آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
بين النصر والفتح 2- وتعليق على ليلة النصف من شعبان

بين النصر والفتح 2- وتعليق على ليلة النصف من شعبان

تاريخ الإضافة: | عدد المشاهدات: 3662

لي معكم في هذه اللطيفة وقفتان:

الوقفة الأولى: إعادة لما كنا قد قررناه الأسبوع الماضي حول قول الله تعالى:﴿إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾.

نعيد القول في معنى النصر والفتح بناء على طلب بعض الإخوة منكم.

لماذا قال الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ولم يقل: إن جاء نصر الله والفتح ؟

وهذا سؤال لم نتعرض للبحث في الجواب عنه الأسبوع الماضي.

ما الفرق بين "إن" الشرطية و "إذا" الشرطية ؟

على سبيل المثال يقول الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ ويقول الله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾.

ويقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان﴾.

الفرق بين "إذا" و "إنْ" أنَّ "إذا" تستخدم للشرط وتعني أن فعل الشرط الذي يأتي بعدها مؤكد الوقوع، بينما يكون فعل الشرط بعد "إن" غير مؤكد الوقوع.

إن قال إنسان لآخر: إذا جئتك مساء فعليك أن تفعل كذا... هذا يعني أن المجيء مؤكد الوقوع.

ولأن فعل الشرط بعد "إن" غير مؤكد الوقوع، فقد قال الله تعالى ﴿إن جاءكم فاسق﴾، لأن الفاسق قد يأتيكم وقد لا يأتي.

لكن الله تعالى قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ لأن النصر من الله مؤكد الوقوع، وقد جاء النصر فعلاً... جاء نصر الله والفتح وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أتم مهمته إذ أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهذا ما جعل ابن عباس يقول: إن هذه السورة تنعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لأن مهمته في الحياة قد أداها على الوجه الأكمل.

ثانياً: ما الفرق بين المصطلحين ؟

فالنصر والفتح ليسا مصطلحين مترادفين، بل هما مختلفان.

أما النصر: فهو غلبة أحد الطرفين على الآخر بالقوة. فإن كنت طرفاً في معركة فتغلبتَ على الطرف الآخر بالقوة فأنت منتصر.

وأما الفتح: فهو غلبة أحد الأطراف بالإقناع في حال السلم.

حينما يغلب أحد الطرفين الطرف الآخر ويقنعه بالحجة والبرهان، ويصبح الطرف الآخر مؤمناً ومعتقداً بما يؤمن به الطرف الأول... فهذا فتح.

الفتح غلبة بالمنهج عن طريق الإقناع لا بالقوة. ومن أراد أن يغلب الناس بمنهجه عن طريق القوة لا عن طريق الإقناع والحجة فهذا استبداد وديكتاتورية.

لقد دعانا ربنا إلى منهج النصر والفتح معاً، وكأنه يقول لنا: إن تنتصروا فهذا أمر حسن، ولكن عليكم أن تقدموا لمن انتصرتم عليهم منهاجاً مقنعاً يتحققون عن طريقه بالغاية المناسبة على مستوى الدنيا والآخرة معاً، لتكونوا عندها من الفاتحين.

والمنتصر بدون منهاج مناسب يقنع الناس به لا يستحق الرفعة في الدنيا ولا في الآخرة، ولن نرى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً إلا عندما نتحقق بالنصر والفتح.

هل يدخل الناس في دين الله أفواجاً في أيامنا هذه ؟

هذا سؤال طرحته منذ سنوات عديدة... وأعتقد أن الجواب عليه: لا... إنهم لا يدخلون. لماذا ؟...

لأننا إن كنا قد انتصرنا في المعركة المادية -وهذا أمر محل شك في رأيي- لم نقنع الناس في المواجهة السلمية... ولن يدخل الناس في دين الله أفواجاً إلا إن تحقق المسلمون بالنصر والفتح معاً.

 

الوقفة الثانية: حول شهر شعبان بشكل عام، وليلة النصف منه خاصة.

وفي البداية أحب التنبيه إلى أهمية التوثيق في الروايات والتأكد منها، فأنا أخشى من أن تغلب عاداتنا عباداتنا... علينا أن نكون متأكدين مما ورد في موضوع ليلة النصف من شعبان، من أجل أن نكون متبعين لا مقلدين، فنحن قوم هزمت تقاليدُنا تعاليمَنا، كما يقول أحد المفكرين.

لذا أحببت أن اقرأ لكم ما ورد من الأحاديث الصحيحة، أو تلك التي يمكن أن تكون صحيحة، مما يتصل بفضائل شعبان وليلة النصف منه. وهذه الأحاديث هي:

1- أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلاً". وفي رواية: بل كان يصوم شعبان كله.

2- وفي البخاري ومسلم عن أم سلمة قالت: ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.

3- وأخرج أحمد والنسائي عن أسامة بن زيد قال: (يا رسول الله: لم أرَكَ تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).

وأما الحديث الوحيد المتعلق بليلة النصف من شعبان فهو ما أخرجه ابن حبان وأحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله ليطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن أو قاتل نفس).

والمشاحن من لديه نية الشحناء، فهو مستعد للبغضاء، لأن الشحناء هي قابلية وحالة أكثر من كونها فعلاً، فافتح صدرك للناس لكي لا تكون من أهل الشحناء. أو لنقل: افتح صدرك للمؤمنين على الأقل.

وهناك حديث آخر يتعلق بعموم الأيام الثلاث البيض من شهر شعبان، أي أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، وهو الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عمران بن الحصين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له أو لآخر: (أصمت من سُرر شعبان ؟) قال: لا. قال: (فإذا أفطرت فصم يومين). قال ابن حجر في فتح الباري: المراد بالسرر هنا آخر الشهر سمي بذلك لاستسرار القمر فيها، ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، وقيل السرر وسط الشهر ورجحه بعضهم ويؤيده الندب إلى صيام الأيام البيض وسط الشهر.

التعليقات

شاركنا بتعليق