آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


محـــــــاضرات

   
الدكتور عكام محاضراً في اللقاء السادس للشباب المسيحي الإسلامي

الدكتور عكام محاضراً في اللقاء السادس للشباب المسيحي الإسلامي

تاريخ الإضافة: 2006/11/30 | عدد المشاهدات: 2641

بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط، التقى الدكتور الشيخ محمود عكام مع المشاركين في اللقاء السادس للشباب الإسلامي والمسيحي، الذي ينظمه مجلس كنائس الشرق الأوسط في حلب تحت عنوان: الخليقة والدين عاملا وحدة، في الفترة ما بين: 30/11، و2/12/2006. ويحضره شباب من سورية ولبنان والأردن ومصر وإيران.

شارك الدكتور عكام في جلسة الافتتاح، حيث تحدث إلى المشاركين حول هذا اللقاء، فقال في بداية حديثه:

عنوان لقائنا هذا الخليقة والدين عاملا وحدة. نظرت إلى هذا العنوان وسألت نفسي: بين مَن ومن ستكون هذه الوحدة ؟ وبعد الوحدة ما الغاية ؟ وهل الوحدة مطلوبة لذاتها ؟ وإن لم تكن كذلك فعلى أي شيء ومن أجل أي شيء يكون الاتحاد ؟

الإنسان له غايات، ومن غاياته الكبرى أن يلتقي الإنسانُ الإنسانَ بدافعٍ من فطرته المركبة على ذلك. فطرتك تطلب منك أن تلتقي الإنسان الآخر، وهل ثمة شيء أعظم من أن يستجيب الإنسان لفطرته، والفطرة خيِّرة بامتياز، أينما وجدت وحيثما كانت: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله.

والآن: ما دور الدين في هذا اللقاء ؟

جاء الدين ليقول لك وأنت تلتقي بدافع الفطرة مع الإنسان الآخر: هذا اللقاء رسالة، هذا اللقاء تكليف.

لقد عمّق الدين اللقاء، وعمَّق ضرورته من خلال جعله رسالة.

هذا اللقاء رسالة وتكليف. هذا ما يقوله لك الدين، وإن لم يقل لك ذلك فليس بدين.

يتابع الدين فيقول: هل تعرف ما مضمون هذه الرسالة ؟ سأقدم لك مضموناً يتناسب مع فطرتك، إنه الرحمة، هيا إذن فالتقِ الإنسان الآخر على أساس الرحمة.

في القرآن الكريم آية تقول: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون فكرت بيني وبين نفسي وبحثت: من هم هؤلاء الصالحون الذين يرثون الأرض بعهد الله ؟

تابعت قراءة الآيات فوصلت إلى الجواب: ﴿إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، لقد انقدح في ذهني أن هؤلاء الصالحين هم الرحماء، فإن لم تكن راحماً ورحيماً فلست بصاحب مضمون مستمَد من الدين في هذه الرسالة، رسالة اللقاء.

تابعت مسائلاً نفسي: هل الرحمة أسلوب ؟ هل الرحمة مجاملة ؟

لقد بحثت في معاني الرحمة وقرأت تعريفاتها عند كثير من الباحثين، فوصلت إلى تعريف نسجته بنفسي: الرحمة عطاء نافع برفق.

عندما تعطي من أمامك وما أمامك عطاءً نافعاً برفق فأنت رحيم، فإذا أعطيت من أمامك وما أمامك عطاء نافعاً من غير رفق فأنت مصاب بشلل في الرحمة، وكذلك إن أعطيت برفق من غير أن يكون العطاء نافعاً فأنت أيضاً فيما يخص الرحمة مشلول.

والآن أتوجه إليكم لأسألكم:

هل نحن صالحون، أعني رحماء، مؤهلون لوراثة الأرض ؟

هل نعطي من أمامنا عطاء نافعاً برفق ؟

ولعل الجواب الذي سأتلقاه من خلال الواقع ليس ساراً.

العطاء النافع لا يتوجه إلى الإنسان فقط، بل إلى كل من أمامك وما أمامك، عاقلاً أو غير عاقل، جماداً أو نباتاً أو حيواناً أو غير ذلك: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، ولهذا الحديث روايتان، وأنا أرجح الرواية التي تقول: (يرحمُكم)، لا الرواية التي تجزم الفعل بجواب الطلب (يرحمْكم)، فرحمة الله غير مرتبطة برحمتنا، فالله يرحمكم باستمرار لأنه المتفضل دائماً وهو البادئ بالرحمة.

الرحمة عطاء نافع برفق، ولهذا سمي المكان الذي يتوضع في الجنين رحماً، لأنه يعطي الجنين عطاء نافعاً برفق، وكذلك سمي الأقرباء أرحاماً لأنك تعطيهم ويعطونك عطاء نافعاً برفق.

وإذا لم نعطِ من أمامنا عطاء نافعاً برفق فلن نكون مؤهلين لوراثة ولا لسيادة، وربما كنا بذلك بعيدين عن الإنسانية نفسها، ولهذا قال القرآن: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ.

إذا أعطيت عطاء نافعاً برفق فأنت إنسان، وأنت مؤهل للوراثة. هذه أمور أساسية في ديننا، واعتقد أنها كذلك في كل دين.

يا صاحب الدين مهما كان دينك: هل تستجيب لدافع اللقاء المركوز في فطرتك ؟

وبعد ذلك هل يعمّق دينك في داخلك هذا السعي نحو اللقاء ويجعل من هذا اللقاء رسالة ؟

وبعد ذلك ثالثاً: هل يقدم لك دينك مضموناً من أجل هذا اللقاء، والمضمون المتفق عليه هو الرحمة، والرحمة عطاء نافع برفق ؟

هذه سلسلة أرجو أن نعرض أنفسنا عليها، لنرى إن كنا على مستواها. فإن كنّا كذلك فهذا أمر يبشر بخير. وإلا فإني أخشى أن نسمع في هذه الغابة الإنسانية انتهاكات وجرائم هي أكثر بكثير مما يسجل في الغابات الحيوانية، وانظروا حولكم إلى أماكن كثيرة في العالم لتروا الدليل على ما أقول.

لقد فُرض السلام في ديننا لأنه عطاء نافع برفق، أو لأنه مشروع لمثل هذا العطاء في أقل تقدير، ولكني أرى أننا كثيراً ما نبخل بهذا السلام، أو نسلم من غير مودة فلا يحقق هذا السلام المراد منه في كثير من الأحوال.

أيها الشباب:

أريد أن أضع نفسي وأضعكم أمام مسؤولياتكم من أجل ألا نندم. علينا أن نضع أنفسنا أمام مسؤولياتنا عن الجماد وعن الإنسان وعن الحيوان وعن كل من حولنا وما حولنا. من أجل غد سيقضي عليكم ولن يبقي لكم على الوجود أثراً إن لم نلتزم فيه رسالة الرحمة.

سائلاً الله تعالى لي ولكم كل خير وتوفيق.

التعليقات

شاركنا بتعليق