حقٌ أول للطفل عليك أن تختار له الأم الصالحة العفيفة الطاهرة الراحمة، الأم التي تسعى من أجل أن تكون أماً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، رعاية وعناية وحباً ووفاءً ووداً واحتضاناً ورحمة وسمِّ كل الصفات التي يجب أن تصبَّ في مَصبِّ هذه الأم.

الحق الثاني: أنفقوا عليهم بسخاء وعلموهم أثناء الإنفاق عدم الإسراف، انفقوا عليهم حتى تُروهم ويروا منكم أنكم لستم مقصرين في الميدان المادي لأن آباءً كثيرين غدوا بالنسبة لأولادهم موجهين في المجالات المجانية حتى إذا اقتضى التوجيه عطاءً مادياً رأيت بعض الآباء يعرضون عن هذا الأمر إعراضاً رائحته البخل والشح، أنفقوا عليهم بسخاء ولا تفهموا أنني حينما أقول أنفقوا عليهم بسخاء أن تعطوهم أموالاً من أجل أن يستهلكوها فيما لا طائل منه، لا، أنفقوا عليهم بسخاء من أجل أن يتعلموا، أنفقوا عليهم بسخاء من أجل أن يكونوا شجعاناً، أنفقوا عليهم بسخاء من أجل أن يكونوا علماء، أنفقوا عليهم بسخاء هذا الإنفاق بسخاء ينبغي أن يكون من أجل تنمية الصفات التي نريد أن تكون صفاتهم وأن تكون سماتهم وأن تكون أخلاقهم، أنفقوا عليهم ليتحققوا بما توجهونه إليهم من صفات معنوية مطلوبة على المستوى الشبابي والطفولة والرجولة وعلى مستوى الحياة ومستوى الآخرة، وقد قلت لكم في خطبة سابقة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم يقول فيه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينارٌ تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك) وهنا تحضرني ملاحظة، أقول لإخوتنا القضاة الشرعيون، أو في القضاء أقول لهم: إنكم تقضون أحياناً بنفقة قليلة على أولاد رجلٍ طلِّقت أمهم، النفقة قليلة ولا تتناسب والحياة ولذلك أقول أنفقوا بسخاء وافرضوا على آبائهم نفقة تكفيهم ولا تجعلوهم وهم يعيشون مع أمهم وفي كنف أمهم يستشعرون الشح من آبائهم الذين يريدون أن ينتقموا من أمهم على حسابهم، ولا تشعروهم بنبذ المجتمع لهم من خلال القانون ومن خلال القضاء، النفقة التي تفرض للأولاد عندما تكون أمهم مطلقة أو عندما يكون الطلاق نتيجة عدم اتفاق بين الزوجين أو عدم تفاهم فإن النفقة التي تفرض للأولاد قليلة، فيا أيها المعنيون بالأمر أعيدوا النظر في هذه القضية، أنفقوا على أولادكم ونحن نقول لوزارة التربية ووزارة الإعلام ووزارة الثقافة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ارفعوا من مستوى موازنات المدارس والمعاهد والجامعات والكليات والمدارس التي تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة والمدارس، التي تُعنى بالأيتام، ارفعوا موازناتها من أجل أن تنفقوا على هؤلاء بسخاء، مدارسنا لا تقدم ما يكفي حاجات الطلاب المادية، وقد سمعت كثيراً من أبنائنا من طلابنا في مدارسنا أنهم في الشتاء يضربهم البرد القارس ويعيشون من غير دفء مادي، ولذلك يفقدون الدفء المادي والدفء المعنوي، فالأستاذ قاسٍ والجو باردٌ قارس، وفي أيام الصيف الجو حارٌ وهكذا دواليك... ينبغي أن نعتمد موازناتٍ أكثر بكثير مما هي عليه الآن بالنسبة لمدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا ولا سيما المدارس الابتدائية والمدارس التي تقوم برعاية الأطفال وتسمى رياض الأطفال. وصية هامة أريد أن نلتفت إليها.

الحق الثالث: عليكم أيها المسؤولون عن الطفل أن تقووا في الطفل صلته بربه، وهذه التقوية تجعله شجاعاً تجعله يتحدى كل السفاسف التي يمكن أن تقف أمامه حجر عثرة، قووا صلته بربه إيماناً ومحبة وعبادة، ما أجمل هذا الحديث الذي نكرره باستمرار: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك) اجعلوا من أطفالنا أقوياء في مواجهة التحديات التي تريد منهم أخلاقهم ودينهم وعروبتهم ووطنيتهم، اجعلوا منهم مواجهين أوفياء لكل هذه التحديات التي تريد أن تردي أخلاقهم قتيلة والتي تريد أن تردي دينهم قتيلاً أمامهم جثة هامدة لا حراك فيها، قووا صلتهم بربهم إيماناً ومحبة وعبادة حتى تحصدوا أطفالاً أقوياء: (إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، سمعتم هذا الحديث مئات المرات ولا ضير أن تسمعوه مرات أخرى أكثر وأكثر، وأن تسمعوه أطفالكم لأننا نريد طفلاً ورجلاً وشاباً ومراهقاً ويافعاً ومسنّاً يرتبط بربه ويستمد منه القوة والاقتدار على مواجهة الحياة وصعوباتها المتنوعة المتعددة وألا ينكسر أمام أي تحدٍّ يعترضه في هذه الحياة لأننا كثر فينا الخوف وكثر فينا القهر فهلا من رجعة إلى إنسانٍ وإلى طفلٍ وإلى شابٍ قوي يتحدى كل الانكسارات التي يمكن أن تواجهه في مختلف شؤون الحياة.

الحق الرابع: أدِّبوهم بكل ما تستشعر هذه الكلمة من وسائل تربوية، أدبوهم على الخلق الحسن، أدبوهم على محبة نبينا أدبوهم على محبة آل بيت نبينا، أدبوهم على تلاوة القرآن وعلى الارتباط بالقرآن، أدبوهم على الخُلق الحسن، وأهم هذه الأخلاق حتى نحدد الأمر والتحديد للأمر يسهِّل تطبيقه، أهم هذه الأخلاق التي أريد أن نتوجه بها إلى أطفالنا تعليماً وتطبيقاً من أجل أن يقتدوا بها وتأديباً من أجل أن يتأدبوا بها أهم هذه الأخلاق ثلاثة أخلاق هي: الصدق والأمانة والحياء، تصوروا أطفالاً يرتدون جلباب الصدق والأمانة والحياء، إذا كان أطفالنا يرتدون هذا الجلباب فاعلموا أن مستقبلنا بألف ألف خير ولكن أطفالنا إن لم يرتدوا هذا الجلباب لبساً صادقاً ولبوساً حكيماً ومُحكماً فستكون النهاية كما نرى قتلاً وسفكاً وتشريداً، وجريمة تقع هنا، وجريمة تقع هناك، وهكذا دواليك، علموا أطفالكم من خلال الحال والقال الصدق والأمانة والحياء، ضعوها عناوين في أذهانكم من أجل أن تكون سحابات تُستمطر في كل آن وفي كل حين وفي كل وقت وفي كل ساعة.

الصدق والأمانة والحياء يا أيها الناس لأطفالنا لشبابنا لرجالنا لكننا إن لم نقم برصف هذه الصفات بالحال والقال في سن الطفولة فلن نستطيع بعد ذلك أن نجعل أبناءنا الذين بلغوا من العمر شباباً أن يتحلوا بهذه الصفات تحلياً صحيحاً قوياً محكماً.

هذه بعض الحقوق سنكملها في الأسبوع القادم إن شاء الله، أملي أن يكون ذلك الذي نتحدث به مرسوماً في أذهاننا، ماثلاً أمام أعيننا، ورقة عمل نضعها بجانبنا هنا في مكتبنا في متاجرنا في بيتنا ولا أعني بالورقة أن تكون مكتوبة، ولكن أقصد بالورقة أن يكون ذلك مكتوباً على صفحات عقلنا وتفكيرنا وأن يكون ذلك ديدننا، وأن يكون ذلك حالنا الذي ينتظم في كل وقت وفي كل حين، سنكمل تلك الحقوق في الأسبوع القادم إن شاء الله، وأرجو الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نرعى هذه الشريحة الأهم في حياتنا شريحة الأولاد، فاللهم وفقنا من أجل أن نقوم بواجباتنا حيال هذه الشريحة حيال الطفل بشكل عام إنك على ما تشاء قدير، نعم من يسأل ربنا، ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 24/4/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق