آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
في يوم المعلم: أخلاق طلاب العلم

في يوم المعلم: أخلاق طلاب العلم

تاريخ الإضافة: 2010/03/19 | عدد المشاهدات: 3474

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

يعلم كثيرٌ منكم أن يوم أمس كان يوم المعلم، وأغلبنا بالنسبة للعلم غدا غير مقدِّر، بل إن كلمة المعلم صارت في أذهاننا مهنة متدنية، والدليل على ذلك إن ذُكر عندك مصطلح المعلم لم تأبه له، وإن سمعت من ولدك أنه يريد أن يكون في المستقبل معلماً ما رضيت عنه، وحين يتنامى إلى ذهنك أو إلى سمعك أن فلاناً يُمدَح من غير أن تعرف صفته أو عمله فإن قيل لك بعد المدح إنه معلم وضعت المدح الذي قيل فيه في إطار ما يُسمى بالمدح الطفولي.

ما أظن أن أحداً منكم يخالفني هذا الذي أقول، عندما نحتفل بيوم المعلم فإننا نحتفل بالعلم، هذا هو المفروض، ولكن من منكم أنتم ومن منا يسعى اليوم يسعى لصفةٍ وقيمةٍ عليا هي العلم ؟ من منكم وضع في ذهنه حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أعني بالعلمِ العلمَ الشرعي، وإنما كل العلوم، من منكم وضع في ذهنه هذا الحديث الذي كررناه مراراً وتكراراً، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الطبراني: (إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم) من منكم ومن منا ؟

 يا أيها الناس نحن أمة لم يعد العلم عندها صفة راقية ولا سمة عالية، وبالتالي حدّثوا عن تخلفنا ولا حرج، وحدثوا عن انحطاطنا ولا حرج، وحدثوا عن ضعفنا ولا حرج، وحدثوا عن تفاهاتٍ تُزرَع بيننا وفينا منا من خلالنا ولا حرج، ذلك لأن النور اختفى والعلم نور، ذلك لأننا أصبحنا نعيش في ظلامٍ دامس، العلم كالشمس يكشف ما أمامك ومن أمامك، لا أريد أن أثبت الحاضر بسلبياته وسيئاته لكنني أدعوا طلاب العلم والمعلمين إلى التخلق بأخلاق العلم.

أول هذه الأخلاق: أن يحب طالب العلم، ومعلم العلمِ العلمَ وأن يقدّروه وأن يعظموه، وأن يجعلوه القيمة الأعلى والأغلى، وتقديس العلم وتعظيمه تطبيقٌ لقول الله عز وجل: ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ تطبيق لقول الله عز وجل بتعظيم شعائره، فالعلم شعيرة من شعائر الله ولولا العلم ما كنت مسلماً مقبول الإسلام، ولولا العلم ما كنت مؤمناً مقبول الإيمان، ولولا العلم ما كنت إنساناً تستحق لقب الإنسانية، لأن الإنسان بالعلم يستحق لقب الإنسانية، فعظّم العلم: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ سؤالٌ يحمل تقريراً بقوة، من منكم يقول يستوون ؟ لا يمكن لعاقل أن يقول بأن الذين يعلمون يستوون من الذين لا يعلمون، اسمعوا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن تحبوا العلم وتقدروه وتعدُّوه شرفاً مُنحتموه من قبل الله عز وجل: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) وفي رواية: (رضاً لطالب العلم) كما في سنن أبي داود، هذا خلقٌ أول، عظّم العلم وقدِّسه واعتبره القيمة الأعلى والأغلى في حياتك وإلا لن تكون على مستوى طلب العلم ولا على مستوى تعليم العلم.

الخلق الثاني يا طلاب العلم ويا معلمي العلم: الإخلاص في طلبه والإخلاص في بذله: (لا تعلموا العلم) هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح ابن حبان (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار) أي لا تتعلموه من أجل أن تُكرّموا في المجالس وأن تتخيروا المجالس التي تكرمكم والمجالس التي لا تكرمكم تبتعدون عنها بتقديركم أنتم على قياسكم وتوقعكم: (فمن فعل ذلك فالنار النار) أخلصوا في طلبه وبذله، أنت تتعلم أولاً لأنك مأمورٌ من قبل من خلقك بالتعلم: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ يحزنني أننا ندعي عندما يُتكلم معنا عن العلم يقول أحدنا صغيرنا وكبيرنا وأوسطنا نقول له بملء أفواهنا التي لا تدل على قلبٍ مليء وإنما تدل على فمٍ فقط قد امتلأ ادِّعاءاً من غير أن يكون له جذرٌ حقيقيٌ في القلب، نقول جميعاً نحن أمة (اقرأ)، نعم ربما كنا أمة (اقرأ) أما الآن فنحن أمة (اجهل ولا تقرأ)، لأنكم إن كنتم تقولون عن أنفسكم ونقول عن أنفسنا بأننا أمة اقرأ فأين القراءة وأين التعلم، و: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ؟ أين ما تعلمته هذا اليوم وأين هذا الذي تعلمته بالأمس ؟ وأين الذي تعلمته وأين حصيلة ما تعلمت في هذا الشهر ؟ ولا أقول عن علوم الدين والشريعة، أقول عن كل العلوم، أنت أيها الطبيب أين تحصيلك العلمي منذ شهر وإلى الآن ؟ وأنت أيها المهندس وأنت أيها التاجر وأنت أيها الإداري، أين تعلمك ما يلزمك في عملك، كما قلنا منذ فترة غير وجيزة ومنذ فترة وجيزة أيضاً بأنه على التاجر أن يتعلم علم التجارة وعليه أن يتعلم من دينه الأحكام التي تلزمه في تجارته، وعلى الطبيب أن يتعلم وأن يحصّل باستمرار علوم الطب وأن يتعلم من دينه الأحكام التي تلزمه في طبه وهكذا دواليك.

الخلق الثالث: على طالب العلم وعلى معلم العلم أن يضع المصلحة العامة أمام عينيه، فأنت من خلال علمك عليك أن تخدم المصلحة العامة، كأن كثيراً ممن يتعلم اليوم يريد أن يخدم بعلمه مصالحه الخاصة وأن يخدم جماعته الخاصين وألا يسخر هذا العلم ليكون في خدمة الإنسان، والله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً﴾ لا تجعل علمك دفاعاً عن الخائنين، اليوم يتعلم من يتعلم منا إلا من رحم الله من أجل أن يكون في خدمة الخيانة، من أجل أن يكون في خدمة الشر، من أجل أن يكون في خدمة الفساد، من أجل أن يكون في خدمة الدمار، من أجل أن يكون في خدمة الضياع، من أجل أن يكون في خدمة العدو من حيث يدري أو لا يدري، من أجل أن يسخّر علمه للمهادنة مع عدوٍ شرس، من أجل أن يسخر علمه ليغير معالم الإنسان هذا الذي خلقه الله عز وجل على أحسن صورة فهو يريد بالعلم أن يجعل الإنسان في أسفل سافلين على عكس ما أرد الله عز وجل لهذا الإنسان.

"ما أكثر الأشجار - كما نُقل عن سيدنا عيسى عليه السلام - وليس كلها بمثمر، وما أكثر الثمار وليس كلها بطيب، وما أكثر العلماء وليس كلهم بنافع".

نحن نريد عالماً وطالب علم ينفع الناس، يقدّم للناس خيراً، يجهد في أن يكون في خدمة بلده في خدمة العباد في خدمة الإنسان، وها نحن اليوم نُقر ونعترف بأننا جاهلون، وأن ثمة فئة تتعلم ولكنها تسخِّر علمها في خدمة الشر، هذه الفئة هي الصهيونية المجرمة ومن عاونها وساعدها، وهم بحاجة إلى أن يُوَاجهوا بعلماء يستخدمون علمهم في الخير، أما أن يواجهوا بفئات تدعي العلم أو بفئات جاهلة تملك عاطفة إيمانية فقط فهذا لا يكفي، إسرائيل تشتغل بعلم في خدمة الشر فأين من يواجهها ليشتغل بعلمٍ في خدمة الخير ؟ فإذا ما واجهها وعلينا أن نسعى لذلك وإلا فالنتيجة ستكون في النهاية أنكم اليوم تشاهدون المسجد الأقصى وسيأتي يوم إن بقينا على هذا الشأن لن يكون للمسجد الأقصى وجود شئتم أم أبيتم، ولا يمكن لأحدنا أن يقول بأن هذا أمرٌ غير معقول، وسيكون هذا الأمر معقولاً إذا ما بقينا على هذه الحال التي نحن عليها، القضية واضحة: أناسٌ يخدمون الشر بعلم، وأناس أمامهم يحبون الخير لكنهم لا يعلمون ولا يشتغلون بالعلم، أناسٌ يدّعون حب الخير في أحسن أحوالهم إلا من رحم الله ولا علم عندهم، عندهم كلام، عندهم مؤتمرات، عندهم اجتماعات، عندهم أحزاب، عندهم فصائل، فإذا ما علموا سخروا علمهم للأسف الشديد للتناحر فيما بينهم. إسرائيل الآن تنذركم بفعلها فهل من مدّكر فيكم من أجل أن يواجهها بعلمٍ أكيد يضعه في خدمة الخير والحق والعدالة والسلام الذي يعني العدل والأمان على مستوى الإنسان في كل الأرض التي نعيش عليها، هذا ما يجب أن يتخلق به طالب العلم ومعلم العلم.

الخلق الرابع أخيراً: الالتزام بما يرشد إليه العلم، هناك فرق بين إنسان يريد أن يكون بعلمه في خدمة عاداته وموروثاته فهذا لن يكون متمتعاً بالخلق المطلوب لطالب العلم ومعلم العلم، وهنالك إنسان يتعلم ويجعل علمه في خدمة ما يوصله إليه العلم، تعال على أساس من علم والذي نصل إليه عبر قناة العلم سنتبناه، هذه هي أخلاق العلماء، لكننا اليوم وأنا أتكلم على مجال العلوم الدينية على سبيل المثال، فإننا لا نلتزم بما يرشد إليه العلم، وإنما نريد حينما نتعلم وهذا ما نحياه ونعيشه اليوم نريد مما نتعلم أن يكون هذا الذي نتعلم في خدمة ما رسخ في أذهاننا نتيجة الاعتياد ونتيجة الميراث نريد أن يكون هذا الذي نتعلم في خدمة العادات في خدمة الموروث، نحن لا نتناقش مع بعضنا على أساس وهذا هو الصحيح وهذا هو ما يجب علينا على أساس أن نتبنى ما نصل إليه بعلمنا، أقول لإنسانٍ ما على سبيل المثال: إن هذا الأمر مباح، يقول لي: وكيف ذلك وأنا أعلم بأنه حرام ؟ كيف تعلم بأنه حرام هل درست ؟ يقول لي: لا، بل سمعت، أقول له: أنا درست هذا الأمر وأشبعتُه دراسةً، والدليل على ذلك أولاً وثانياً وثالثاً... ووصلت عبر قناة العلم المُوثَّق والمحقَّق أن هذا الأمر مباح، وإذ به يقول لي: أنا لا أقبل بهذا الكلام سآتيك بما يدل على أن كلامك غير صحيح ويذهب ويتعلم لا من أجل أن يتبنى ما يدل عليه العلم ويرشد إليه العلم، ولكن من أجل أن يُبرِّر ما كان قد اعتقده أو اعتاد عليه، ومن أجل أن يردَّ ولو كان يعلم حينما كلمته أن ما كلمته به هو الحق وظهر ذلك عنده لكنه لن ينصاع، وإنما يريد للعلم أن يكون في خدمة التعصب والرأي السابق والرأي الذي بُنِيَ على عادة، والرأي الذي بني على تناقل: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾، هكذا تسخّر العلوم لا سيما الدينية في وقتنا الراهن.

لا يا طلاب العلم بالنسبة لكل العلوم، خُلُق العالم يتجلى في أن يتنبنى الذي يرشد إليه العلم والذي يوصل إليه العلم وإلا فلا يمكن لهذا الذي يجاهد في أن يكون علمه في خدمة عاداته وما ورثه عن آبائه لا يمكن أن يسمى هذا الطالب بطالب علم ولا يمكن أن يسمى هذا الذي يعلّم الناس العلم بهذه الطريقة معلم: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ وصلت بعلمك إلى أن هذا الأمر كذا وكذا، فلماذا لا تفعل هذا الذي أوصلك إليه العلم: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ ؟

قرأتُ عبارةً مروية عن أبي الدرداء يقول: "ويلٌ للذي لا يعلم مرة، وويلٌ للذي يعلم ولا يعمل بما علم - بما وصل إليه علمه - سبع مرات".

ونحن أحد هذين الرجلين إما غير عالم فله الويل، وإلا عالم - إلا من رحم الله، ودائماً أستثني - لا يعمل بما وصل إليه علمه، يخاف أن يُتهم بكذا من هذا، أو من هذه الجهة، ويخاف أن يتهم من هذه الجهة بكذا، ولذلك يبقى مخالفاً لعلمه ولدلالات علمه ولما وصل إليه علمه، وحسبه أنه يوافق هؤلاء عن جهلٍ وعن مخالفة للعلم من أجل أن يَسلم من ألسنتهم، لأن ألسنتنا أَبحناها للشتم والنقد اللاذع السلبي والسباب، أبحناها إلى كل من يريد أن يعمل بما عمل، وأن يطبّق الذي وصل إليه عبر علمه ومعرفته واطّلاعه، وهذا لا يجوز.

لطلاب العلم أخلاق، ولمعلمي العلم أخلاق، فيا أيها الطلاب ويا أيها المعلمون: علينا أن نتخلق بأخلاق طلاب العلم، أن نحب العلم وأن نعظمه، أن نخلص في طلبه وفي بذله، أن نتوخَّى المصلحة العامة ونحن نتعلم، ثم بعد ذلك علينا أن نطبق هذا الذي أرشدنا إليه العلم، وأن نكون على صلة بالتعامل والتطبيق والفعل بما يدل عليه العلم وبما يوصل إليه العلم.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وأن يجعلنا ممن قال عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كفضل رسول الله على أدنى الصحابة رضي الله عنهم، فهيا للفضل يا من تبغون الفضل، وأسأل الله أن نُوفَّق لذلك، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 19/3/2010

التعليقات

أحمد

تاريخ :2010/03/21

بوركت أيها الفاضل الدكتور محمود عكام، فأنت اليوم شيخ المعلمين، يوماً بعد يوم يثبت لنا أن الله قد منحنا إياك، فكل عام، بل كل لحظة وأنت بخير يا شيخ المعلمين. تلميذك أحمد

شاركنا بتعليق