آخر تحديث: الأحد 15 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
أحباء الله - 1

أحباء الله - 1

تاريخ الإضافة: 2003/08/22 | عدد المشاهدات: 2773

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
للإنسان غايات يسعى إلى تحقيقها ، هذه الغايات أصناف ، فمنها ما هو عملي ، ومنها ما هو عقدي ، ومنها ما هو سلوكي ، ومنها ما هو وجداني ، ولعل أميز الغايات الوجدانية هي الحب ، فكل واحد من بني البشر ومن نسل آدم يسعى إلى الحب فاعلاً أي محباً وموضوعاً ، ومفعولاً أي محبوباً ، تريد أن تتحقق بغاية وجدانية هي الأوضح في عالم الغايات الوجدانية ، هي الأبرز في مساحات الغايات الوجدانية : الحب . تسعى من أجل أن تكون محباً وأن تكون محبوباً فإذا أحببت وإذا كنت محبوباً تحققت هذه الغايات الوجدانية ولكن لا أريد أن أقف عند هذه الغاية من حيث كونك فاعلاً ، لكنني أقف عندها من حيث كونك مفعولاً ، موضوعاً ، تريد أن تتحقق بالمحبوبية ولكن من قبل من ؟ من الذي إذا أحبك تحققت هذه الغاية الوجدانية في شطرها المفعول في شطرها الأمثل ؟ من ؟ إذا أحبك والدك فقد تحققت هذه الغاية ولكن هذا التحقق ليس هو التحقق الأمثل ، ولكنه تحقق أو سير في طريق التحقق ، إذا أحبتك والدتك ، إذا أحبك الصالحون ، فهذا تحقق وروعة في التحقق ، إذا أحبك الأنبياء ، إذا أحبك الأولياء ، ولكن الغاية هذه تتحقق تحققاً أمثل وتتحقق تحققاً أعظم إذا ما كنت محبوباً من قبلك ربك الذي خلقك فسواك فعدلك ، من قبل ربك المطلق ، من قبل ربك الفعال لما يريد ، ولعلك تسأل ومن الذين يحبهم الله حتى أعاير نفسي عليهم ، فإن كنت منهم اطمأننت إلى محبة الله إياي ، أحبني الله ، من أولئك الذين يحبهم الله ، ونقول هذا ساعين إلى تحقيق الغاية الوجدانية التي هي الحب ، لأن الإنسان من دون غاية إنسان ضائع ، وإنسان بغايات تستثنى منها الغاية الوجدانية إنسان ناقص في غاياته ، إذا أحبك الله فقد تحققت الغاية الوجدانية في شطرها المفعولي تحققاً أعظم وأمثل ، بل تحققت التحقق الأعظم والأمثل . من الذين يحبهم الله حتى تعاير نفسك عليهم فترى فيما إذا كنت منهم وبالتالي تطمئن . اقرأ القرآن الكريم يا أخي ، اقرأ القرآن الكريم يا أيها الشاب ، اقرأي القرآن الكريم يا أيتها الفتاة , اقرأي القرآن الكريم يا أيتها المرأة ، نريد أن ننظر غاياتنا من خلال كتاب ربنا ، وأن نرى فيما إذا كنا قد تحققنا بغاياتنا من خلال كتاب ربنا ، نفتح القرآن الكريم وإذ بنا نقرأ : عن الله يحب كذا ، فتقع أعيننا على قوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص )
الصف : 4 فإن كنت من هؤلاء الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص فالله يحبك ، وبالتالي تحققت غايتك الوجدانية تحققاً أمثل ، بل التحقق الأمثل ، وفي هذا العصر عدونا الذي يجب أن نقف في مواجهته كأننا بنيان مرصوص وكالبنيان المرصوص هو إسرائيل . إسرائيل عدو أكيد ، إسرائيل شر لا يختلف في كونه شر عاقلان ، إسرائيل آثمة ، إسرائيل معتدية ، إسرائيل ضد الإنسان ، إسرائيل لا تريد سلاماً ، ولا تريد إنسانية ولا تريد أن يعيش الناس بشيء من الأمان ،ة هذا العدو الذي يجب أن نقف في وجهه وأن نقاتله كالبنيان المرصوص ، أو كأننا بنيان مرصوص : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) الصف : 4 فيا أيتها الشعوب العربية والإسلامية ، ويا أيتها الحكومات العربية والإسلامية ، ويا أيتها الجماعات في بلاد العرب والإسلام ، ويا أيها العقلاء : نريد أن نقف كأننا بنيان مرصوص في مواجهة هذا العدو . لا سلام ولا ومفاوضات ، وإنما حرب وقتال ومناورات ، نناور ونخدع هذا العدو لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال كما يروي ابن ماجه وصاحب السيرة قال لنعيم بن مسعود : " خَذِّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة " نناور ولا نُسَالِم ، ونقاتل ولا نطمئن إلى معسول كلامهم الذي لا يمت إلى العسل بصلة ولا يمت إلى الإنسانية بصلة ، وهنا أقول لإخواننا الفلسطينيين وللحكومات وللشعوب : قاتلوا إسرائيل كأنكم بنيان مرصوص والله يحبكم ، أتريدون أن تتحققوا بغاية أو بالغاية الوجدانية إذاً : قاتلوا إسرائيل كأنكم بينان مرصوص . لا نريد متسللين من الحكومات والشعوب يتسللون من صفوفنا المرصوصة ليسجلوا سلاماً مع أولئك الخونة ، مع إسرائيل ، ولا نريد متسللين من أفرادنا ليعقدوا صفقات سلم مع من لا أمان لهم .
لا أريد أن أقف عند هؤلاء المحبوبين من قبل الله ، سأتعداهم لأذكر أيضاً صنفاً آخر يحبه الله عز وجل فانظر هل أنت منهم ؟ إذاّ تحققت غايتك الوجدانية والله يحبك . مَنْ هؤلاء الصنف الثاني ( إن الله يحب المحسنين )
البقرة : 195 هكذا يقول الله في القرآن الكريم . من المحسن ؟ المحسن : هو الذي يتقن عمله المأمور به إتقان مراقب لله عز وجل . أرأيت لو أنك علمت بأن فلاناً يراقبك وأنت تأكل ألا تحسن طريقة أكلك ؟! لو علمت بأن فلاناً يراقبك وأنت تمشي ، ألا تسعى إلى تحسين المشية ؟! إذاً : الإحسان : إتقان العمل الذي أمرت به من قبل ربك ، إتقان العمل على أساس من مراقبة الله عز وجل ، لئن كنت تحسن العمل إذا كنت تشعر أن فلاناً يراقبك فمن باب أولى أن تحسن العمل لأنك تؤمن بأن الله يراك ويطلع عليك ويعلم متقلبك ومثواك ، ولا تغيب عنه خائنة الأعين ، ويعلم ما توسوس به نفسك وهو أقرب إليك من حبل الوريد . يا شبابنا نريد محسنين يتقنون عملهم إذ يخلون أو يختلون بينهم وبين أنفسهم لأن الله يراقبهم ، لأن الله يَطَّلع عليهم ، الله شاهدي ، الله ناظري ، الله معي ، الله ناظر إلي ، حَسِّن العمل . أقول دائماً لبعض الإخوة : الواحد منا على سبيل المثال إذا صلى الله عليه وآله وسلم منفرداً بينه وبين نفسيه لا يرقبه أحد تراه في صلاته متساهلاً في كمالها ، متساهلاً في حسن أدائها ، يصلي بسرعة ، ويقرأ السور من غير تأن ومن غير إعطاء الحروف حقها على سبيل المثال ، لكنه إن برز إلى الناس ، فصلى أمامهم عاد إلى صلاته بالإتقان والتحسين واطمأن في سجوده وركوعه وحسن صوته وأدى تجويد الحروف بالشكل الصحيح لأن الناس يرونه ، يا هذا : أنت محسن ولكن على أساسٍ من مراقبة الناس ، وإنما الله يحب من كان محسناً على أساس من مراقبة الله عز وجل . الله يحب المحسن الذي يتقن عمله على أساسٍ من مراقبة الله ، وكما قال الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله ، قال وهو يشرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال : راقب مراقبة الله لك ، نحن نقول راقب الله هذا صحيح وكأن هنالك كلمة محذوفة هي : راقب مراقبة الله لك ( إن الله يحب المحسنين ) البقرة : 195 فهل أنت محسن ، إذاً : الله يحبك ، وإذا كان الله يحبك فقد تحققت غايتك الوجدانية وتحققت هذه الغاية بشكل أمثل أو بالشكل الأمثل والأعظم .
صنف ثالث يحبه الله أيضاً ، الله عز وجل يحب التوابين هكذا قال الله ( إن الله يحب التوابين )
البقرة :  222 والتوبة ماذا تعني أيضاً ؟ التوبة انتقال جاد لا مزح فيه ، ولا تهاون فيه ، انتقال جاد من سيء إلى حسن ، ومن حسن إلى أحسن ، التوبة مستمرة ، التوبة انتقال وتحول بشكل جاد مستعيناً بالله عز وجل ( وتوبوا إلى الله ) النور : 32 أي عودوا إلى الأفضل ، مستعينين بالله ، ارجعوا إلى الله لن الله هو الأفضل ( وتوبوا إلى الله جميعاً ) النور : 32 من دون استثناء التقي والشقي والطائع ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) النور : 32 عودوا إلى الأفضل فإن كنت في سيء فانتقالك إلى الحسن عود إلى الأفضل ، وإذا كنت في حسن فعودك إلى الأحسن عود إلى الأفضل ، وأنت ما لم تكن في توبة مستمرة فستكون في تراجع ولولا ذلك ما قال النبي عليه وآله الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه البخاري : " توبوا إلى الله " وهنالك رواية رأيتها : " يا أيها الناس " وليس يا أيها المؤمنون : " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة " رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام يتوب في اليوم مائة مرة لأن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يترقى ويرتقي حيث لا نعلم ، حيث لا ندرك مدى هذا الترقي وأبعاد هذا الارتقاء ، الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في حالة ترقٍ مستمرة لا تقف " فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " ينتقل مائة مرة من الأحسن إلى الأحسن والأحسن ، ولا نقول بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ينتقل من السيئ إلى الحسن ، لا . لأنه معصوم ، معصوم من دون تردد ، وإنما ينتقل من الأحسن وليس حتى من الحسن ، وإنما من الأحسن إلى الأحسن إلى الأحسن إلى الأحسن إلى حيث لا نعرف ، إلى حيث لا ندري ، ومن منا يستطيع الإحاطة بترقي رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، من منا يدرك بعض ما يمكن أن يكون عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الترقي ( يحب التوابين ) البقرة : 222 .
أيضاً صنف رابع ( يحب المتطهرين ) ا
لبقرة : 222 والطهر في رأيي - ولا أريد أن أتوسع كثيراً - لكني أقول : الطهارة قسمان ، الطهارة المعنوية والطهارة الحسية ، الله يحب النوعين ، المتطهرين معنى وحساً ، والمتطهر معنى هو الذي يطهر قلبه من الشرك والغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهية للمؤمنين ، ومن كل ما يسوء الإنسان ويسيء إلى الإنسان " إن في الجسد مضغة " هكذا قال عليه وآله الصلاة والسلام كما يروي البخاري ومسلم " إذا صَلَحَت صَلَح الجسد كله " وفي رواية " إذا صلُحت صَلُح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " طهِّر قلبك ، طهر القلب إن أردت هواهم ، طهر القلب إن أردت أن تكون أيها الإنسان أن تكون من المحبوبين لله عز وجل ، طهر القلب من كل ما يسئ إلى القلب فالله يحب المتطهرين ، ويحب المتطهرين معنى وحِسَّاً ، والحِسّ ، يقول نبينا المصطفى عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء سنن في الترمذي : " إن الله طيب يحب الطَّيِّب " وفي رواية : " يحب الطِّيْب " الطِّيب مصدر الطَّيِّب ، إن الله طيب يحب الطَّيِّب " ، " إن الله جميل يحب الجمال " ، " إن الله نظيف يحب النظافة " هكذا قال النبي في حديث الترمذي " نظيف يحب النظافة ، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود " إذا أردت أن تعرف بأنك محبوب فانظر طهارتك المعنوية والحسية ، أنا لا أعرف حقيقة الطهارة المعنوية بالنسبة للأشخاص ، لكننا نرى الطهارة المادية ونرى مجتمعاتنا اليوم لا تقوم بتحقيق هذه الغاية ، أي لا تتطهر مادياً . التطهر المعنوي موكول إلى الله ، أما الطهارة الحسية والنظافة الحسية فحسبنا أن ننظر شوارعنا وبيوتاتنا ومداخل أبنيتنا ، وأن ننظر مدارسنا وأن ننظر الأماكن العامة لننظر مدى تقصيرنا حيال الطهارة المادية ، حيال أمر رسول الله لنا بأن نكون نظيفين " إن الله نظيف يحب النظافة ، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود " انظروا يا إخواننا في شوارعنا ، في ساحاتنا ، انظروا إلى الطهارة لتروها غائبة - لا أقول كلياً ولكن بنسبة تقترب من الكل - شوارعنا غير طاهرة غير نظيفة ، بيوتاتنا أفنية ديارنا أحياؤنا إلى آخره لا تتمتع بشيء أو بعنوان يمكن أن يطلق عليه الطهارة المادية ، لماذا يا إخوتي ؟ نحن نريد أن يحبنا الله ، والله يحب المتطهرين ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) البقرة : 222 ورسوله عليه وآله الصلاة والسلام أكد هذا " إن الله طيب يحب الطِّيْب " ، " إن الله جميل يحب الجمال " ، " إن الله نظيف يحب النظافة ، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود " الوسخين مادة معنى ، القذرين مادة ومعنى ، ونحن نضرب الأمثال في يوم من الأيام باليهود بوساخته وقذارته المادية والمعنوية ، ولكننا للأسف نضرب المثل به ولا ننتهي عما من أجله نضرب المثل ونبقى نرتكب ما ارتكب ونفعل ما فعل ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) البقرة : 222.
هذه أصناف أربعة ، هنالك أربعة أصناف أخرى لن أسوقها في هذه الخطبة ، سأتركها لتكون موضوعاً في خطبة لاحقة في خطبة الأسبوع القادم إن شاء الله ، لكنني أتوجه إلى نفسي وإلى إخواني : هيا فلنحقق الغاية الوجدانية فيحبنا الله ، هيا حتى يحبنا الله ، حتى نكون محبوبين من قبل خالقنا ، هيا إلى مقاتلة العدو صفاً كأننا بنيان مرصوص ، هيا إلى الإحسان ، هيا إلى التوبة ، هيا إلى الطهارة . أنادي كل مجتمعي – واسمحوا لي أن أهمس في أذن الإعلام – لأقول : أيها الإعلام : عليك مَهَمَّة ومَهَمتك الأساسية - أيها الإعلام على اختلاف تجلياتك - عليك أن تسعى إلى بناء الإنسان ، وإذا لم تذكر للإنسان غاياته فستكون مقصراً في بنائه ، وإذا لم تذكر غاية الإنسان الوجدانية فأنت مقصر في ذكر الغايات ، وإذا لم تدعم الإنسان من أجل أن يتحقق بغاياته وأن يحقق غاياته فأنت مقصر أيضاً ، الغاية الفنية هي الغاية الوجدانية ، نحن لا نرفض الفن لأن الحب فن ، بل لأن الحب أعظم الفنون ، ولكن نريد للفن أن يكون في مجراه ، فإذا خرج عن مجراه كان التعامل معه إسرافاً ، أرأيت لو أخرجت ماء النهر من مجراها لكنت مسرفاً ، بل لكنت مجنوناً ، نحن نريد للفن ، والحب فن ، وقديماً تغنى شعراؤنا بالفن السامي الإنساني الذي يعلوه الحب وينتظم فيه تاجاً على كل ما يمكن أن يشكل تجليات لهذا الفن ، لسنا ضد الفن ولكننا ضد التزوير، ضد التزييف لكلمة الفن ، وكلمة الحب ، وكلمات أخرى تصب في هذا المصب . يا ربنا بسر نبيك الأكرم ، بسر حبيبك الأعظم ردنا إلى دينك رداً جميلاً ، اجعلنا ممن يحقق غاياته الوجدانية ، اجعلنا ممن تحبهم يا رب العالمين ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق