آخر تحديث: الإثنين 30 مارس 2020
عكام


أخبار صحـفيـة

   
عولمة التوصيف والمصير / جريدة تشرين

عولمة التوصيف والمصير / جريدة تشرين

تاريخ الإضافة: 2002/12/14 | عدد المشاهدات: 2580

جريدة تشرين ، تاريخ 14 / كانون الأول / 2002

أولاً : تعريف العولمة :
العولمة: من العالم ، على وزن ( فوعلة ) أو ( فعللة ) ، وهو رباعي مخترع . ‏ وتعولمنا : أي صرنا عالميين . ‏
والعالمية : اتحاد شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة . ويغدو الانتماء للعالم كله بدلاً من الانتماء لدولة ، فهي باختصار : إعطاء الشيء صفة العالمية من حيث النطاق والتطبيق . ‏
وقد عُرفت العولمة بأنها : الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البُعدين الزماني والمكاني ، مما يجعل العالم يبدو صغيراًَ يحتم على البشر التقارب بعضهم من بعض . ‏ وهناك تعريف يقول : هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك ، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة ، أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية . وهي باختصار: ‏
هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم ، مضافاً إلى انتشاره في الظاهر . وبعبارة أخرى : هيمنة النمط الرأسمالي الأميركي ، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي ، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي ، وذلك ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي وهو الفضاء الكوني برمته ، وتعيين زماني تاريخي وهو حقبة ما بعد الدولة القومية . وإن هذا المعنى يصب في عودة الهيمنة الغربية من جديد ، ولكنها تحمله على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح ، ومدججة بالعلم والثقافة ، حتى وإن كانت غير إنسانية ، وهكذا خرج النظام الرأسمالي من واجهة المزاحمة والمنافسة الحرة إلى واجهة الاحتكار والهيمنة والاستعمار .
ونؤكد هنا أمراً نستعجل ذكره فنقول : إن الرأسمالية والعولمة مخالفة للفطرة والعقلانية وسيكون مصيرها نتيجة لهذا ، مصير الشيوعية والاشتراكية نفسه سقوطاً وزوالاً .
ثانياً : جذور العولمة الغربية :
ظهرت الليبرالية الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد سقوط الشيوعية وتفكك الاشتراكية وتفسخ اليمين التقليدي ، وكان ظهورها بثوب العولمة لتغزو كل الدول وتدعو إلى حرية انتقال رأس المال ، وإلغاء الحواجز الجمركية ، والإطاحة بالأنظمة لتعزيز حرية المبادلات التجارية ، حيث أفرز نوعاً من التباعد بين النشاط المالي والنشاط الاقتصادي ، فمن أصل رأسمال قدره ألف وخمسمائة مليار دولار تدور في دوامة العمليات اليومية على الصعيد العالمي نجد أن هناك واحداً بالمائة فقط يخصص للبحث عن ثروات جديدة ، بينما يدور الباقي في إطار المضاربات . ‏
ومعه تحول النظام الرأسمالي إلى نظام عالمي بقيادة أمريكا ، والسبب هو أن أمريكا واسعة من حيث الثروات ، وديمقراطية ولو بنسبة من حيث النظام ، وممتدة من حيث الجغرافية ، ووفيرة من حيث السكان ، وقد ابتدأت أمريكا بسلوك اتجاه فرض هيمنتها على العالم ، مع تعاظم القوة الاقتصادية للشركات المتعددة القوميات ، والتي مثلت سلطة هذه العولمة ، دون أن تعلن عن هويتها أو ولاءاتها . وكلنا يعلم ويذكر المظاهرات الاحتجاجية التي نظمت في ( سياتل ) عام ألفين ، بمناسبة اجتماع وزراء الدول الأعضاء في منظمة التجارة الدولية ، وقد استطاع المتظاهرون احتجاز الرئيس الأمريكي ( بيل كلينتون ) في الفندق أربع ساعات ونصف ، وبعد أن وصل إلى المؤتمر أشار في خطابه إلى أن الدول يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الشعارات التي نادى بها المتظاهرون ، وقد سمعها بنفسه وكان منها :
- الرأسمالية وحش قاتل .
- نطالب بقيم الإنسان ، وليس بقيم ملاك الشركات الكبرى .
- النظام الرأسمالي يدفع المواطنين إلى الانتحار .
وكذلك جرى في ( مالبورن ) في استراليا ، إذ قامت مظاهرة مناهضة ومنددة إبان افتتاح ( قمة آسيا المحيط الهادي للمنتدى الاقتصادي العالمي ) ، وكان من جملة ما رفعه المتظاهرون من شعارات : ‏ناهضوا العولمة قبل أن يملكنا رجال الأعمال والمال .
وفي بيان وقعته/1200/ منظمة من سبع وثمانين دولة جاء فيه : ( إن منظمة التجارة العالمية في السنوات الخمس الأخيرة قد أسهمت بدور بارز في تركيز الثروة في أيدي أقلية من الأثرياء ، جنباً إلى جنب مع تفشي الفقر لأغلبية سكان الأرض ،... إن الاتفاقات التي أبرمت في الأورغواي للتجارة قد استهدفت فتح أسواق جديدة لصالح المؤسسات متعددة الجنسيات ، وعلى حساب الاقتصاد الوطني والعاملين الزراعيين... ) . ‏
ثالثاً : أهداف العولمة الغربية :
إن أهم أهداف العولمة الغربية : سيادة النظام الغربي ، وهيمنة الأفكار الغربية وثقافتها ، إذ أن جوهر وكُنه عملية العولمة يتمثل وبصورة خاصة في تسهيل حركة الناس وانتقال المعلومات والسلع والخدمات على النطاق العالمي . وتشمل الحركة والانتقال ، إذاً ، أموراً ستة :
أ - رأس المال . ب - السلع . ج - الأفكار . د - الأفراد . هـ - الخد مات . و - لمعلومات والمؤسسات الاقتصادية .
وعلى هذا : فالعولمة الغربية تتجلى أكثر ما تتجلى في مجالين أساسيين هما : المجال الاقتصادي والمجال السياسي . وقد تداخل المجالان وتبديا من خلال :
أ. الإقبال المتنامي على التكتل الاقتصادي .
ب. تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات وتنامي أرباحها .
ت. إثارة المشكلات الاقتصادية وتدويلها : كالفقر والأمية والتلوث .
ث. تزايد دور التقنيات والتغييرات السريعة في أسلوب الإنتاج ونوعيته .
ج. شيوع ظاهرة القرية العالمية والأسرة الواحدة ، وكثرة الاحتكاك بين الشعوب .
و تقدم وسائل الإعلام وتطورها ، وتأثيرها الكبير على حياة الإنسان ، وتشابك الثقافات وتداخلها . ولا يخفى بعد هذا : أن العولمة أضحت تعني ( الأَمْرَكة ) والأمركة تعني السيطرة والهيمنة والتحكم والتلاعب بالسياسة والاقتصاد في مختلف البلاد والعباد ، بل قد أخذت تمتد وتمتد لتطول ثقافات الشعوب ، وتنال من الهويات الوطنية والقومية ، وطفقت تسعى جادة لتعميم نمط من السلوك والأخلاق والآداب وأساليب العيش والتدبير ، والأمر في حقيقته احتلال للعقل وللتفكير ، وتسييرهما بعد الاحتلال وفق أهداف المحتل ومصالحه الشخصية ، وقد أشار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ( الأب ) إلى ذلك وأكد عليه حين قال في أجواء الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية : ( إن القرن القادم سيشهد انتصار القيم الأمريكية وأنماط العيش والسلوك الأمريكي ) .
رابعاً : أدوات العولمة الغربية :
1- الشركات متعددة الجنسيات : إن الشركات متعددة الجنسيات تعد اليوم من أهم الأدوات التي تستخدمها الرأسمالية الغربية ، ولا سيما الأمريكية ، وذلك للعوامل التالية :
أ . الشيوع الواسع والانتشار السريع ، ولقد بلغ عدد الشركات متعددة الجنسيات ما يقرب من أربعين ألف شركة ، يطول نشاطها القارات الخمس والمحيطات الستة .
ب . نهوض تلك الشركات بمهمة تدويل المنتجات والخدمات والتجارة والاستثمارات ، مما أدى إلى سيادة أنماط عالمية في ميدان الاستثمار والاستهلاك والتصدير والتسويق .
ج . انسلاخ النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي عن المواقف المشرفة وعن المشاعر والعواطف الإنسانية كلما تصادم حق الإنسانية مع حيوية الاقتصاد ، وقد فصل عن العمل في المؤسسات الأمريكية ما يقارب خمسين مليون عامل ، في مدة لا تتجاوز العشرين عاماً الماضية .
2- إسرائيل إحدى أدوات العولمة : لأنها تفتت الوحدة المنشودة لمنطقة الشرق الأوسط ، أو للأمة العربية ، في رأس حربة تغرز في جسم من يمكن أن يحمل لواء عولمة مقابلة بل محبطة لعولمة الغرب . ‏ وقد سعت أمريكا منذ فترة ليست وجيزة إلى دعم " إسرائيل " مادياً وعسكرياً وسياسياً ، وقد صرح أحد الرؤساء الأمريكيين قائلاً : ( إن لأمريكا مصلحة خاصة ليس في إسرائيل فقط ، بل في التعاون المشترك بين بلدينا في المنطقة ، ونحن نتفهم ونؤيد بحزم حاجة إسرائيل إلى الاحتفاظ بالتفوق العسكري النوعي على خصومها العرب ، ويلزم إقامة لجنة أمريكية إسرائيلية مشتركة في ميدان التقنيات وصنائع القرن الحادي والعشرين ) . ‏
3- الفساد الجنسي : لأنه يجلب اقتصاداً للشركات الكبرى ، وهذه الشركات لا يهمها إلا الربح ، ولم يعد الأمر بالنسبة لها فضيلة أو سواها ، بل القضية احتكار ربح . وتفيد أرقام منظمة الصحة العالمية أن خمسمائة ألف امرأة وصلن إلى دول الاتحاد الأوروبي في نهاية 1995 عبر المتاجرة بهن ، وقدر المسؤولون الأمريكيون في مؤتمر بكين الخامس عدد تلك النساء اللواتي دخلن إلى الولايات المتحدة الأمريكية بخمسين ألف امرأة !
خامساً : سلبيات أخرى في العولمة الغربية :
1- يحكم هذا النظام قانون تضخيم الأرباح ولو على حساب أرواح جياع ملايين من الناس
2- يحكم هذا النظام العلمانية ( التي ترفض كل الشرائع الإلهية ، ومرجعية النظام العلماني : المنفعة الخاصة المادية ) .
3- أشاعت الفساد الأخلاقي ، فقد انتشرت المخدرات ، وجرائم القتل ، وسقطت كرامة الإنسان ، وبدل أمنه خوفاً ، وهبطت المُثُل ، وتفوقت الماديات على المعنويات في كل شيء .
4- انتشر الفقر وازداد سطحاً وعمقاً ، فقد دلت الدراسات على أن ثلاثة مليارات ونصف المليار من سكان العالم لا يحصل إلا على 6% فقط من الدخل العالمي ، فيما يحصل الملياران ونصف المليار الأخرى على 94% من الدخل العالمي ، وفي تقرير رسمي نشر فيه : إن أربعين ألفاً يموتون يوميا جوعاً ، وإن ما يقرب من مليار إنسان يعانون من سوء التغذية ، وإن حوالي مليار ونصف المليار من دون مياه صالحة للشرب ، وإن مليار إنسان عاطل عن العمل ، وإن ثلاثمائة وخمسين ألف طفل يموت يوميا في أنحاء العالم ، بينما يقدر ما تسيطر عليه شركات السلاح وأسواق المخدرات من المال بـ 90% من الاقتصاد العالمي .
5- إن العولمة الغربية قضت على حقوق الإنسان الثقافية : فالعولمة الغربية كالوحش الكاسر ، التي تأتي على الأخضر واليابس الذي نبت خارج إطارها ، لتمحوه وبدون هوادة ، ومن المعلوم أن لكل مجتمع قيمه المتجذرة فيه ومثله الراسخة في ضميره ، وهذه القيم وتلك المثل هي التي تشكل نظرته ، لكن العولمة تقضي عليها وتحل محلها قيمها ومثلها المادية ، ولا يخفى أن المعاهدات الدولية تؤكد على أن للإنسان الحق في التمسك بثقافته الخاصة ، والتكلم بلغته الخاصة ، والتجاهر بدينه الخاص ، والإعلان عن مذهبه الخاص ، لكن العولمة تبغي تعميم ثقافة واحدة على سائر أركان المعمورة ، وهل هذا إلا افتراء ؟! وقد عرف عن أمريكا تفوقها على بقية الدول في نسبة ما تصدر من مواد ثقافة فكرية وترفيهية تنشيطية ومسرحيات وأفلام وبرامج ، إلى حد أن صادراتها في هذا الشأن تفوق صادراتها في المجالات الأخرى .
6- بلاء التلوث : الذي سببته الصادرات الصناعية الأكثر تلويثا للبيئة ، وقد تكون المجتمعات المستوردة ليست ذات حاجة ، لكنها وبفعل ضغط الدعاية العولمية والتسهيلات المادية ظاهرا تغدو في حالة شعور بحاجة إلى ذلك .
سادساً : مصير العولمة الغربية :
إن العولمة الغربية في نظر ذوي العقول السليمة لم تؤسَّس على أسس عقلية ومنطقية ، ولا على قواعد أخلاقية ولا إنسانية . وعولمة هذه ملامحها السقوط مالها ، كما حدث للعولمة الشرقية الشيوعية التي قامت يوم قامت على المعايير المتخلية ذاتها عن العدالة والفضيلة ، التي تقوم عليها عولمة الغرب اليوم .
د. محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق