آخر تحديث: الثلاثاء 21 مايو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
صيغة التعايش

صيغة التعايش

تاريخ الإضافة: 2001/07/13 | عدد المشاهدات: 1718

أمَّا بعد ، أيُّها الإخوة المؤمنون :
حينما يسأل الإنسان نفسه : هل خلق الله الإنسان من أجل الحرب والمحاربة ؟ هل خلق الله الإنسان من أجل القتل والمقاتلة ؟ هل خلق الله هذا وذاك من بني البشر من أجل الصراع والمصارعة ؟ أم إن الله خلق الإنسان من أجل التعايش والمعايشة ، ومن أجل الأنس والمؤانسة ، وخلق هذا وذاك من أجل الود والموادة . والجواب الفطري على هذا التساؤل لا شك في أنه الثاني . والدليل على ذلك : أنك تميل إلى الأنس أيها الإنسان بفطرتك ، وتميل إلى الود والتعايش ، وتعدل عن الحرب والقتال والصراع ، والله عز وجل قال : ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) ، والمعرفة تؤدي إلى معايشة وأنس وود ولقاء ، وما أظن أن التعارف يؤدي إلى قتل ومقاتلة وحرب ومصارعة . 
الله عز وجل إذاً خلق الإنسان من أجل المعايشة ، وإذا طرحنا هذا السؤال على الإنسان في شرق الأرض وفي غربها ، في شمالها أو في جنوبها فالجواب هذا الذي ذكرنا ، الجواب الثاني ، وهذا ما نعتقده . ولكننا حين نتابع السؤال ونقول : على أي شئ نلتقي ؟ وعلى أي قانون نتعايش ؟ وما هي ملامح هذا الذي يربط بيننا - الإنسان والإنسان - من مبدأ ودين وقانون وصيغة تعايشية . ولقد قلت هذا الكلام لصحيفة أجنبية : ما الذي يربط بيني وبينك ؟ ما هي معطيات الصيغة التعايشية ؟ على أي شئ نلتقي ؟ على أي شئ نتوادد؟ والجواب الذي في جعبتي من خلال إسلامي وعلى الآخرين أن يقدموا هذا أيضاً ولهم كامل الحرية في أن يعرضوا الذي في جعباتهم . 
أما أنا فأقول : لا بد لصيغة التعايش ، ولا بد لأسلوب عليه نلتقي ونتعارف ، لا بد لهذا الأسلوب أو الصيغة من ملامح أو شروط ثلاثة : 
1-الشرط الأول : هو المضمون المناسب . 
سألتقي الإنسان الآخر ، ولكن على أي شئ ؟ على صيغة . ما طبيعة هذه الصيغة ومحتوياتها ومضمونها ؟ الجانب الأول : المضمون المناسب للإنسان . ولا أريد أن أتحدث عن تفاصيل هذا المضمون ، لكني أقول نحن نقدم من أجل هذا المضمون القرآن الكريم . وهو في اعتقادنا مضمون مناسب لهذا الإنسان ، فيه معطيات عقيدتِه ومعطيات معاملاتِه ومعطيات عباداته ومعطيات أخلاقه ، وكل هذه المعطيات مناسبة للإنسان . وهذا ما قرره خالق الإنسان ، وهو الأعلم بهذا الإنسان ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) ، وخالق الإنسان ذاته يقول : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ، وخالق الإنسان ذاته يقول : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، وخالق الإنسان ذاته يقول : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ، الله يعلم . 
إذاً : نحن نطرح من أجل صيغة التعايش وطبيعتها مضموناً مناسباً ، وهو في رأينا القرآن الكريم بتقرير خالق الإنسان أولاً ، وبتفكير العقلاء ثانياً ، فما من عاقل منصف اطَّلع على القرآن الكريم إلا قال : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) وما من عاقل منصف إلا قال : حينما يريد الإنسان النجاح في حياته الدنيا والأخرى لن يكون نجاحه إلا بتبني هذا القرآن . وأنا أدرك مناسبته للإنسان من خلال سعي الأعداء لإبعاد الإنسان عنه ، وما إبعاد الإنسان عنه إلا لاعتقادهم أنه متى قرأه الإنسان بعقل فسوف يقبله ، وإلا لو لم يكن مناسباً للإنسان لما سعى الأعداء من أجل إبعاد الإنسان عن القرآن ولاكتفى هؤلاء بالفعلة ذاتها ، أي لخلوا بينه وبين الناس ، واكتشف الإنسان بذاته عدم مناسبته ، ولكنهم يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن مناسب ، وأن الإنسان إذا قرأه تبناه ، وبالتالي جهدوا في أن يبعدوا الإنسان عن القرآن في القديم والحديث . في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أولئك الذين ينتمون للعداوة والبغضاء يقولون : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) ، وينهون جماعتهم وأتباعهم عن سماع القرآن الكريم ، حتى لقد قرأت في كتاب العقد الفريد أن مسيلمة الكذاب - الذي ينتمي للعداوة للقرآن ، وعداوته للقرآن وسعيه من أجل إبعاد الإنسان عن القرآن دليل على مناسبة القرآن للإنسان ، وعلى أن القرآن مضموناً هو الأصلح للإنسان - فكان يقول لجماعته : اسمعوا آياتي ، والأهم أن لا تسمعوا آيات محمد وهذا ما يُتوارث الآن من قبل أتباع مسيلمة الذين يريدون أن يقدموا المبادئ الوضعية بديلاً عن القرآن الكريم ، فهم قد لا يريدون أن تسمعوا مبادئهم ، ولكنهم يحرصون على أن لا تسمعوا القرآن الكريم . وقد ذكرت لكم ما قاله الأعداء في العصر الحديث : أخرجوا هذا القرآن من مجتمع تريدون أن تحتلوه ، ارفعوا القرآن منهم ، اجعلوا بينهم وبين القرآن فجوات. إنهم في سلسلة واحدة . نحن نطرح صيغة تعايش طبيعتها مضمون مناسب ، وهو القرآن الكريم : كتاب الله للناس كافة ، للبشرية جمعاء ، للدنيا من أجل أن تكون ناجحة ، وللآخرة من أجل أن تكون فالحة . 
2- الشرط الثاني : وآمل من شبابنا أن يكونوا على إدراك لما أقول ، لأن هذا الذي أطرحه أمر مصيري وجوهري ، ويشكل منطلقاً في بداية حوارنا مع العالم ، فنحن إن أردنا حواراً مع العالم ، وهو يدّعي أنه يريد ، فهذا منطلق حوار ، وأساس انطلاق ، وعلى شبابنا المثقف أن يَعُوا الأساسيات في منطلقاته الحوارية . الشرط الثاني : تاريخ صالح للاعتبار ، تاريخ صالح يؤكد صلاحية الصالح ، وفساد الفاسد ، هذا هو الجانب الثاني . 
ونحن حينما نطرح فيما يخص التاريخ الصالح للاعتبار ، نطرح تاريخ الأنبياء مع جماعاتهم وأقوامهم ، وإن الأمة التي تحرص على التعايش ينبغي أن تسأل عن تاريخها الذي تضعه في أذهان أتباعها من أجل الاعتبار ، نحن نطرح تاريخ الأنبياء وأقوامهم ، فماذا يطرح الآخرون؟ أنا لا أريد أن أسجل ما يطرحه الآخرون ، ولكني أريد تسجيل ما أطرحه أنا . أقول للإنسان ، وكل الناس على علم بهذا التاريخ ، فكل البشر يسمعون بآدم وإبراهيم وموسى ومحمد ، وإن لم يؤمنوا بهم ولكنهم يسمعون بهم ، وإن سألت شرق الأرض وغربها حدثك هؤلاء عن هؤلاء . وأنا أتابع رسم ملامح الصيغة ( صيغة التعايش ) المضمون المناسب : التاريخ الصالح للاعتبار هو تاريخ الأنبياء مع أقوامهم . وأسائل الإنسان : أتريد أن تكون في صف آدم أم في صف الذي يقابله وهو الشيطان ، لأن آدم كان في مواجهة الشيطان ، أتريد أن تكون نسيباً لآدم أم للشيطان ؟ وآدم ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) أما الشيطان فقال : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) . أتريد أن تكون مع إبراهيم أم مع النمرود ؟ وإبراهيم الذي قال : ( ربي الذي يحيي ويميت ) أما النمرود فهو الذي قال : ( أنا أحيي وأميت ) أتريد أن تكون مع موسى أم مع فرعون ؟ موسى قال له ربه : ( ولتصنع على عيني ) وقال له : ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) ، أما فرعون فقال : ( ما علمت لكم من إله غيري ) ، أتريد أن تكون مع محمد على الأنبياء جميعاً أفضل الصلاة والسلام ، الذي قال عنه ربه : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) أتريد أن تكون مع محمد الذي قال عنه القرآن : ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) أم تريد أن تكون مع أبي جهل الذي قال - في غزوة بدر - لن نرحل من هاهنا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور وتعزف لنا القيان وترقص لنا الراقصات . أتريد أن تكون مع هؤلاء ؟ إذاً : صيغة التعايش تطرح تاريخاً صالحاً للاعتبار . 
3- الشرط الثالث : قوة الاستمرار . 
أيها الإخوة : إن ما نعتقده أن المبادئ الوضعية لن تدوم طويلاً ، وسيجري عليها تغييرات من جذورها ، ولا أريد أن أعدد فكلنا يعلم ما طرأ على القوانين والمبادئ الوضعية ، فمنها ما سقط وانتهى ، ومنها ما تغير كلياً . أما الصيغة الإسلامية التي نطرحها للتعايش : فملامح الإسلام مستمرة وباقية ولن تتغير . الملامح العامة للتجربة الإسلامية - إن سميناها تجاوزاً كذلك- باقية مستمرة ، وأهم ملامحها ملمحان اثنان : الأول : العبودية الصافية لله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) فمنذ خمسة عشر قرناً إلى يومنا هذا لم يتغير هذا الملمح بكل تفصيلاته ، وأنا أعتقد أن الذي وقف على المنبر منذ خمسة عشر قرناً يقول الذي أقول الآن على رأس القرن الخامس عشر الهجري . أما الملمح الثاني : لهذه التجربة الذي يستمر هو إرادة الخير للإنسان ، فنحن أمة نتعامل من خلال صيغتنا مع الله بالعبودية ، ومع الناس بالخير ، ولا زالت الآية التي تدعو إلى ذلك محفوظة بحرفها ، بحركاتها ، بسكناتها ، بقراءاتها منذ خمسة عشر قرناً وإلى اليوم وستبقى محفوظة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها : ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) إنها قابلية للاستمرار من خلال بقاء ملامحها . وأهم ملامحها عبودية الله ، وإرادة الخير للإنسان . بعد هذا : أتصدقون أن مبدأ وضعياً يمكن أن يحمل للناس صيغة تعايش تتصف بما ذكرنا ؟ 
أيها الإخوة : من منطلق إسلامي أو مسلم ، أقول : لو حمل مبدأ وضعي ملامح الصيغة التي أتى بها الإسلام ، لكان إسلامياً ولكان من الله ، ولا يمكن هذا . إذاً على الإنسان أن يتوجه لطلب وفحص هذه الشروط في صيغة التعايش المنشودة ، ونحن نطلبها وننادي بها ، ونقول ذلك لكل العالم ، لإنساننا الذي يعيش معنا ، والذي ارتضى في لحظة غفلة أو ساعة ضغط غير الإسلام ، نقول له : أَفِق . فالإسلام هو الذي يقدم الصيغة التعايشية التي يلتقي الإنسان الإنسان على أساسها ، وما سوى ذلك يسقط .
بالمناسبة أقول لهؤلاء اللعناء من اليهود في إسرائيل أقول لهم : ما صيغتكم التعايشية التي تقدمونها ؟ صيغتهم التعايشية تقوم على الأمن ، وهذه كلمة جميلة ، ولكن اسمحوا لي أن أكمل لأقول : تقوم على أمنهم على حساب الآخرين ، وعلى جثث الآخرين . الأمن الذي يطلبونه لهم ، وأما الآخرون في رأيهم فهم لا يستحقون الحياة ، وكتبهم الفاشية والعنصرية تقول : إن الله خلق سواكم على صورة الآدمي ليكونوا لائقين بخدمتكم ، وإلا لا يستحق غيركم أن يكون على صورة الآدمي . 
أيها الإخوة : هذه أكبر مساحة للصيغة التعايشية المطروحة من قبل الصهاينة المجرمة ، أرأيتم ما فعلوا ؟!! بالأمس وبحجج واهية هدموا عشرين منزلاً دون إعلام أهلها ، هدموا ستة متاجر ، هدموا عشرين منزلاً يؤوي مائتا شخص من إخواننا الفلسطينيين ، وأعتقد أن جميعكم رآهم وهم يعيشون بعد الدمار في الخيام تحت الشمس المحرقة في الأيام القائظة . أرأيتم إلى هؤلاء ؟!! وأنا أعجب بعد ذلك من أن نتحدث - وليس الكلام خطابياً ينتمي لعاطفة محضة ، لكنه قرار يمت إلى العقل بصلة كبيرة - أعجب من أن نتحدث عن سلام معهم . أفيدمرونك وتدمر نفسك من أجلهم ؟!! أفيقاتلونك وقد قال قائلهم كاذباً - فهم في كل حديثهم كاذبون - أشاعوا أنهم يريدون قتل رئيس السلطة الفلسطينية ، ثم قال وزير الدفاع فيهم - لعنة الله على جميعهم - قال : لا ، لا نريد . وصدقنا نحن كلامه هذا ، وقلنا هذه إشاعة ، وكأنك تقف أما إنسان خير . إنهم كاذبون . أيكذبون على الله ولا يكذبون على الناس ؟!! أيفترون على الله ولا يفترون على الناس ؟!! من كذب على الله كذب على الناس . 
أيها الإخوة : أرجو أن تكون صيغتنا التي نقدمها حصيداً من الإسلام ، فإسلامنا قادر على أن يمد الإنسان بمقومات النجاح إلى يوم القيامة ، وفي يوم القيامة . 
فيما يخص هذا الأمر : إننا والحمد لله في هذا البلد الكريم نسعى من أجل تثبيت هذه المفاهيم ، لا سيما يتلك التي تتعلق بعدونا ، وقد شُكِّلت - ولله الحمد - لجنة شعبية لدعم الانتفاضة ومقاومة المشروع الصهيوني في قطرنا هذا ، شُكلت لجنة شعبية مركزية ، انبثقت عنها لجان فرعية وفي كل محافظة ، هذه اللجنة الفرعية قسمت إلى ثلاث لجان : إلى لجنة إعلامية ، ولجنة للتعبئة ، ولجنة مادية من أجل جمع التبرعات. والكل يساهم في هذا . ونحن نقول لشعبنا ولكل المسؤولين : إن قرارنا لا يمكن أن يُنقَض في علاقتنا مع العدو ، وقرارنا هو المقاومة ، هو الجهاد ، وأن لا سلام مع هؤلاء . هذا ما تقرره اللجنة الشعبية ، لأنها انبثقت من الشعب ، والشعب وإن كان بعضه أو نصفه أو ثلاثة أرباعه نائماً إلا أن القسم المتبقي اليقظ يقول هذا الكلام : لا سلام ، وإنما مع الذي يريد لك الدمار لا يمكن أن تتعايش بسلام . هو يستغلك ، وأنت تصلي يضربك ، أوَلم يقتلوا إخواناً لكم وهم يصلون في الخليل في عام 1995 ، ألم يدخل هذا المجرم إلى الأقصى ، فهم يريدون بناء كنيس لعبادتهم الفاشلة الكاذبة في ساحة الأقصى . 
قرارنا - أيها الإخوة - لا نسالم من عادانا ، فمن اعتدى علينا لا سلام معه ، وإنما أمر الله ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ، نحن عادلون في اعتدائنا على من اعتدى علينا ، والذي اعتدى علينا هو ظالم في اعتدائه علينا. 
اللهم إني أسألك أن توفقنا من أجل أن نتبنى الإسلام وأن نطرحه وأن نكون على بينة منه في كل شؤوننا . نِعمَ من يُسأل أنت ، ونعم النصير أنت . أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق