آخر تحديث: الأحد 15 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
رعاية المسؤوليات

رعاية المسؤوليات

تاريخ الإضافة: 2007/05/18 | عدد المشاهدات: 2655
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون: طلب مني أحد المدرسين بالمدارس الثانوية نصيحة يوجهها إلى طلابه قبل أن يفترقوا في عطلة صيفية طويلة، قلت له: أيها الأستاذ، بمَ تمتاز أنت عن طلابك ؟ قال لي: أنا أستشعر مسؤوليتي عن طلابي ولهذا طلبت منكَ النصيحة حتى أوجهها للطلاب. قلت له: من خلال هذا الذي ذكرت أنصحك فأقول لك، عمِّق المسؤولية في نفوس طلابك، إذا عمَّقت الشعور بالمسؤولية في نفوس طلابك، فقد أفدتهم وقدمت لهم خيراً كثيراً، أشعرهم بأنهم مسؤولون لأن شبابنا اليوم بشكل عام انعتقوا من المسؤولية فعاشوا في فوضى، وربما وصلت الفوضى إلى حدِّ التسيب والانعتاق من أي مسؤولية كانت، وهل ثمة مسؤولية أعظم من أن يسميك الله خليفة ؟! استشعر مسؤوليتك التي على أساسها جعلك الله خليفة ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ هل تستشعر هذه المسؤولية أيها الطالب، أيها الأستاذ ؟ أنت خليفة الله في الأرض، هل ثمة أعظم من أن يحمِّلك ربك الأمانة ؟ أوليس الله قد قال:﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ أتريد مسؤولية أعظم من أن الله حمَّلك الأمانة ؟ فيا أيها الطالب، أنت مسؤول، وليست المسؤولية محصورة في رئيس أو وزير أو مدير، صحيح أن أولئك يتحملون مسؤولية أكبر بحسب المساحة الأوسع التي يشغلونها، لكنك أنت مسؤول أيضاً، لكنك أنت راعٍ أيضاً في المجال الذي تشغله، أنت مسؤول. لعل سائلاً أيضاً يقول لي: أمام مَن سوف سنُسأل ؟ أقول لك: ستسأل أولاً أمام نفسك، ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾ وستسأل أمام الآخرين ثانياً، لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم). ستُسأل أمام الآخرين، أوليس سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه -كما جاء في أخبار عمر- قال: "رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي"، النصيحة مسؤولية، فأنت مسؤول أمام الآخرين تنصحهم وتستنصحهم، ولذلك كنت مسؤولاً أمام الآخرين. ثالثاً: أنت مسؤول أمام ربك، أوليس الله قد قال: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ أوليس الله قد قال: ﴿فلنقصن عليهم بعلمٍ وما كنا غائبين﴾ أوليس الله قد قال: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ أنت مسؤول أمام نفسك وأمام الآخرين وأمام ربك فهل تستشعر المسؤولية ؟ وبالتالي تسعى جاهداً من أجل أن تقوم بالمهام الملقاة على عاتقك لأنك مسؤول بالقيام بها. تسألني أيضاً عمَّ سأسأل ؟ عمَّ سيسألني الآخرون ؟ وعمَّ ستسألني نفسي ؟ سؤال مشروع. ستسأل عن أمور كثيرة لكنها تندرج في ثلاث قضايا، ستسأل عن الاعتقاد، قل لي، هل تعتقد بأن الله ربك ؟ هل تعتقد بأن محمداً نبي ؟ هل تعتقد بأن هناك يوماً ستؤل إليه هذا اليوم يسمى يوم القيامة ؟ روى الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به فيسأله يا عبدي ما غرك بي ؟) لماذا لم تؤمن بي رباً وإلهاً يُعبد ؟ لماذا لم تؤمن بي خالقاً ؟ وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله له: يا عبدي ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً ؟ وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وترتع، أكنت تظن أنك ملاقيَّ يومك هذا ؟ فيقول العبد: لا. فيقول الله عز وجل: اليوم أنساك كما نسيتني)، ستسأل عن الاعتقاد أولاً فهل اعتقادك سليم ؟ هل أنت مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ؟ ستسأل عن ذلك. ثانياً: ستسال عن العمل بشكل عام، هل عملت صالحاً ؟ ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه) هل تضيع وقتك هنا وهنا هل تتسكع في الشارع أم أنك ملتزم بعمل صالح نافع لك ولبلدك ولأمتك ولمجتمعك ؟ ما لي أرى شبابنا قد ضيعوا أعمارهم وأوقاتهم وأيامهم وهم منعتقون من المسؤولية عن أعمارهم، والله سيسألكم (وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه) هل اكتسبت مالك من حرام ؟ هل اكتسبته من غش ؟ هل اكتسبته من ربا ؟ هل اكتسبته من عهر ؟ هل أنفقته فيما يغضب الله ؟ هل أنفقته في الضياع هنا وهناك ؟ هل أنفقته في شهواتك اللامشروعة ؟ (وعما عمل فيما علم) أنت تعلمت ودرست ماذا تعمل بعلمك ؟ هل تستخدم علمك في طاعة ربك ؟ لخدمة بلدك ؟ أم أنك في غفلة عن هذا فأنت تتعلم ولا تدري لمَ تتعلم ولمَ تدرس ؟ وبالتالي فأنت في تيهٍ كما تاه بنو إسرائيل أربعين سنة وأنت في كل عمرك تائه. ثالثاً: ستسأل عن قولك، عن كلمتك، لقد ورد عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن تفسير قوله تعالى: ﴿في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ قال: أما الصغيرة فالبسمة وأما الكبيرة فالضحكة. ستسأل عن قولك لذلك أمرك ربك أن تقول القول السديد، ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم﴾ ما بالكم ولا سيما نحن العرب نتكلم بالكلمة لا نلقي لها بالاً، أوما سمعتم حديث النبي المروي في البخاري حينما قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) أنت مسؤول عن كلمتك، إذا أويت إلى فراشك مساءً فانظر ما تكلمت به، سترى أن كلاماً كثيراً تكلمت به لا يصب في مصب السداد ولا يصب في مصب النفع، وأن كلاماً كثيراً قلته يعود عليك بالضرر في دنياك وأخراك، لذلك أنصحك بما نصح به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسبما جاء في البخاري ومسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) لماذا نحب الكلام الذي يودي بنا إلى المهالك والردى ؟ لماذا نتكلم كثيراً ومن تكلم كثيراً أخطأ كثيراً، نتكلم عن غير علم وننقل عن غير فهم ونتكلم من غير توثيق، ونحب أن نقول في المجالس أكثر مما نفعل، ونحب أن نعمل ألسنتنا أكثر مما نعمل عقولنا وقلوبنا، فالتفكر من عمل العقل والتدبر ومن عمل القلب لكننا لا نتفكر ولا نتدبر وإنما نثرثر وبالتالي فلا نستشعر مسؤوليتنا عن أقوالنا عما يجب أن نقوله وعما يجب ألا نقوله. نحن جميعاً مسؤولون عن الاعتقاد وعن العمل وعن القول، وانظروا آيات الله في القرآن الكريم وانظروا أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسترون أننا سنسأل عنه إن أمام أنفسنا أو أمام الآخرين أو أمام ربنا هو هذا الذي ذكرت الاعتقاد والعمل والقول، فلنستشعر مسؤوليتنا عن الاعتقاد ولنقم بما يجب أن نقوم به في هذا المجال، ولنستشعر مسؤوليتنا عن العمل ولنقم بما يجب أن نقوم به في هذا الميدان، ولنستشعر مسؤوليتنا عن القول، ولنقم بما ينبغي أن نقوم به في هذا المضمار وإلا فالكارثة ستحل علينا، ولعل الكارثة هي الضياع والفوضى والتيه والانعتاق من ربقة الخير الضياع في الدنيا والآخرة. ادعوا ربكم أن يجعلكم على مستوى المسؤولية التي كُرمنا بها، قولوا في صلواتكم وخلواتكم: اللهم سدد أقوالنا وأصلح أعمالنا واجعلنا ممن يؤمن بك حق الإيمان واجعلنا من الذين يلتزمون الإيمان الرشيد والعمل الصالح والقول السديد، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، أقول هذا القول وأستغفر الله. ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 18/5/2007

التعليقات

رضا محمد احمد منصور

تاريخ :2007/06/01

هده نصيحة جليلة وأعزكم الله وزودكم من التقوى. وارجو مراسلتى حفظكم الله

شاركنا بتعليق