آخر تحديث: الجمعة 18 تشرين الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
رمضان شهر الحرية

رمضان شهر الحرية

تاريخ الإضافة: 2003/10/31 | عدد المشاهدات: 2832

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
قلت عن رمضان في يوم من الأيام ، عن هذا الشهر الفضيل المبارك : إنه شهر الحرية ، وهذه الكلمة ( الحرية ) نسمعها كثيراً في الميدان السياسي وفي الميدان الاقتصادي وفي الميدان الاجتماعي ، ولكن ماذا تعني هذه الكلمة ( الحرية ) ولماذا كان رمضان شهر الحرية ؟ الحرية أيها الإخوة الصائمون القائمون إن شاء الله الحرية هي قدرة على الاختيار بين أمرين ممكنين ، وإذا ما كنت قادراً على الاختيار بين أمرين ممكنين فأنت حر ، ولكن ما تختار ؟ ما الذي ستختاره حتى تكون حريتك إيجابية ؟ إذا كنت أمام أمرين أحدهما لا خير فيه ، والثاني فيه خير ، فعندما تختار الذي فيه الخير إذاً فأنت حر إيجابي ، وعندما تختار الأمر الذي لا خير فيه فأنت حر سلبي . مَن الذي يرشدني إلى أن هذا الأمر فيه خير ، وإلى أن ذاك الأمر ليس فيه خير ؟ الله عز وجل هو الذي يرشدني إلى ذلك ، لأن الله أعلم بما يصلحني مني بما يصلحني ، فالله عز وجل قال في محكم آياته الكريمة : ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾
الشمس : 8 - 9 ألهمها فعل الخير ، فعل الفجور ، وفعل التقوى ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ الشمس : 9 - 10 قد أفلح من زكاها ، من اختار الأمر الخيِّر الذي قال الله عنه إنه خيِّر ، وقد خاب من دساها من اختار الأمر الشرير الذي قال الله عنه إنه شرير ، ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها كذبت ثمود بطغواها ﴾ الشمس : 9 - 11 ثمود كذبت ، اختارت الأمر الشرير ﴿ كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها ﴾ الشمس : 11 - 14 قال لهم رسول الله لا تقتلوا الناقة واختاروا عدم قتلها ، لكنهم كانوا أحراراً ، إلا أن حريتهم كانت سلبية ، نحن في رمضان في شهر الحرية ، كيف ذلك ؟ أنت يا أخي أمام أمرين ممكنين ، فإما أن تختار الصوم المفروض من الله عز وجل ، وإما أن تختار الفطر المرفوض من الله عز وجل ، فأنت بين صوم مفروض ، وفرضه رحمة ، وفطر مرفوض من الله عز وجل ، فإذا ما اخترت الصوم المفروض وهو الأنفع ، وهو الخير ، فأنت حر إيجابي ، وإذا ما اخترت الفطر المرفوض وأفطرت في رمضان فقد أصبحت حراً ، لكنك حر سلبي ، ويتتابع الأمر ، وجرب نفسك في كل الأمور هل أنت حر إيجابي أم حر سلبي ، إما أن تعبد الله وإما أن تشرك معه غيره ، أنت تختار بين أمرين وأنت قادر على أن تختار بين أمرين ، إما أن تعبد الله وإما أن تشرك معه غيره ، أو أن تعبد غيره ، أو أن تتوجه إلى غيره ، ولكن ستكون حراً إيجابياً إذا اخترت عبودية الله ، وستكون حراً سلبياًَ إذا اخترت عبودية غيره ، حينما تختار عبودية الله فأنت تستجيب للفطرة ، للأنفع ، للأصلح ، الله عز وجل قال ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ البقرة : 21 - 22 اعبدوا هذا الإله ، أما إذا عبدتم غيره فمن الذي ستعبدون ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ﴾ الحج : 73 إن اخترت عبودية الله فأنت حر إيجابي ، وإن اخترت عبودية غيره فأنت حر سلبي ، وإذا أطلقنا الحرية من دون سلبية ولا إيجابية انطلقت إلى الحرية الإيجابية ، انصرفت إلى الحرية الإيجابية ، ويتتابع الأمر ، فإما أن تختار كتاب الله منهجاً ودستوراً ، وإما أن تختار منهجاً بشرياً وكتاباً آتياً من غير الله ، إن اخترت كتاب الله منهجاً فلنعم ما اخترت ، ومن أولى من الله بعباده ؟‍ حينما تختار كتاب الله منهجاً فأنت حر إيجابي لأن هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم ، ولأن هذا الكتاب من الله العظيم الكريم ، الذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما يصلحنا وما لا يصلحنا ، فإن اخترت غيره فأنت حر سلبي ، أو بالأحرى على ما ذكرنا لست بحر ، لأن الحرية إذا أطلقت انصرفت إلى الحرية الإيجابية ، إن اخترت غيره من الكتب الآتية من البشر فيا بؤسك ويا ويحك ويا ويلك ، لقد فضلتَ كتاباً آتياً من البشر على كتاب آتٍ من الله ، لقد فضلت كتاب المحدود على كتاب المطلق ، لقد فضلت كتاب الجاهل الذات على العليم الذات ، لقد فضلت كتاباً لا يحيط بك علماً صاحبه على كتاب يحيط بك علماً صاحبه ، ولذلك اختر كتاب الله عز وجل منهجاً ودستوراً ، وأنا أقول هذا الكلام لا أخاطب المسلمين فحسب ، لكن أخاطب العالم كله ، أخاطب المسلمين وغير المسلمين لأقول لهم : إن العقل والواقع أثبتا أن القرآن كتاب ، منهاج ، دستور للإنسان يصلح له ما دامت الحياة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، إلى يوم القيامة . أتوجه لأؤكد على ما قلته الأسبوع الفائت ، أتوجه إلى المسؤولين في بلادنا لأقول لهم : عمِّقوا القرآن وصلة القرآن بشعبنا ، عمِّقوا القرآن ، وعمقوا الترابط بين القرآن وبين الثقافة ، بين القرآن وبين الإعلام ، بين القرآن وبين العلم ، بين القرآن وبين الحياة ، بين القرآن وبين العدل ، بين القرآن وبين التربية ، عمقوا الصلة فإننا - ورب الكعبة ، وما قسمي هذا بسهل - إننا إذ ندعو إلى ذلك فإننا ندعو إلى حرية . ويتتابع الأمر ، فأنت أيها الإنسان إما أن تختار الطاعات وإما أن تختار المعاصي ، فإن اخترت الطاعات فالطاعات نافعة لك ، فأنت حر إيجابي ، وإن اخترت المعاصي والآثام فهي شر لك وأنت حر سلبي ، أو لست بحرّ .
قرأت عبارة للإمام سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه يقول : " ما أصعَبَ - والكلمة جدُّ رائعة - ما أصعب على من استعبدته شهواته أن يكون فاضلاً " أن يكون ذا فضل ، إما أن تختار المعاصي وإما أن تختار الطاعات ، وأنا أنادي شبابنا في الجامعة ، شبابنا في المدرسة ، شبابنا في الشارع ، أنادي نساءنا ، أنادي فتياتنا ، أنادي الجميع لأقول للجميع : اختاروا الطاعات ، ففي اختيار الطاعات مصلحة لكم ، لبلدكم ، لبيوتكم ، لفضلكم ، لفضيلتكم ، لمجتمعاتكم ، لدنياكم ، لأخراكم ، وإن اخترتم المعاصي - ولا أريد لشبابنا أن يكون عبداً لشهواته - " ما أصعب على من استعبدته شهواته أن يكون فاضلاً " لا أريد لشبابنا ولا لفتياتنا أن يكونوا ماجنين ، وأن يكنَّ ماجنات ، أو أن يكنَّ خليعات ، أو أن يكونوا متبذلين ، أو أن يكنَّ متبذلات ، لا أريد لشبابنا هذا . إني أريد لهم حرية إيجابية ولا أريد لهم استرقاقاً أو رِقَّاً لعبودية ، لشهوات ونزوات . اختر أيها الشاب ، اختر ما يعود عليك نفعه على جسمك ، على روحك ، على حياتك ، في دنياك وفي أخراك . ويتتابع الأمر فنحن أمام أيضاً اختيارين : إما أن نختار السلام ، واسمحوا لي أن أقول هذا لأن الزمن الذي نعيش فيه يتطلب منا ذلك ، إما أن تختار السلام ، السلام القائم على الظلم ، السلام القائم على العدوان ، وهذا ما ليس فيه نفع لنا على الإطلاق ، وإما أن نختار المقاومة ، وإننا إذ نقول المقاومة لا نريدها لذاتها وإنما نختار المقاومة من أجل أن نصل من خلالها إلى سلام ، فنحن دعاة سلام ، من أجل أن نصل من خلالها إلى سلام قائم على العدل ، قائم على الحق ، قائم على الصدق ، قائم على رد المعتدي ، قائم على دحر الغاشم ، قائم على استرجاع الحقوق إلى أصحابها ، قائم على رد الحقوق إلى أنصبائها ، إلى أصحابها ، نحن حينما نختار المقاومة لا نختارها لأننا نحب المقاومة أو الحرب ، لا والله ما أحد منا يحب الحرب ، وما كان رسول الله يحب الحرب ، وإنها ليوم كريهة ، والحرب تسمى بالكريهة فهي مكروهة ، لا نريد أن نزرع في نفوس شبابنا محبة الحرب ، أو محبة المعركة ، فالحرب والمعركة أمران طارئان لكننا حينما نحتار ، وأؤكد على هذا - حينما نختار المقاومة فمن أجل الوصول إلى السلام ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا منة ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ﴾
الحج : 39 نختار المقاومة طريقاً إلى السلام العادل ، وعدل السلام يعرفه الناس العقلاء كافة ، السلام العادل ليس على المقياس الصهيوني ، والسلام العادل ليس على مقياس الإدارة الأمريكية ، والسلام العادل ليس على مقياسنا حتى ، السلام العادل على مقياس الحقيقة والحق ، على مقياس الدراسة والبحث ، نحن ندرس ، ونحن نبحث ، وما يوصلنا إليه البحث الجاد والدراسة الجادة فنحن معها ، وسلامنا قائم على عدل تنتجه الدراسة والبحث والتمحيص ، وأظن أن الدراسة الجادة والبحث والتمحيص أنتجت أن السلام العادل يعني أن يرحل أولئك الطغاة ، أن يرحل أولئك البغاة ، أن يرحل أولئك الآثمون من أرض فلسطين ، هذا هو السلام العادل الذي نسعى إليه ونريده ولا نبغي - لا ورب الكعبة - لا نبغي قتالاً ولا نحب القتال ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ البقرة : 216 وإقرار من الشرع بأن القتال أمر مكروه ، والحرب أمر مكروه أيضاً ، ولذلك نؤكد على ما قلناه أيضاً ، يا أمتي : رمضان شهر القرآن ، وعلى الصائم ، أو بالأحرى رمضان شهر الله ، شهر العبودية لله ، على الصائم أن يختار عبودية الله ، رمضان شهر القرآن وعلى الإنسان الصائم أن يختار القرآن ، رمضان شهر الطاعات وعلى الإنسان الصائم أن يختار الطاعات ، رمضان شهر الجهاد ، ففي رمضان كانت غزوة بدر ، وغزوة الفتح ، فعلى الإنسان الصائم أن يختار الجهاد ، وأعلق وأؤكد على أننا لا نريد المقاومة لذاتها ولا نحب المقاومة لذاتها ، ولكنها طريق مُمَحَّص وأكيد للوصول إلى السلام ، لا تقولوا عنا بأننا لا نريد السلام ، ولا تسموا إسرائيل بأنها دولة تريد السلام ، نحن الذين نريد السلام ، وإسرائيل لا تريد السلام ، وإسرائيل تعرض عن السلام ، وإسرائيل تذبح السلام ، نحن الذين نريد السلام ، ولكن كما قلت نريد السلام القائم على الحق .
يا رب رمضان وفقنا من أجل أن نكون أحراراً إيجابيين ، نختار عبوديتك على عبودية لغيرك ، نختار قرآنك على كتاب آتٍ من غيرك ، نختار طاعاتك على المعاصي والآثام ، نختار السلام العادل الذي يحقق للإنسان وجوده ومبتغاه ، أنت يا رب مبتغانا ، نسألك يا ربنا كما وفقتنا لاختيار ما ينفعنا في الدنيا أن تختارنا يوم القيامة لجنة أعدت للمتقين ، أن تختارنا يا رب للورود على الحوض الشريف ، لدخول الجنة من باب الريان ، يا رب العالمين ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .
 

التعليقات

شاركنا بتعليق