آخر تحديث: الأحد 15 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
غاية الصيام تقوى

غاية الصيام تقوى

تاريخ الإضافة: 2006/09/29 | عدد المشاهدات: 4856

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون الصائمون:

إن ربي جلت قدرته، شرع الصيام لنا وفرضه علينا فقال: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ وكأني بالآية تقول للصائمين عبر حروفها النورانية: أتدرون لمَ كتب الله عليكم الصيام أيها القارؤون المؤمنون بهذا القرآن ؟ أتدرون الغاية التي من أجلها فرض ربكم عليكم هذه الفريضة ؟ إن قلتم ندري فقولوها، وإن كنتم لا تدرون فتمعنوا فيَّ، بل انظروا فيَّ، فسترون أن الصيام كُتب عليكم من أجل أن تكونوا في النهاية من المتقين ﴿لعلكم تتقون﴾.

أيها الإخوة الصائمون: أنصح نفسي وإياكم في أن نسائل أنفسنا مساء كل يوم، بل وصباح كل يوم أيضاً، هل تحققنا بالغاية التي من أجلها شرع الصيام وكتب الله عز وجل علينا الصوم والصيام ؟ وبعبارة أخرى هل نحن من المتقين بعد أن صمنا هذا اليوم أو هذه الأيام أو هذا الأسبوع أو تلك الأسابيع ؟ هل أصبحنا من المتقين أم أن الصيام مر علينا فلم يترك فينا أثرا ؟ ولم تمر علينا التقوى بعد إذ مر علينا الصيام بل لم نعد من أولئك الذين حطت عليهم التقوى فارتديناها جلباباً ولباساً ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ كما قال ربي عز وجل.

لكنكم ربما تسألونني: أنا عندما أسائل نفسي – هكذا يقول السائل – فيما إذا كنت متقياً بعد صيام يوم أو يومين أو ثلاثة أيام أو الشهر كله، إذا سألت نفسي هل أنا من المتقين لكنني –واعذرني هكذا يتابع السائل فيقول- اعذرني إن قلت لك لا أعرف معنىً محدد للتقوى، فما التقوى حتى أنظر نفسي لأرى فيما إذا كنت متحققاً بها غايةً للصيام الذي كتبه الله عليَّ ؟

من أجل أن تعرف فيما إذا كنت متقياً أو لا. إليك ما تعنيه التقوى.

التقوى ثلاثة أمور وباختصار شديد، فضعوها في أذهانكم وأمام أعينكم وقايسوا عليها أحوالكم وأوضاعكم وانظروا فيما إذا كنتم قد تحققتم بهذه الأمور الثلاثة:

الأمر الأول: إخلاص التوجه لله عز وجل نية وغاية، أنت تصوم لله، وأنت تصوم لأن الله أمرك بهذه الفريضة، إخلاص التوجه لله عز وجل نية وغاية، ولذلك قال ربي عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه)، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم فيما يخص الصيام: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فالأمر الأول الذي يشكل ثلاثية التقوى إخلاص التوجه لله عز وجل نية وغاية، فهل أنت متحقق بالإخلاص ؟ إذاً أنت متحقق بثلث التقوى. هل أنت مخلص في صيامك ؟ هل أنت مخلص في قيامك ؟ هل تبتغي وجه ربك في صيامك ؟ هل تبتغي وجه ربك في قيامك ؟ إن كنت كذلك، وأنت أدرى بنفسك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم: (التقوى ههنا) وأشار إلى صدره الشريف. فأنت أدرى فيما إذا كنت مخلصاً في توجهك لربك نية وغاية.

الأمر الثاني الذي يشكل ثاني ثلاثة من ثلاثية التقوى: الاعتقاد الأكيد والمؤكد  بأن الله هو الفاعل المطلق وأنه المؤثر المطلق، وإن كنا نكرر هذا باستمرار لكننا نريد أن نلملمه في رمضان لأن رمضان كما قلت لكم وأؤكد على هذا بأن رمضان هو شهر فريضة الصيام التي يجب أن تؤدي إلى غاية التقوى، ومن هنا يجب أن ننتهي من رمضان وقد تحلينا بالتقوى أو على الأقل عرفنا ما تعنيه كلمة التقوى، الأمر الثاني إذاً هو الاعتقاد بأن الله هو الفاعل المطلق وأنه المؤثر المطلق وأريد من أساتذتنا ومعلمينا وموجهينا أن يكرروا على أسماع طلابنا وأبنائنا، وأريد من الآباء، وأريد من الأمهات أن يكرر الجميع على أسماع من ولاهم الله عليهم الحديث المعروف المشهور الذي يرويه الترمذي والذي يقول فيه النبي عليه وآله الصلاة والسلام وهو شاهد الأمر الثاني من أمور التقوى: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) الأمر الثاني إذاً هو الاعتقاد بأن الله هو الفاعل المطلق وأنه المؤثر المطلق، فيا هؤلاء: لا فاعل إلا الله، ولا مؤثر إلا الله، فعليكم أن تعتقدوا بهذا وإلا فالتقوى مجروحة، ﴿أليس الله بكاف عبده﴾، ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾.

الأمر الثالث من ثلاثية التقوى: ضبط العمل وفق شريعة ربك. وهذا يستلزم أن تتعرف على أحكام ربك في العمل الذي تقوم به، أنت تصوم عليك أن تتعرف على أحكام هذه الفريضة من خلال ما ورد فيها من قرآن كريم وأحاديث شريفة. الأمر الثالث الذي يشكل مع الأمرين الاثنين اللذين ذكرناهما: ضبط العمل وفق شريعة الله، كتبت كتاباً بعنوان مسيرة صائم وها أنا ذا أعرض عليكم ملخص يوم – بشكل مختصر جداً – للصائم الذي يضبط نهاره وفق شرع الله حتى يتحقق بالتقوى، تذكروا يا إخوتي بأن التقوى أمور ثلاثة: إخلاص التوجه لله نية وغاية، وأن التقوى الاعتقاد الأكيد بأن الله هو الفاعل المطلق والمؤثر المطلق، وأن التقوى ضبط العمل بما يرضي ربك ووفق شريعة ربك. ولئن كنا اليوم في حالة صيام فما هي الأحكام العامة التي تتناول هذه الفريضة ؟

هي باختصار أيها الأخ المسلم الصائم: إن رأيت هلال رمضان فما عليك إلا أن تقول: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله، فهل قلت هذا يا أخي حتى يكون عملك منضبطاً بضوابط شرع ربك ؟ هل قلت هذا عندما رأيت هلال رمضان ؟ هل قلت هذا أمام أولادك أمام تلاميذك أمام طلابك ؟ ونحن في هذه الأيام بل وفي كل أيام الدنيا بحاجة إلى أمن وأمان وسلامة وإسلام قل عندما ترى الهلال وقد رأيته وإن لم تكن قد قلت ذلك فقلها الآن وأنت ترى هلال رمضان ولو كان الهلال في اليوم السابع أو الثامن: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله، بعد أن تقول هذه الكلمة بتمعن وتفكر ها أنت تريد أن تصبح صائماً، عليك في ليلك أن تجمع النية، أن تنوي الصيام لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في مسند الإمام أحمد: (من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) أي من لم ينوِ الصيام قبل الفجر فلا صيام له حتى يكون الصيام امتثالاً لأمر الله لك بأن تصوم، ينبغي أن تنوي فانوِ الصيام، نويت الصيام كل واشرب حتى يستبينَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فإذا ما استبان فأمسك عن الطعام والشراب والمعاشرة والمباشرة من الفجر وحتى المغرب، فهذا صيام لأن الصيام إمساك عن المفطرات الحسية، ولكن لا أريدك أن تقتصر في الإمساك عن المفطرات الحسية فأمسك عن المفطرات المعنوية فهذا صوم كما قلنا في أيام خلت، فأمسك عن المفطرات الحسية والمعنوية (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) أريدك أيها الشاب الصائم أن تصوم عينك عن الحرام، أريدك أيها الموظف أن تصوم يدك عن الحرام، أريدك أيها الحاكم أيها المسؤول أيها القاضي أن تصوم جوارحك عن الحرام، أن تمتنع عن الحرام، لأنك في شهر الصيام، والصيام ينبغي أن يفضي إلى التقوى والتقوى تعني إخلاص التوجه وتعني الاعتقاد بأن الله هو الفاعل المطلق وتعني ضبط العمل وفق شرع الله، فهيا صم، امتنع عن المفطرات الحسية والمفطرات المعنوية، يأتي المغرب يؤذن للمغرب هيا فعجل بالإفطار (لا تزال أمتى –هكذا قال النبي عليه وآله الصلاة والسلام– بخير ما عجلوا الفطور) عجل بالفطر ولا تتأخر وتسألني: لمَ أعجل ؟ أقول: حتى تكون في صيامك صاحب عبادة لأن الله إذ قال لك صم فقد صمت وإذ قال لك أفطر فقد أفطرت، فأنت تتبع أمر ربك، الأذان يعني إذناً من ربك بل أمراً من ربك بأن تفطر والإنسان عندما يسمع أمر ربه يسارع الإنسان المسلم المتقي يسارع إلى امتثال أمر ربه ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ أذن للمغرب فأفطر بسرعة وهذا يعني امتثالاً، كما أنك تصوم وتمسك وتمتنع بقوة وهذا يعنى امتثالاً وسرعة في الامتثال كذلك في الإفطار، فإن أفطرت فليكن الفطور كما كان يفعل سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رطبات هكذا ورد عنه في الحديث الصحيح فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد حثى حثواتٍ من الماء وقل وإني لأذكرك كل سنة وأنت تفطر قل أمام أولادك: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي إنك أنت السميع العليم، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت، يا واسع المغفرة اغفر لي.

قل هذا أيها الصائم بالله عليك هل تقول هذا الدعاء مستشعراً أمر ربك بالصيام أم أنك في غفلة عن هذا، أم أنك تصوم وقد أضحى الصيام لك عادة ؟ عدلت عن صيام هو عبادة إلى صيام هو عادة، وهذا صيام لا يوصلك إلى التقوى المرجوة من الصوم والصيام الذي هو عبادة، قل هذا عندما تفطر أمام أبنائك: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي إنك أنت السميع العليم، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت، يا واسع المغفرة اغفر لي. بعد ذلك بعد تناول الطعام، قم لصلاة المغرب صلِّ صلاة المغرب وتوكل على ربك حتى إذا جاء وقت العشاء صلِّ العشاء وصلِّ  التراويح (من قام رمضان إيماناً واحتساباً –هكذا جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم– غفر له ما تقدم من ذنبه) صلِّ التراويح صلاة متمعن صلاة خاشع لا صلاة عادة ولا صلاة مهرجان ولا صلاة استماع لصوت حسن فقط ولا صلاة اجتماع بآخرين من أجل خوضٍ مع الخائضين إبان التراويح، صلِّ صلاة القيام من أجل أن تحصد فيما بعد الغفران لكل الذنوب التي تقدمت، بعد أن تصلي التراويح وتعود إلى بيتك نم واستيقظ للسحور، قلت مرة بل مرات: ما بالنا وقد تغيرت عاداتنا الجميلة فأصبح الناس اليوم يسهرون إلى السحور، سهرك إلى السحور ليس بسحور، السحور هو أن تنام ثم تستيقظ لأنك إن استيقظت من أجل السحور فأنت تفعل عبادة، أنت تستيقظ من أجل أمر سنه النبي عليه الصلاة والسلام فقال لنا في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه: (فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب أكلة السحر) لا تتركوا السحور ولو أن يتجرع أحدكم جرعة ماء (إن الله وملائكته ليصلون على المتسحرين) على المتسحرين الذين يجانبون الفراش بعد إذ أووا إليه ثم بعد ذلك يتركون الفراش ليتناولوا الطعام أو ليتناولوا الماء أو ليتناولوا السحور هكذا من أجل الامتثال لا أكثر ولا أقل، أصبحنا أمة ساهرة من غير ما معنى، يا إخوتي: لمَ لا نستيقظ للسحور ؟ لمَ لا ننام بعد العشاء بساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات المهم أن ننام ونستيقظ للسحور (تسحروا فإن في السحور بركة) هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول قائل: يا أخي أنا لا أحب السحور، أو لا أستطيع السحور، لا أريد السحور، تسحر يا أخي ولو أن تتجرع جرعة ماء افعل هذا بنية السحور. أَزَهِدتَ بصلاة الله وملائكته عليك ؟! (إن الله وملائكته ليصلون على المتسحرين) والحديث صحيح أزهدتَ بهذا ؟! أتريد لنفسك أمراً أفضل من هذا ؟ تسحر يا أخي ومع السحور صلِّ ركعتين وهاتان الركعتان تسميان صلاة التهجد لأنك تصلي بالليل بعد إذ نمت، صلاة القيام قبل أن تنام وصلاة التهجد بعد أن تنام وتستيقظ (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) يهجعون لكن يهجعون قليلاً (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون) بعد صلاة التهجد يؤذن للفجر فصلِّ الفجر بخشوع واذكر ربك عز وجل كثيراً وسبحه بكرة وأصيلاً، وبعد ذلك كله بل عليك أن تأخذ كتاب ربك وتقرأ منه آيات، هذه الآيات ستكون ذخراً لك في النهار لأن الصيام والقرآن يشفعان يوم القيامة، أزهدت بشفاعة القرآن أيها الصائم ؟ من منا يمسك القرآن عبادة يقرأ منه قراءة تمعن وتدبر وفهم في هذا الشهر على الأقل في شهر القرآن ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ ألا تريدون الهدى ؟! ألا تريدون البينات ؟! حولوا رمضان من رمضان عادة إلى رمضان عبادة حتى تكملوا مسيرة التقوى، لا أريد أن أكثر من شرح البند الثالث حتى لا نخرج عن التعريف الذي وضعناه للتقوى، وقد ذكرنا فيما يخص الأمر الثالث الصيام نموذجاً باعتبارنا في شهر الصيام. أذكركم أخيراً بأن التقوى هي إخلاص التوجه لله عز وجل نية وغاية، التقوى هي اعتقاد أكيد بأن الله هو الفاعل المطلق والمؤثر المطلق، والأمر الثالث أن تضبط أقوالك وأفعالك وحركاتك وسكناتك وفق شريعة ربك. هذه هي التقوى وهذه هي الثلاثية التي نريد أن نتحقق بها بعد أيام الصوم فهل نحن من المتقين ؟ سائلوا أنفسكم كل يوم بعد الإفطار في مدى تحققكم بالتقوى فإن كنتم تحققتم ولو بشيء يسير فافرحوا لأنكم بدأتم الطريق ومن بدأ الطريق فسيتمه بفضل الله عز وجل، فاللهم إنا نسألك بحق صيام المتقين، وبحق صيام سيد المتقين محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تجعلنا من المتقين يا أرحم الراحمين، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 29/9/2006

التعليقات

فضل

تاريخ :2007/09/18

بعد التحية و السلام : يشرفني أن أبارك لأستاذنا الكبير فضيلة الدكتور محمود بشهر رمضان المبارك ، ونطلب من إدارة الموقع أن تجعل خطبة الجمعة بالصوت ولكتابة ليعم النفع على المسلمين وشكراً

شاركنا بتعليق