آخر تحديث: السبت 29 فبراير 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
التحضيرات المعنوية للحج

التحضيرات المعنوية للحج

تاريخ الإضافة: 2010/10/29 | عدد المشاهدات: 2770

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

قال لي أحد الإخوة: ها أنذا قد نويت الذهاب لأداء فريضة الحج، فهل ثمة تحضيرات قبل الذهاب حتى أقوم بها وأتخذها ؟ قلت له: لاشك في أن ثمة تحضيرات واستعدادات على الإنسان الذي يريد أن يقوم بأداء هذه الفريضة أن يسعى بها وأن ينفذها وأن يتحقق بها، التحضيرات نوعان: تحضيرات مادية، لا علاقة لي بها، وتحضيرات معنوية أدبية سلوكية أخلاقية وهي تلك التي أريد أن أحدثك عنها، وهو فعلاً، ولعله بينكم هو الذي رغب أن يكون هذا موضوع خطبة الجمعة.

من ابتغى منكم الحج هذا العام فبها ونعمت، ومن لم ييسر له الحج هذا العام علينا أن نتخذ هذه الاستعدادات لكل الأسفار التي نقوم بها، حتى ولو كنا سنسافر لقضاء عطلة للمتعة، للترويح عن النفس فهذه الاستعدادات وهذا ما يجب أن أقوله قبل أن أحدثكم عنها، هذه الاستعدادات لا تخص الحج فقط وإن كان فيها بعض الاستعدادات والتحضيرات تتعلق بشكل مباشر، لكنها بشكل عام تتعلق وترتبط وتنتاب كل أولئك الذين يريدون سفراً، وكل أولئك الذين يتوجهون ويغادرون بلادهم إلى بلد آخر على سبيل التسلية أو على سبيل التجارة أو على سبيل التعلم أو على أي سبيل مشروع آخر.

أيها الحاج أيها المسافر:

أول ما يجب عليك من هذه التحضيرات، أن تعلن التوبة لله عز وجل، حتى أنت أيها المسافر لذاك المكان من أجل تجارة أو سياحة أعلن التوبة قبل السفر لأن السفر مظنة خطر، وبالتالي تب إلى الله عز وجل قبل السفر وقبل المغادرة: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ أعلن التوبة بينك وبين ربك وقل يا رب أعاهدك على أن أتوب، أعاهدك على أن لا أعصيك حيثما كنت، أعاهدك على أن أشهدك لأن من شهد الله عز وجل ولأن من استشعر الشهود مع الله عز وجل لم تطوع له نفسه القرب من العصيان، هذا أول ما يجب من تحضيرات أيها الأخ الحاج أو أيها الأخ المسافر.

الأمر الثاني: أخلص النية لربك، (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) هكذا قال الله في الحديث القدسي كما جاء في صحيح الإمام مسلم، حتى وأنت تسافر للسياحة وللتجارة لتكن نيتك خالصة لوجه الله أي عندما تذهب للسياحة قل: اللهم إني أريد السياحة ترويحاً على نفسي حتى أستعين بعدها على قضاء ما يجب عليَّ أن أقوم به من عملٍ يرضيك عني. لا تجعل في داخلك إلا ربك، اجعل داخلك يسكنه ربك أيها الإنسان أيها المسافر أيها الحاج من باب أولى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن ابن ماجه لما حج، حج على رحلٍ رث - وسيلة عادية لا أكثر ولا أقل - وكان يلبس قطيفة تسوى أربعة دراهم ورفع يديه إلى ربه وقال: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة). ما أجمل أيها الحاج أن تذهب وأنت في الطريق وأنت قبل الطريق وأنت هناك ما أجمل أن تقول لربك: اللهم خلصني لك، اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة، اللهم إني أريد أن أحج ابتغاء مرضاتك، اللهم أنت الذي أتوجه إليه، أنت مقصودي ورضاك مطلوبي. إن الله يحب منكم أن تكونوا أوفياء له، والوفاء لله هو الإخلاص، من منا لا يحب الوفاء ؟ والوفاء مع الله أن تخلص لله، فأخلص النية (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

ثالثاً: أيها الأخ الحاج أيها الأخ المسافر، احرص على أن يكون المال الذي تحج به من حلال (إن الله تعالى - كما يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما جاء في صحيح الإمام مسلم - طيب لا يقبل إلا طيباً) من مال حلال، أناشدكم الله أيها التجار أيها الموظفون أناشد نفسي أن نتحرَّى الحلال في كسبنا أن تكون لقمتنا لقمة حلال لأننا بحاجة إلى أن نبني أطفالنا على الحلال، وإذا ما بنينا أطفالنا على الحلال حقق الله مآربنا التي نبتغيها من نصر على أعدائنا ومن استعلاءٍ بحق في الأرض، أناشدكم الله أيها الموظفون أيها الأطباء أيها الجنود أيها العسكر أيها القضاة أيها المحامون أيها الشيوخ أن تتحرّوا الحلال في كسبكم وهذا سينعكس على مستقبلنا على أولادنا، لعل أولادنا اليوم لا نلمح فيهم - اللهم إني لا أعمم - هذا الذي نريد أن يكون فيهم من اطمئنان للمستقبل القادم، لعل سبب ذلك هو أننا نقصّر في التحري من أجل أن نطعمهم من الحلال الخالص، اطعموا أولادكم حلالاً طيباً خالصاً، وكما تحرصون على بناء أجسام أولادكم بناءً صحياً فاحرصوا على أن يكون هذا البناء من حلال، فاحرصوا على أن تكون هذه الصحة وهذه العافية التي تبتغونها من حلال، ركِّزوا عليها، وأنت أيها الحاج هذا المال الذي تحج به تحرَّ من أجل أن يكون من حلال.

رابعاً: تعلم قبل الذهاب إلى الحج أحكام الحج والعمرة، نحن إذا ما أردنا أن نذهب إلى أي مكان فسنسأل عنه قبل الذهاب وسنسأل عن الوسيلة التي توصلنا إلى هذا المكان، عندما نريد أن نشتري شيئاً ما قميصاً حذاءً أو بدلة فإننا نسأل عن نوع القماش والخياطة ونسأل عمن يستورد وعمن يصدّر وعمن يصنّع في هذا المكان، هذا دين، ستحج أسأل الله أن يوفقك، تعلم أحكام الحج والعمرة وأنت ذاهبٌ لأداء هذه الفريضة لأن العلم فريضة ولأن أداء العبادة على أساسٍ من علم يجعلك عبداً، ولأن أداء العبادة على أساسٍ من غير علم يجعلك عابداً، وثمة فرقٌ كبير بين العبد والعابد، العبد هو الذي يتوجه إلى الله بالعبادة على أساسٍ من علم، وأما العابد فلربما توجه إلى الله عز وجل على أساس من غير علم على أساسٍ من تقليد، على أساسٍ من عدم معرفة متقنة، لذلك مُدح سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه عبد: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ ويقول صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كما جاء في السنن، تعلم أحكام الحج وتعلم أحكام الصلاة وتعلم أحكام البيع والشراء وأنت تبيع وتشتري وهكذا دواليك.

خامساً: اختر صحبة صالحة، وقلت لكم في هذا المسجد منذ أكثر من خمس سنوات: أيها الإخوة الله عز وجل قال: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ كن مع فئة صالحة، وجودك مع فئة صالحة وصحبة طيبة تفيدك في أمرين: ترفع عنك الخلل والملل، يرفع عنك الخطأ والجهل والملل: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ فاختر صحبة صالحة تذكرك بالله حالها ومقالها من دون شك، اصحب من ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله، وإياك أن تصحب غافلاً، إياك أن تصحب سيئاً، فاختر صحبة صالحة.

سادساً: تعود على أن يكون لسانك طيباً نظيفاً طاهراً، فاترك المخاصمة من الآن واترك الرفث والفسوق لأن الحج الذي فيه رفث ليس لك فيه نصيبٌ من أجر، وكما جاء عن سيدي رسول الله كما في البخاري (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ ابتلينا بالرفث والفسوق والجدال في حياتنا، انظر يومك الذي أمضيته كم من كلمة عنوانها الرفث والفسوق ؟ وكم من كلمة عنوانها الجدل خرجت منك ؟ أعتقد أننا مقصرون في هذا الجانب تقصيراً بيناً واضحاً، انتبه للسانك سواءٌ في الحج أو في غير الحج، وسواءٌ أكنت تنوي الحج أم كنت لم ييسر لك الحج في هذه السنة، اترك المخاصمة فالمخاصمة طريق الفجور والجدال طريق الفرقة وطريق الضياع.

سابعاً: أيها المسافر أيها الحاج، عليك أن تسترضي والديك، وهذه نقطة أؤكد عليها إن كانا حيين أو أحدهما وإن لم يكونا حيين فاذهب إلى قبرهما من أجل أن تدعو لهما، وادعُ لهما في حلك وترحالك حيثما كنت، توجه إلى الله عز وجل وقل: ﴿رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾، في كل يوم عليكم أن تدعو لآبائكم وأمهاتكم سواءٌ أكانوا أحياء أو أمواتاً، فمن كان له والدان أو والد أو والدة فليسعَ من أجل أن يسترضيها قبل السفر قبل المغادرة إلى أي مكان، فورب الكعبة إن في هذا لسراً، وجربوها، من كانت له أم فليسترضها قبل أن يذهب إلى عمله فسيجد التوفيق ملء إهابه وسيجد النجاح مزروعاً أمامه، ثقوا بالله لأن إرضاء الوالدين قضية لا أعظم منها فتوجهوا لها، وأنت يا من تريد الحج توجه إلى والديك من أجل أن تسترضيهما، وتوجه إلى أصدقائك من أجل أن تودّعهم وإلى أهلك وإلى أحبابك من أجل أن تودعهم، وهذا في كل سفر ولتقل لهم: "استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه". أنت المسافر قل لهم هذا، وما أجمل هذا الوداع إذا كان فيه هذا الكلام ؟ وهم يقولون لك: "زوّدك الله بالتقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيثما توجهت". فما أجمل هذا الكلام ؟ ما أجمل هذا الوداع. فما أجمل أن تسمع من والدك أو من والدتك أو من صديقك أو من قريبك أو من أخيك: زودك الله بالتقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيثما توجهت.

ثامناً: أنت أيها المسافر أنت أيها الحاج قبل السفر مباشرة صلِّ ركعتين، وهذا ما كان يفعله سيدي وقائدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد روى أكثر من صحابي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الفعلة، ادع الله عز وجل وأنت تصلي هاتين الركعتين، كن على صلة بالله قبل السفر لأن السفر مظنة خطر فما أجمل أن تودع المكان الذي أنت فيه على ركعتين وداع مصلٍّ فلربما لم تعد إلى هذا المكان إن بأمرٍ خيّر أو بأمرٍ فيه ابتلاء لا سمح الله. المهم أنك زرعت ركعتين في هذا المكان قبل أن تذهب، كان آخر عهدك بهذا المكان أنك زرعت به ركعتين لله عز وجل، قلت فيها: ﴿اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.

أخيراً: وأنت تخرج أيها المسافر من بيتك وأنت أيها الذاهب إلى العمل في كل يوم نريد أن نتذكر ربنا على أنه ربنا، على أنه رازقنا، على أنه الذي نتوجه إليه بالدعاء، بالطلب، بالسؤال، قل إذا خرجت من بيتك كما جاء في الحديث الصحيح: (اللهم إني أعوذ بك أن أَزل أو أُزل، أو أَضل أو أُضل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهَل علي) فإذا ما قلت هذا الكلام كنت في كنف الله ورعايته في كل صباح ولا سيما عند السفر، قل هذا، ارتبط بربك، أعلن انتماءك لربك، أعلن علاقتك بربك: (اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي) قل هذا عند الصباح أيها المؤمن بربك، فعّل إيمانك بربك، أيضاً قل مع هذا وهذا لا يكلفك إلا دقيقة أو دقيقتين قل بعد هذا: (بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله). فستقول لك الملائكة كما في أبي داود والترمذي إذا قلت هذا: (كُفيت ووُقيت وهديتَ وتنحَّ عنك الشيطان). كفيت المؤونة ووقيت المكروه وهديت للخير. ولله سيتولاك. وذهب الشيطان فرَّ الشيطان انهزم الشيطان لأن الشيطان لن يستطيع مغالبة من انتمى لله وأعلن وِصاله مع الله، لن يستطيع مغالبة هذا الذي توجه إلى ربه والتجأ إليه واعتمد عليه وقال أعوذ بالله وقال بسم الله وقال توكلت على الله وقال لا حول ولا قوة إلا بالله وقال اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي.

هذه هي التحضيرات التي يجب عليك أنت أيها الحاج وأنت أيها المسافر وأنت أيها المغادر بيتك صباحاً إلى عملك أو إلى أي مكان آخر عليك دائماً أن تكون مثل هذه الأمور على بالك عندها تحقق إيمانك فعلاً وعندها تعلن ويعلن الملائكة شهادتهم أمام الله بأنك العبد الذي يتولاه مولاه، يا ربنا تولنا بحق عنايتك بأنبيائك وأصفيائك وأتقيائك، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 29/10/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق