آخر تحديث: الثلاثاء 16 يوليو 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
التلفزيون السوري يلتقي الدكتور عكام بمناسبة شهر رمضان المبارك

التلفزيون السوري يلتقي الدكتور عكام بمناسبة شهر رمضان المبارك

تاريخ الإضافة: 2007/09/13 | عدد المشاهدات: 2349

بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك التقى التلفزيون العربي السوري- قناة حلب، الدكتور الشيخ محمود عكام، في يوم الخميس 1 رمضان 1428هـ الموافق: 13 أيلول 2007، وسأله عن الرحمة وتعريفها، وعن الدروس المستخلصة من هذه الفريضة العظيمة... وفيما يلي نص الحوار:

التلفزيون السوري: مشاهدينا الكرام، كل عام وأنتم بخير بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، شهر الصيام، شهر المحبة والتسامح والتقرب إلى الله تعالى. للوقوف عند فضائل هذا الشهر الذي أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، يسرنا أن يكون معنا سماحة الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب، أهلاً وسهلاً بك سماحة الشيخ، وكل عام وأنت بخير.

الدكتور عكام: وأسأل الله أن يجعله شهر خير وبركة ومغفرة وتضامن وانتصار ورفعة لنا وللوطن الغالي على قلوبنا، وللمسلمين، وللعرب، وللإنسانية كلها. لأنه شهر الرحمة والمغفرة والرضوان، وهو شهر المواساة والتعاون والتناصر، وأتمنى على إخوتنا وعلى المواطنين أن يتحققوا بذلك، لأنهم إن تحققوا بذلك كان لهم هذا الشهر عوناً، وهذا ما آمله إن شاء الله.

التلفزيون السوري: سماحة الشيخ إن شهر رمضان أوله رحمة، هذه الرحمة التي تأتي من الله سبحانه وتعالى والرحمة المتبادلة بين الإنسان وأخيه الإنسان، لو توقفنا قليلاً عند هذا الجانب، جانب الرحمة.

الدكتور عكام: بسم الله الرحمن الرحيم، لا شك في أن هذا الشهر شهر الرحمة، والرحمة أعرِّفها، وقد استغرقت في البحث عن تعريف الرحمة أكثر من سنتين ووصلت عقب البحث الجاد إلى أن الرحمة تعني: "عطاءً نافعاً برفق". عندما تعطيني عطاءً نافعاً برفق فأنت رحيم بي، عندما أعطيك عطاءً نافعاً برفق فأنا رحيم بك. لا شك بأن الله عز وجل أعطانا عطاءً نافعاً وبرفق إذ خلقنا، ألم يقل الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه﴾ فالله خلقنا. هذا الوجود عطاء نافع من الله عز وجل، وقد خلقنا الله عز وجل بتلطف ورفق لذلك الله رحمن بنا، والله رحيم بنا، ويجب علينا أن نتعلم من ربنا وأن نتخلق بأخلاق ربنا، وأن نعطي بعضنا عطاءً نافعاً برفق، ولا سيما في مثل هذا الشهر، لأن هذا الشهر هو شهر القرآن، وهو شهر الخير، وهو شهر التضامن، وهو شهر المواساة، وهو شهر المغفرة، فعليَّ أن أكون باستمرار معطياً عطاءً نافعاً برفق للآخر، للمواطن، للإنسان، للوطن، للأرض، لكل شيء من الجمادات، ولكل إنسان من البشر، على اختلاف مستويات قربهم مني، أبدأ بالمواطنين أولاً ثم بالمواطنين الأبعد الذين يقطنون الوطن العربي ثم...الخ. إذاً رمضان شهر الرحمة، شهر العطاء النافع برفق، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رب العزة جلت قدرته في الحديث الصحيح: (الصيام جنة) أي الصيام ينبغي عليه أن يغطي كل ما يصدر عن الإنسان من مساوئ (فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يفسق، فإن سابّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم) ليتذكر بأنه صائم لأنه إن تذكر هذا تذكر واجبه مع الآخر وهو أن يكون معطياً عطاءً نافعاً برفق لأن هذا الشهر هو شهر الرحمة. والرسول قسم هذا الشهر إلى ثلاثة أقسام فقال: (أوله رحمة) لا بد ونحن نستقبل رمضان أن ننظر أنفسنا فيما إذا كنا نُصدِّر الرحمة، والرحمة عطاء نافع برفق، فشهر (أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) ولاحظ بأن الرحمة هي الأصل، والرحمة تشمل المغفرة لأن المغفرة هي أن يغفر الله ذنوبي وأن يمحو الله ذنوبي، والعتق من النار أيضاً من الرحمة، لأنه عطاء نافع برفق من الله عز وجل، الله يعطيني ويبعدني عن النار وهذا عطاء رائع ونافع من الله وبرفق، فيا أيها الصائم كن في هذا الشهر رحيماً تعطي عطاءً نافعاً للأشياء وللآخرين برفق، وينتج عن هذه الرحمة المغفرة، اغفر للآخرين إساءتهم نحوك، كن مع الآخرين منصفاً، اعفُ عمن ظلمك، أحسن إلى من أساء إليك، صل من قطعك، وهذا المغفرة من مفرزات الرحمة، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، هكذا أراده الله عز وجل فلنكن متحققين بالرحمة التي هي المحضَن والأصل، ثم تنتج عن الرحمة المغفرة، وهي عطاء من عطاءات الرحمة، ومفرزة من مفرزات الرحمة. وأيضاً العتق من النار فإذا صام أحدنا هذا الشهر المبارك إيماناً واحتساباً فإنه سيغفر له وبالتالي سيدخله الجنة وسيبعده عن النار، فيا أيها الإنسان كن رحيماً ولتفرز رحمتك مغفرة، ولتفرز رحمتك عتقاً من النار. إذا صمت صياماً جيداً خالصاً لله عز وجل فالله سيعتقك من النار وعليك أن تعتق رقاب الآخرين من نار عذابك ومن نار شهواتك، ومن نار الطموحات التي لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذا كان عندك إنسان بمثابة الأسير عنداك فعليك أن تعتقه إذا كان أسير دَين وهو معسر لا يستطيع الوفاء عليك أن تعتقه وأن تتخلق بأخلاق الله عز وجل. هذه حصيلة وغايات شهر رمضان، وإلا رمضان ليس فقط امتناعاً عن الطعام والشراب وما لحق ذلك، ولكن رمضان فعلاً شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

التلفزيون السوري: سماحة المفتي الكثير يقولون: إن طبيعتي في رمضان تتغير. هذا الكلام ما رأيك به ؟ هل فعلاً طبيعة الإنسان تتغير في رمضان إلى الأحسن أم أن هناك البعض يتصف بالعصبية نوعاً ما عندما يبتعد عن الطعام والشراب ويقول إنني صائم..؟

الدكتور عكام: كما تفضلت يجب أن تتغير طبيعة الإنسان في رمضان ولكن هذا التغير ينبغي أن يكون نحو الأفضل، لأن رمضان شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، والمواساة والمساواة والعدل والتضامن والتناصح والأخلاق الحميدة، على الإنسان حينما يبتعد عن الطعام والشراب أن يتفرَّغ لصالح إنسانيته، ها أنت قد ابتعدت في رمضان عن الطعام والشراب وأصبحت متفرغاً لشؤون روحك وعقلك وتفكيرك وأخلاقك، نعم عليك أن تتغير ولكن نحو الأفضل، أما أن يكون الإنسان أسيراً لطعامه وشرابه وشهواته ونزواته فإذا ما امتنع عنها في رمضان وقال: هذه الأمور ابتعدت عني فأنا أسير وألهث وراءها، إما أن تقدموها إليَّ وإما أن أكون شرساً. فهذا ليس بصائب ولا يمكن أن نقول عن هذا الإنسان بأنه يريد أن يستفيد من مدرسة رمضان التي تعلمه صفاء الروح وصفاء الأخلاق وتعلمه أن يكون شفافاً في تعامله مع الناس، على الإنسان أن يغير من طبيعته في رمضان ولكن لصالح الحسن والخير والفضيلة ولصالح التحمل، فإذا ما أساء إليك إنسان وكنت في غير رمضان ترد الإساءة بمثلها فعليك في رمضان إذا ما أساء إليك إنسان أن تعفو عنه وأن تقول كما في الحديث الشريف، فليقل إني صائم، أي إني متلبس بحالة رائعة صافية، أشبه بالحالة الملائكية بحالة راقية، لأنني الآن لا آكل ولا أشرب وكأني ملَك من الملائكة ومتفرغ لبناء جسر قوي بيني وبين ربي، وبناء جسر بيني وبين الآخر، هذا الجسر قوامه بالنسبة لربي عز وجل عبادة وتبتل وذكر وقوامه بالنسبة للإنسان أخلاق حسنة وتواصل وإعانة وتنفيث كرب وقضاء حاجات وإغاثة ملهوف، فإذا ما تحسنت هذه العلاقة بيني وبين ربي من خلال إقامة هذا الجسر بيني وبين الإنسان من خلال إقامة هذا الجسر الرائع عندها أكون قد تغيرت في رمضان ولكن تغيراً نحو الأفضل، وعليَّ ألا أهدم هذا الجسر بعد رمضان

التلفزيون السوري: أن نجعل ما تعلمناه في رمضان درساً ومنهاجاً لنا على مدار السنة ومدى الأيام، وليس فقط في رمضان.

الدكتور عكام: ولذلك قلت مرة وأكرر، وقد ذكرت هذا في كتابي مسيرة صائم: هنالك الصيام والصوم، فالصيام امتناع عن الطعام والشراب والمعاشرة. أما الصوم فهو امتناع عن الغيبة والنميمة والكذب والمفطرات المعنوية، الصيام امتناع عن المفطرات الحسية أما الصوم فهو امتناع عن المفطرات المعنوية، فأنا في رمضان أصوم صياماً من أجل أن أصوم صوماً، أمتنع عن المفطرات الحسية من أجل أن يكون ذلك سبيلاً للامتناع عن المفطرات المعنوية من كذب وغيبة ونميمة وسوء أخلاق... لذلك أكرر من لم يصم صياماً يؤدي به هذا الصيام إلى صوم فلا قيمة لصيامه، ولم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش، وأنا أقول دائماً في نهاية العشر الأولى من رمضان والعشر الثانية والعشر الثالثة ليفتش الإنسان وليمحّص صيامه هل كان صيامه صياماً فقط أم كان صيامه صياماً وصوماً ؟ أجلس بيني وبين نفسي في آخر رمضان لأقول: كم يوماً صمته صياماً ؟ امتنعت فيه عن الطعام والشراب فقط، وكم يوماً صمته صوماً ؟ امتنعت فيه عن الغيبة والنميمة والكذب والخيانة وسوء الأخلاق... من الملاحظ – وللأسف- أن الإنسان منا في نهاية الشهر يقف بينه وبين نفسه فيقول لقد صمت صياماً ثلاثين يوماً. وأترك الحساب له من أجل أن يعد بينه وبين نفسه كم من الأيام صامها صوماً، لذلك يا ناس، نحن نريد صياماً يؤدي إلى صوم، نريد امتناعاً عن المفطرات الحسية من أجل أن يؤدي بنا الأمر إلى أن نمتنع عن المفطرات المعنوية، وإلا ليس لصيامنا قيمة إلا أننا نسقط الفرض عنا وهذا الإسقاط ضعيف جداً، علينا أن نصوم صياماً يؤدي بنا إلى أن نصوم صوماً لا في رمضان فقط، فنحن نصوم في رمضان ليكون الصوم على مدار السنة ومن أجل أن تكون أرواحنا شفافة لأن الامتناع عن المفطرات طريق وتسهيل من أجل الامتناع عن المفطرات المعنوية وكأن الممتنع عن المفطرات الحسية يقول: ها أنت يا نفس استطعت أن تمتنعي عن المفطرات الحسية فما بالك لا تمتنعين عن المفطرات المعنوية وقد أريد لكِ أن تمتنعي عن المفطرات المعنوية، ولذلك نصوم في رمضان صياماً من أجل أن نصوم في كل العام صوماً في رمضان وغيره، فإذا فعلنا ذلك عندها سنكون متحققين بقول الله عز وجل: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ والتقوى امتناع عما حرم الله عز وجل، ففي رمضان وغيره حرم علينا الكذب حرم علينا سوء الأخلاق حرم علينا غلاء الأسعار حرم علينا أن يستغل أحدنا الآخر، حرم علينا أن يؤذي أحدنا الآخر، حرم علينا أن يغتاب أحدنا الآخر... لعلكم تتقون، كتب عليكم الصيام تمتنعون عن الطعام والشراب والمعاشرة لعلكم تتقون لعلكم تصومون صوماً تمتنعون عن المحرمات وتقبلون على الواجبات الإنسانية وتقبلون على الأخلاق الحميدة وتقبلون على بناء علاقة طيبة مع الله عز وجل من خلال العبادة الخالصة، ومع الناس من خلال حسن الأخلاق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد هذه العلاقات بكلمات قليلة لكنها عميقة وغزيرة من حيث المعنى عندما قال: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).

التلفزيون السوري: سماحة الشيخ قلت علينا أن نصوم شهر رمضان صياماً وعلينا أن نصوم صوماً على مدار السنة، هل هذا يساعد الإخوة المشاهدين ومع ارتفاع درجات الحرارة فما زلنا في فصل الصيف وهناك طلاب في المدارس والجامعات والناس يذهبون إلى أعمالهم، هل إذا صاموا رمضان صوما يساعدهم فعلاً على صيامه مبتعدين عن الطعام والشراب ؟

الدكتور عكام: العلاقة بين الامتناع عن المفطرات الحسية والمعنوية علاقة جدلية سببية فأنا أرى أن الامتناع عن المفطرات الحسية يؤدي بالإنسان إلى أن يمتنع عن المفطرات المعنوية، ثم أقول لهؤلاء جميعاً ولنفسي: عليكم بالصوم لأنه طريق من أجل الترقية الروحية والعقلية، فعندما تصوم صياماً وتمتنع عن المفطرات الحسية فإنك ستحصد نتيجة رائعة ألا وهي الرقي في العقل والرقي في التفكير والرقي في الروح، فقدِّم بعض الثمن لتنال ربحاً عظيماً ونتيجة رائعة، فمن منا يبخل على نفسه في أن يقدم شيئاً بسيطاً على أساسه سينال درجات عالية وعظيمة، سينال قوة وتمكن على نفسه التي قد تنزع من أجل أن ترتكب المحرمات والمخالفات فأنا أقول للإخوة المشاهدين، للطلاب، للأساتيذ، للعاملين: كما تدرسون من أجل أن تكونوا أطباء ومهندسين و... فإن الصيام يفزر قوة فصوموا من أجل أن تكونوا أقوياء، الصوم طريق الرفعة طريق الحضارة، الإنسان غير المقتدر على نفسه ويغلبه هواه لن يكون لبنة صالحة في بناء المجتمع، الصوم طريق رائعة خيرة لبناء إنسان منشود يهتم بالجسم والعقل والروح وكل كينونة الإنسان، وهنا أردد مع الإخوة المشاهدين دعاء أوجهه كل يوم إلى الله عز وجل أقول: "اللهم متع لساني بذكرك" فإذا ما تعود لساني ذكر الله عز وجل فسيكون هذا اللسان نظيفاً "ومتع عقلي بمعرفتك" لأنني إن عرفت الله عز وجل عرفت ما يريده الله عز وجل مني أن أعرفه أيضاً "ومتع قلبي بمحبتك" فإذا أحببت ربي أحببت عباده وخلقه "ومتع جوارحي بطاعتك، ومتع جسمي وجسدي بعافيةٍ منك يا رب العالمين". فإذا ما سألت هذا ربي فسيقول ربي بلسان الحال: عبدي سأمتعك بهذا ولكن من أجل أن تتمتع بهذا عليك أن تسلك الطرق المؤدية لهذا ﴿فأتبع سببا﴾ جعلت الصيام سبباً لهذا الذي تطلبه مني وجعلت الصلاة سبباً لهذا الذي تطلبه مني وجعلت العلم لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم سبباً لهذا الذي تطلبه مني وجعلت العلاقة الطيبة والجسد القوي سبباً لما تطلبه مني و... الله عز وجل سيلبي لنا هذا الدعاء ولكن من خلال سبب بسيط ندفعه نحوه، لأن الإنسان يجب أن يكون نشيطاً وأن يقوم بعمل حتى يجزيه الله على هذا العمل الذي قام به في الدنيا وفي الآخرة.

التلفزيون السوري: بعد كل هذا الحديث الجميل كل الشكر لسماحة الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب وكل عام وأنت بألف ألف خير.

الدكتور عكام: أسأل الله أن يجعلكم أنتم بألف ألف خير وأن يجعل وطننا الغالي على قلوبنا بألف خير وأن يجعل كل أبناء الوطن بخير ورفعة وانتصار وتعاون وتضامن فيما بينهم إنه خير مأمول وكل عام والإنسانية كلها بألف خير.

أجرى اللقاء: فؤاد أزمرلي

التعليقات

شاركنا بتعليق