آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
في ذكرى المولد

في ذكرى المولد

تاريخ الإضافة: 2002/05/24 | عدد المشاهدات: 3231

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون : 
أيها المحتفلون بذكرى ولادة الحبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : 
وتفرض الذكرى نفسها على المنبر ليتحدث من يتحدث على المنبر عنها ، تفرض الذكرى نفسها لأنها ذكرى مولد النور ، وهل يستغني الإنسان عن النور ؟! تفرض الذكرى نفسها لأنها ذكرى مولد الحياة المثلى ، وهل يستغني العاقل عن حياة مثلى ، تفرض الذكرى نفسها لأنها ذكرى مولد العقل الراجح ، وهل يستغني الإنسان عن العقل الراجح ؟! تفرض الذكرى نفسها لأنها ذكرى مولد الحُب والرحمة والحنان والعطاء واللطف والشجاعة والقوة والإباء ، وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عن هذه القيم إذا ما أراد أن يحيى حياة طيبة ؟! والحياة الطيبة مُبتغانا ومبتغى كل عاقل ، فيا صاحبَ الذكرى يا سيدي يا رسول الله عليك الصلاة والسلام ، الصلاة وعليك والسلام يوم ولدت ويوم بعثت ويوم هاجرت ويوم بلغت ويوم أَدَّيت ويوم انتقلت ويوم تُبَلِّغ حتى في الحاضر ، ويوم تكون لنا شفيعاً بإذن الله يوم القيامة ، صلوات الله وسلاماته عليك ، يا أكرم الناس يا أنجد الناس ، يا أشجع الناس يا أبر الناس ، وإني لمطأطئٌ رأسي استحياء وتقديراً وتعظيما ً فاللهم زده تعظيماً وتشريفاً واجعله لنا يوم القيامة شفيعاً ، يا من أَرسلتَ محمداً رحمة للعالمين ، ثبتنا على اتباع الرحمة ومحبة الرحمة والاقتداء بالرحمة والصلاة على الرحمة ، ثبتنا عليه ليكون لنا رحمة في الدنيا والآخرة وعلى الصراط وعند القبر وعند النشر . 
يا سيدي يا رسول الله ، أوَليست الإنسانية بحاجة إلى قدوة تتبعها ؟! فأنت القدوة ، أليست الإنسانية بحاجة إلى من تقتدي بها في شؤون حياتها ، فأنت القدوة ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) الإنسانية بمجملها تحتاج إلى قدوة تتبعها ، فرسول الله هو القدوة ليس للمسلمين ، ولكنه قدوة لكل إنسان يريد أن يحيا حياة كريمة ، وقد ذكرت في السنوات الماضية شهادات قادةٍ ليسوا بمسلمين ، وشهادات علماء وأدباء ليسوا بمسلمين قالوا كلمة الحق وأنصفوا إذ قالوا ، وكان مجمل أقوالهم : أن محمداً عليه وآله الصلاة والسلام علمهم - كلٌ في مجاله - علَّم القائد كيف يكون قائداً ، وعلم السياسي كيف يكون سياسياً ، وعلم الأديب كيف يكون أديباً ، وعلم الزعيم كيف يكون زعيماً بحق وجدارة ، الإنسانية بحاجة إلى قدوة فأنت القدوة . 
الإنسانية بحاجة إلى معيار تعاير عليه وتقايس عليه ، الإنسانية بحاجة إلى من تقيس عليه حياتها وشؤونها ، وفي أي مرحلة هي ، من الذي سنعاير عليه ، فنحن بحاجة إلى معيار ومقياس ، من هذا المعيار والمقياس ؟ أنت يا سيدي يا رسول الله معيار الإنسانية نحو الأفضل ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) معيارٌ نسلم به وله ، وهكذا رسول الله . يقول عن نفسه يوم التفت رجل بعد معركة وقد استلم حصته من الغنيمة فوجدها قليلة ، فقال : هذه قسمة لم يرد بها وجه الله ، ووصل حديثه إلى رسول الله ، وإذ برسول الله يغضب ويقول : " ويحك إن لم أعدل من يعدل ؟ ! " إن لم يكن هو المعيار فمن هو المعيار لإنسانية إنسان ، ولصدق صادق ، ولأمانة أمين ، ولعدل عادل ، ولشجاعة شجاع ، ولعمل عامل ، من المعيار ، ولتطرح الدنيا معاييرها ومقاييسها ولتبين لنا فيما إذا كانت تملك معايير أو مقاييس أفضل من هذا . يروي الإمام أحمد عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال : كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس واحمرت الحِدَق اتقينا برسول الله فما يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه . نحن بحاجة إلى معيار يتقدم الفضيلة ليكون مجسدها في أعلى صورها ، يتقدم الأمانة ليكون مجسدها ، وهكذا في سائر الصفات الحميدة والفضائل النبيلة . 
الإنسانية بحاجة إلى رمز تجتمع حوله : ألسنا نكرر هذه الكلمة ونقول عن فلان وفلان بأنه رمز ، وهذا ينبع من حاجة ، فأنت بحاجة إلى رمز تجتمع حوله ليكون المستند والموئل ، ليكون الراية ، وليكون وموطن الثقة ، وليكون موئل العقل والتفكير ، ورسول الله رمزنا لأنه قال كما يروي الترمذي : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وما من نبي آدم ومن بعده إلا تحت لوائي يوم القيامة " رسول الله رمزنا الأعلى ورمزنا الأكمل ، ورمزنا الأمثل :

صلى وراءك منهم كل ذي خطر

ومن يفز برسول الله يأتمم

رسول الله رمزنا ، ولنقل هذا الكلام ، وأنا لا أواجه أحداً أو أنقد أحداً ، فيمكن أن يكون هنالك رموز صغيرة تصب في مصب الرمز الكبير شريطة أن يكون هناك تماثل وتجانس بين الرموز الصغيرة والرمز الكبير ، وإلا فلا رمزية ولا رمز . الرموز الصغيرة نؤمن بها ونضعها عناوين ، لكن شريطة أن تكون بينها وبين رمزنا الأمثل محمد عليه وآله الصلاة والسلام صلة وعلاقة ووشيجة وارتباط وتجانس وتماثل . هو رمزنا والرموز الأخرى رموزنا ولكن بهذا الشرط وإلا فلا :

فأنت باب الله وأيُّ امرئ

أتاه من غيرك لا يدخل

الإنسانية بحاجة إلى ضمير تستمع إليه حين الأوبة وحين التوبة وحين الرجوع إلى الحق أو حين إرادة الرجوع إلى الحق : ورسول الله ضمير العالم ، ضمير الكون لأنه رحمة ، وإذا كان الضمير رحمة فَلَنِعْمَ الضمير ، هكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه كما يروي الإمام أحمد : " إنما أنا رحمة مُهداة " ضمير الكون رحمة ، ضمير الكون ليس أمريكا وإن كانت الأقوى لأنها ليست رحمة ، ضمير الكون وضمير العالم ليست أمريكا ولا القوة المادية لأن أمريكا ظالمة ومجرمة ، لأن القائمين على إدارة دفة الحكم في أمريكا ظالمون مجرمون لا يعرفون الإنسانية ولا يعرفون العدالة ولا الحقيقة ، إنهم يميلون كل الميل مع الرذيلة ، يميلون كل الميل مع الخبائث ، يميلون كل الميل مع الخنوع والظلم ، مع الإثم مع إسرائيل ، مع العدو . أسمعتم إلى ما يصرح به أولئك الذين يُدعون برؤساء الدول القوية ، إن تستمعوا إلى تصريحاتهم توقنوا بأنهم لا يمكنوا أن يكونوا ضمير الكون ، لأن ضمير الكون رحمة : " إنما أنا رحمة مُهداة " وربنا وصفه ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) رسول الله كان رحيماً بالإنسان رحيماً بالشجر ، رحيماً بالحجر ، رحيماً بكل شيء . 
الإنسانية بحاجة إلى أسوة تحبها : أرني قلبك ! ألا يتطلع إلى محبوب ، إلى من تعجب به فتحبه ، إلى من يَشْرَأِبُّ قلبك إليه ويجعل من ذكراه كلمات ندية ورطبة عليه ! رسول الله هو الأسوة ، وقد قلت لكم السنة الماضية الأسوة أعلى من القدوة ، فالقدوة تتبعها ، ولكن الأسوة تتبعها وتحبها . وربنا عز وجل قال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة ) لأن رسول الله أسوة فوق القدوة ، نتبعه ونحبه ، الإنسانية والقلوب الواعية الفطرية بحاجة إلى من تحبه ، ورسول الله أكرم الله به الإنسانية ليروي بها ظمأ الحب ، أكرمنا الله بمن يستحق الحب ، حب القلب الصافي ، حب القلب النبيل ، حب القلب المتطلع إلى الخير . سيدي رسولَ الله : إن لم يحبك القلب فمن يحب ؟! إن لم تكن أنت طُغَرَاءُ صفحة المحبوبين بالنسبة للقلوب فمن الذي يمكنه أن يكون البديل ؟! أنت الأسوة والمحبوب والحبيب ، أحببتنا يا سيدي يا رسول الله فأحببناك ، أحببتنا من قلبك فأحببناك وأسأل الله أن نكافئك بجزءٍ ولو كان قليلاً وقليلا ً لهذا الذي غمرتنا به ، أوَلست الذي وقفت مرة كما جاء في صحيح مسلم فقرأت قوله تعالى على لسان إبراهيم : ( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) ثم تلوت قوله تعالى على لسان عيسى بن مريم ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لله يا جبريل اذهب إلى محمد فسله عما يبكيه ، وربك أعلم ، فجاء جبريل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما يبكيك يا محمد ؟! فقال : أمتي أُمتي . فعاد جبريل إلى ربه عز وجل قال : يا رب أمته . قال : " يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " . أرأيتم إلى من غمرنا حبه ؟! أرأيتم إلى سيد المحبين والمحبوبين . 
سيدي رسولَ الله : في يوم ولادتك نكرر ونقول : الإنسانية بحاجة إلى قدوة فأنت القدوة . الإنسانية بحاجة إلى معيار فأنت المعيار ، الإنسانية بحاجة إلى رمز فأنت الرمز ، الإنسانية بحاجة إلى ضمير فأنت الضمير ، الإنسانية بحاجة إلى أسوة فأنت الأسوة ، ولذلك فنحن سنصلي عليك كما أمرنا ربنا ، وسنقول لشبابنا وأطفالنا ونسائنا صلوا عليه وسلموا تسليماً ، اجعلوا لكم وِرْدَاً ، أكثروا من الصلاة على الحبيب الأعظم لأن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم تجعلكم تقتربون من نهجه ومن شريعته ومن سنته ومن طريقته ومن قلبه يروي أبو داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إن أولاكم بي يوم القيامة أكثركم عليَّ صلاة في الدنيا " . لِمَ لا تصلي على النبي ، والصلاة على النبي راحة ، الصلاة على النبي تفكير يوصلك إلى منهاج حق . أنت أيها الشاب ، أنت أيها الطفل ، أنت أيتها المرأة ، أنت أيها المسؤول ، أنت أيها الموظف ليكن لك في كل يوم حصة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قل ذلك في كل يوم ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي البزار والطبراني أن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إن الله أوكل بقبري ملكاً أعطاه أسماء الخلائق من آدم إلى يوم القيامة ، فما من أحد يصلي علي إلا يقول هذا الملك يا محمد إن فلاناً ابن فلان يصلي ويسلم عليك " الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله ، صلوا عليه أيها الإخوة ، ليس فقط في المجالس العامة ، ولكن بينكم وبين أنفسكم ، ففي الصلاة عليه راحة وفي الصلاة عليه كفاية هم : " إذاً تُكفَى هَمَّك " ليس من يصلي على النبي بحضور بصاحب هم ولا قلق ، جربوها . أكثر من الصلاة عليه فوَالله إن الصلاة عليه نور وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً يقول فيه : " من صلى علي في يوم ألف مرة " ولا تستغرق معك وقتاً كثيراُ ، وإن لم يكن في كل يوم فليكن لك في الأسبوع يوم تصلي فيه على النبي ألف مرة " من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة " . 
أيها الإخوة : هناك في بلاد الغرب إذ يسلم من يسلم يمسكون سُبحاتهم بأيديهم وهم مهندسون أو أطباء أو أصحاب مراكز تراهم لا يفترون عن ذكر الله ويصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل إنهم يخصصون ساعة في الأسبوع لقراءة الحديث الشريف ، قد لا يفهمون ما يقرؤون ، لكنهم بالقراءة يتبركون . أوَليس الكلام كلام رسول الله ، كلام الرمز ، كلام القدوة والأسوة والضمير والمعيار ؟! أنت أيها الشاب بعد أيام ستأتي العطلة لبعض فئات طلابنا ، أيها الموظف هل تتناول كتاب رياض الصالحين لتقرأ وتتلوا الأحاديث وقد ورد عن الإمام الشافعي أنه قال - وما أدراك ما الإمام الشافعي ، الإمام الشافعي رجلُ عصرٍ ، رجل فقه ، رجل قانون ، رجل تشريع - يقول الإمام الشافعي : من قرأ القرآن رَقَّ طبعه ، ومن قرأ الحديث قويت حجته . ليكن لك في كل يوم ولو أن تقرأ حديثاً واحداً ولكن واظب وثابر . 
يا سيدي يا رسول الله الصلاة والسلام عليك من قلوبنا من عيوننا ، من ألسنتنا من جوارحنا ، واسمح لي أن أكرر أبياتاً أحببتها إذا تناديك وتقول فيك :

يا مـن يثيـر حـماستي بجمـاله

عذراً إذا شاهدت ضعف لساني

الله يعلم كم حـركت في خـلدي

من ذكريات وكم هيجت أشجاني

كـم في دروبك من درب أصـخت له

كـأنه بحديـث الأمس ناجاني

لـبيك مـلء فمي لـبيك مـلء دمي

لـبيكَ لبيك من قلبي ووجداني

اللهم أنت خير من يُسأَل وخير من يجيب ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق