آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
دروس وعِبر من ذكرى الإسراء والمعراج

دروس وعِبر من ذكرى الإسراء والمعراج

تاريخ الإضافة: 2004/09/17 | عدد المشاهدات: 3067

أما بعد ، أيها الأخوة المؤمنون :

مرت بنا ذكرى الإسراء والمعراج وقد أشرنا إليها في خطبتنا السابقة ، بَيْدَ أن بعضاً منكم قالوا : لي هلَّا توقفت محللاً أو معتبراً وناقلاً لنا عبراً ودروساً من هذه المعجزة التي تحققت على يد حبيبنا وسيدنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . قلت في نفسي ولهم : ما أكثر الدروس وما أقل المتعظين َ ! ولا يعني هذا أني أخاطبكم أيها الأخوة الطالبون السائلون ، ولكن أخاطب نفسي ومجتمعي وأبناء وطني ، ما أكثر الدروسَ القولية والعملية وما أقل المتَّعظين ! ما أكثر الذكريات وما أقل المتذكرين ! ما أكثر العِبر وما أقل المعتبرين ! وهكذا دواليك لكننا والخطبة في مثل هذا اليوم موعد من أجل أن نتلاقى على نصيحة ومن أجل أن نتلاقى على كلمة طيبة فإن الكلام الطيب يطيب بلا شك ويكون طيباً عندما يدندن حول شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحول الإسلام وحول القرآن ، وها نحن نذكر عِبَراً للإسراء والمعراج ، لتلك المعجزة ، آملين من أنفسنا أن نكون على مستوى الذكرى ، لا أعني على مستواها تماماً ولكن أن نكون في خط مستوى الذكرى ، فالذكرى ستظل أعلى مستوى منا .
الإسراء والمعراج معجزة كما قلت لكم معجزة تحققت على يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرمه الله عز وجل بها ولعل من أهم دروسها وعبرها أن نقول لأنفسنا أنه :
- من كان مع الله فإن الله معه . رسول الله تولى الله فتولاه الله عز وجل ، رسول الله جاهد في الله فأكرمه الله ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب الله فأحبه الله ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخلص لله وعمل لله وإذ بربنا عز وجل يكرمه وينعمه ويفضله ويجعله سيداً ، يجعله صاحب الكلمة الأولى على مستوى الخلق والإنسان . لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف وتحمل في سبيل الله ما تحمل وإذ بربنا عزوجل يُكرمه بالإسراء والمعراج ، يكرمه بالسفرة المباركة إليه جل وعلا ، إلى المكان الذي باركَ اللهُ عز وجل حولَه . توفيت زوجه خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، توفي عمه أبو طالب الذي كان سنداً متيناً له ، العام الذي توفيت فيه السيدة خديجة وأبو طالب كان عام الحزن ، وعاد من الطائف وتحمَّل ما تحمل ، وإذ بربنا عز وجل يكرم نبيه المصطفى برحلةٍ مباركة ، بسفرة عظيمة . أول العبر : كن يا مسلم ، كن يا مؤمن ، كن يا إنسان مع الله وعندها فالله معك ، وعندها فالله سيكرمك ، الله سينعمك ، الله سيباركك ، الله سيكون معك ، الله سيتولاك . ايها الطالب ، أيها الإنسان ، أيتها المرأة : كونوا جميعاً مع الله فسيكون الله معكم ، وإذا كان الله معنا فطوبى لنا .
أيها الأخوة : هذه المعجزة أظهرت كما أظهر غيرها ، وجَلَّت - أي بينت - كما جلا غيرها فضلَ هذا النبي عليه وآله الصلاة والسلام ، وما أكثر ما نردد الحديث الذي يرويه الترمذي في سننه ويذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أُتي بالبراق استصعب عليه فقال جبريل للبراق : " أبمحمد تفعل ذلك ؟! والله ما ركبك أحد قط أكرم على الله من محمد " وإذ بالبراق يرفضُ عرقاً . جاء في البحر المحيط عن سليمان أحد التابعين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رحلة المعراج أوحى الله إليه : بِمَ شرفك الله يا محمد ؟ قال : بنسبتي إليه بالعبودية . فأنزل الله عز وجل قوله :
﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله الإسراء : 1 أنت عبدٌ لله فذاك أعظم الشرف . بم شرفك ربك يا محمد ؟ قال بنسبتي بالعبودية إليه . إذا كنت عبداً لله فطوبى لك ، أو لسنا نكرر كلمات الشافعي رضي الله عنه يوم كان يقول :

ومما زادي شرفا وتيهاً          وكدت بأخمصي أطأُ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي      وأن صيرت أحـمد لي نبياً

اللهم اجعلنا لك عباداً ، اللهم شرِّفا بنسبتنا بالعبودية لك كما شرفت نبينا وحبيبنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، اللهم أكرمنا بانتسابٍ صادق بالعبودية إليك يا رب العالمين .
- من الدروس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اجتمعوا على توحيد الله حينما صلّى النبي بهم ، صلى بهم قبل المعراج أو بعده على خلافٍ بين العلماء ، المهم أنهم جميعاً توجهوا لله بالتوحيد ، ولذلك نقول ومن باب الرفق والحوار القائم على التسامح : يا أتباع الأنبياء إن لم يقم الدين على توحيد الله الخالص فليس ذلك بتبعيةٍ حقّه لهذا النبي ، لأن كل الأنبياء آمنوا بالله الواحد الأحد ، لأن كل الأنبياء آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكما قلت في أكثر من مناسبة : لا مشكلة عندنا ، فعيسى نبي الله ورسوله ، ولا مشكلة عندنا فموسى نبي الله ورسوله ، ولكننا نقول لأولئك الذين يتبعون عيسى والمسيح والتوراة : لعل المشكلة عندكم . فما محمد عندكم ؟ إن كان محمد نبياً عندكم فالمشكلة محلولة ، هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيح : " ما مثل الأنبياء من قبلي إلا كمثل رجل بنى بيتاً فحسَّنه وجمَّله - وفي رواية فأحسنه وأجمله - إلا موضع لَبِنه ، فجعل الناس يطوفون ويقولون : ما أجمله ، ما أحسنه ! إلا هذه - أي إلا موضع اللبنة - يقول النبي : فأنا اللَّبِنه ، وأنا خاتم النبيين " الأنبياء آمنوا بمحمد :

صلى وراءك منهم كل ذي خَطَرٍ        ومن يَفُز برسولِ الله يأتمم

لا مشكلة ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله البقرة : 285 ولكن قد تكون المشكلة عند غيرنا ، أصلحوها مع النبي محمد عليه وآله الصلاة والسلام لا أكثر ولا أقل ، أصلحوها فإنا وإياكم في دائرة الأيمان والأمان . وما قولي هذا - وأرجو أن أكون مفهوماً - ما قولي هذا إلا سعيٌ من أجل لقاء على حقيقة منشودة ، وأرجو أن لا أُفهَمَ على أني أُقرِّع أو أقول عن الآخرين كلاماً أعني فيه من التقريع والتوبيخ والتنديد ، لا ، ما كان هذا خُلُقي ، ولكني أحب وأسعى من أجل أن أحب العلم والحوار الصادق والحديث الواضح مع كل الناس ، مع كل إنسان أياً كان هذا الإنسان .
- من العبر والدروس أن مكة مباركة ، وأن القدس مباركة ، ولذلك قال الله عز وجل :
﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً آل عمران : 96 وقال : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله الإسراء : 1 فالمكان الذي أُسري منه مبارك ، والمكان الذي أُسرِي إليه مبارك ، وهذا يعني أن يحكم المكانين كتابٌ مبارك : ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليَدَّبَّروا آياته ص : 29 هذا يعني أن يحكم المكانين كتاب الله ، القرآن الذي يضم الإنجيل والتوراة وزيادة ، القرآن الذي هو خلاصة الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ، جاء في القرآن الكريم ليكون القرآن الكتاب الخاتم كما كان النبي الرسول الخاتم ، يحكم المكانين كتاب مبارك أُنزِل في ليلة مباركة ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة الدخان : 3 وعلينا أن نجمع بين المبارَك والمبارك ، دين الله مبارك ، القرآن مبارك ، القدس مباركة ، مكة مباركة ، وهكذا تكون السلسلة مباركة متجانسة عندما يحكم القرآن القدسَ ومكة ، ولذلك نقول : تصوروا عندما يحكم من لَوَّثوا الإنسانية ، عندما يحكم من قتلوا الأنبياء ، عندما يحكم هؤلاء المكانَ المبارك تصوروا المفارَقة ، عندما يحكم أولئك الذين يَقتلون الأبرياء ، أولئك الذين يُدَنِّسون الشريف ، يُدَنِّسون المقدس ، عند ذلك ندرك حجمَ الواجب الملقى على عاتقنا . بالأمس سقط شهداء دمائهم مبارَكة وعلينا أن نحافظ على هذه الدماء ، وقبل الأمس سقط شهداء وكلهم رووا الأرض بدمائهم الذكية المباركة . فيا أمة الكتاب المبارك ، ويا أمة القدس المبارك ، ويا أمة الحرم المبارك ، ويا أمة الدماء المباركة : هيا إلى اعتبارٍ من هذه الذكرى لتكون القدس كما قلت وأكرر وسنبقى نكرر ذلك ، القدس أمانة في أعناقكم أنتم يا من تقولون لا إله إلا الله من أجل أن تعيدوها لتستظل بكتاب الله المبارك ، أمانة في أعناقكم ، شهداؤنا في فلسطين يقومون بواجباتهم جزاهم الله خيراً ، ولكن هذا لا يكفي ، وعلينا أن ندعم بالمال ، بالأنفس ، بكل ما نملك ، بالدعاء ، بالكلمة الطيبة ، بتعميم الثقافة ، بكل شيء نملكه ، بكل خير نستطيعه أو نطاله ، وإلا فنحن مقصرون . العبرة أيضاً بالنسبة للقدس تثبيت الإيمان . أو ليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى في هذه الرحلة ما رأى من آيات ربه الكبرى ، أتعلمون ما رأى ؟ لقد رأى حصادَ مَن عَمِل إن كان خيراً أو كان شراً ، رأى في عالم المثال ، فثبت الإيمان في صدره وثبت الإيمان في صدرونا ، لأننا سمعنا ذلك من الصادق المصدوق . يا أيها الفاعلون الخير ستلقون خيراً . لقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما رآه في هذه الرحلة الطيبة المباركة ، فالذين يزكون ويتصدقون سيلقون خيراً ، سَيَجْنون ثواباً كثيراً ، سيحصدون كل ما زرعوا ، سيصيبهم كلَّ خير من الله عز وجل ، سيكونون في جِنان النعيم ، رأى ذلك سيدنا ومُوفَدنا العظيم رسول الله إلى ذيَّاك العالَم ، ورأى أيضاً حصادَ الشر ، ونقول ذلك لمن يفعل الشر ، رأى حصاد ونتيجة أفعال شر نفعلها وذلك من أجل أن نتوب إذا كنا نفعلها ، رأى جزاء من يزني ، فيا شبابنا تعففوا ، رأى جزاء من يمتنع عن أداء الزكاة فيا أغنيائنا تصدقوا ، رأى جزاء الظالمين فيا حكامنا اعدلوا ، رأى سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم النتائج والحصاد والثمرات ماثلة أمامه ، لا تسألوني كيف رأى ذلك قلت هذا ربما كان من عالم المثال فالحقيقة أكبر من أن نحدّها بحواسنا وعالمنا ودنيانا . إن سألتني يا سائلي هل رأى رسول الله ذلك حقاً ؟ أقول لك : نعم رآها حقاً ، لكني أستدرك فأقول : ليست الحقيقة حكراً على ما يقع تحت حواسك ، الحقيقة أكبر من أن نحدَّها بحواسنا وإدراكاتنا ، فالأمور والحقيقة بأبعادها أكبر من حواسنا ، ونحن بعضها ، ولسنا من أولئك الذين يحيطون بها ، هي كلمة في ميدان العلم تقال ، أحببت أن أقولها لتكون فاصلة نتوقف عندها ، يتوقف السامع منكم أو من سيسمع ذلك ، فيما بعد نتوقف عندها ليلتفت إلى قضية هامة من أجل أن لا يحاكم الحقائق على بعض الحقيقة التي يمثلها والتي تمثلها أنت .
- من الدروس والعبر أخيراً تصديق منا ، كفانا أن نتردد ، فلنقل جميعاً ما قاله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ، فلنقل جميعاً لإسلامنا ، لقرآننا ، لديننا ، لنبينا ، فلنقل هذه الكلمة التي مُنِح على أساسها أبو بكر رضي الله عنه لقب الصديق : " لئن كان قالها فقد صدق " ونحن نقول لئن قال النبي أيَّ قولٍ فقد صدق ، المهم أن يكون القول منسوباً حقاً إلى النبي ، فإذا صحت النسبة فما تقوله يا سيدي حق . هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص : " اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج من ها هنا إلا الحق "
﴿ أفتمارونه على ما يرى النجم : 12 صَحِّح النسبة ، عملك أن تتحقق من نسبة هذا القول للنبي ، فإن تحققتَ من النسبة بكل ما تملك من وسائل عند ذلك سَلِّم للنبي ، وقل : سَلَّمنا لك يا رسول الله لأنك محفوظ من أن تقول ما لا يرضي الله ، ولأنك معصوم ، ولإنك مُكرم مُبجل مُنعم مُكمل ، وهيهات أن يخرج من فمك غير الحق ، لئن كان قالها فقد صدق ، وأؤكد على ضرورة التحقق من النسبة . يألمني ويؤلمكم أن نرى من ينسب للنبي كلاماً لم يقله ، ويبني على ذلك أحكاماً . يؤلمني أن يقف بعضٌ منا على منبر رسول الله ليقول أحاديثَ هي للضعفِ بل هي للوضعِ أقرب ، ويقول قال رسول الله ، وهذا اعتداءٌ على الحقيقة ، اعتداء على الأمانة ، اعتداء على كل ما يمكن أن نسميه فضيلة الصدق على الأقل . يا أخي قل قرأتُ في الكتاب الفلاني ، أَسنِد وأرجع الكلام إلى مصدره ، لقد كثرت في مجامعنا ومجالسنا ومساجدنا ، وكثر الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وبنيت على أساساتها أحكام هي ليست من الإسلام ، لأن ما بني على الضعيف أو على الموضوع غير مقبول ، وبالتالي يجب أن نتنبه ، ويجب أن نحسن النسبة ، " لئن كان قالها فقد صدق " كلمة رائدة في عالم التوثيق ، وفي عالم التحقيق ، لم يقل أبو بكر رضي الله عنه : نعم أسري به ، لكنه قال كلمةً تدل على أن أبا بكر رجلٌ موثق ومحقق ، ورجل لا يؤخذ بالأمور المستعجلة ، " لئن كان قالها لقد صدق " فلنقل مثل هذا الكلام في علاقتنا وارتباطنا مع السنة النبوية الشريفة ، و ليشتغل من يشتغل منا بالتوثيق ، والأمر مفتوح ، والباب مفتوح لكل ذي علم ولكل ذي وسيلة ولكل ذي اقتدار ، الباب مفتوح ، ولا نريد أن نحجب الأمر عن أحد ، ولا نريد أن نلوي يد أحد بادِّعاء منا أن ذلك ليس من اختصاصه ، العبرة ليست بالاختصاص وإنما العبرة بالإنتاج ، ولطالما قلت : " أَرِني إنتاجَك ، ولا تُرِني احتجاجك " .
سيدي رسولَ الله في النهاية : أنت أعظمُ الناس ، وأنت أكرمُ الناس ، وأنت أحب الناس إلى الله عز وجل ، سيدي رسولَ الله : طبتَ حياً وطبت ميتاً ، طبت مسرىً به وطبت معرجاً به أيضاً إلى السماوات العلى .

يا من يثير حماستي بجماله         عذراً إذا شاهدت ضعفَ لساني
الله يعلم كم حركت في خَلَدي         من ذكرياتٍ وكم هيَّجت أشجاني
كم في دروبك من درب أَصَختُ        له كأنه بحديث الأمس ناجاني
لبيك ملءَ فمي لبيك ملء دمي         لبيك لبيك من قلبي ووجداني

أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق