آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
واجباتنا في ليلة القدر

واجباتنا في ليلة القدر

تاريخ الإضافة: 2008/09/26 | عدد المشاهدات: 3354

أما بعد، فيا أيها الإخوة الصائمون القائمون:
لا شك في أنكم تتهيؤون وتهيأتم لليلةٍ هي خيرٌ من ألف شهر، ولا شك في أن الكبير والصغير فيكم يتحدث عن جمال هذه الليلة وعن عظمة هذه الليلة وعما يمكن أن يجنيه من ثوابٍ وأجرٍ في هذه الليلة، فيا أهل ليلة القدر، ويا أمة ليلة القدر يا من تقرؤون في صلواتكم وفي خلواتكم وجلواتكم: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ ليلة القدر ليلةٌ تفوق كل ليالي السنة فضلاً، ليلة القدر هي ليلة التقدير والتشريف للإنسانية كلها، ليلة قدَّر الله عز وجل هذه الأمة بل هذه الإنسانية جمعاء، شرف الله الإنسانية بكتابٍ منه، بدستور، قدَّر الله في هذه الليلة أن يكون للإنسانية كتاب، هذا الكتاب لا ينتهي بزمان وفي أوان، هذا الكتاب ليس كالكتب السابقة له فترة محددة من عمر الإنسانية، بل إن هذا الكتاب كتاب الإنسانية منذ أن بُعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فيا أيتها الإنسانية أنتِ مشرّفة إن حافظتِ على التمسك بهذا الكتاب الذي أُنزل في هذه الليلة، أنتِ مقدسة إن تمسكتِ بهذا الكتاب الكريم، وأنت مقدّرة ومحترمة إن اتخذت هذا الكتاب الكريم هادياً فالكتاب الكريم من اتخذه هادياً هداه، ومن اتخذه مرشداً أرشده، ومن اتخذه دليلاً فسيكون له عوناً من أجل الوصول إلى سواء السبيل، يا أمة ليلة القدر: شرفنا الله عز وجل بهذا الكتاب الكريم فما الذي يجب علينا أن نفعله على الأقل في هذه الليلة المباركة، أنا لا أريد أن نفهم أن ما يجب علينا أن نقوم به في هذه الليلة هو الصلاة ولكن ما أريد التركيز عليه ولا سيما وأنا أخاطب شباباً ومثقفين، عندما نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وأريدك أيها الأخ المسلم يا من تنتمي لأمة ليلة القدر ولأمة القرآن الكريم أريدك في هذه الليلة المباركة أن تكون على وعي من أمرك لتنهض بأمورٍ ثلاثة:
الأمر الأول: أريدكَ شاكراً ربك: أريدك أن يلهج لسانك بالشكر وأن تلهج ذراتك كلها بالشكر لتقول لربك: يا رب أشكرك على أن شرفتني بكتابك الكريم بالقرآن العظيم، الشكر لك يا رب على أن جعلتني ممن ينتسب لهذا الكتاب بحالٍ مفادها آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. اشكر ربك وسأترك لك تفاصيل الشكر لتتفنن فيه كما يُقال، هذا أمرٌ أول.
الأمر الثاني: ادعُ ربك واستغفره وسبحه: توجه إليه من أجلك أنت ولا أريدكَ أن تنسى نفسك، من أجلك أنت ومن أجل المسلمين إخوانك، من أجل أسرتك فلعلَّ في أسرتك واحداً مقصراً أو مقصرة، أريدك أن تتذكره في هذه الليلة، ولعلَّ في مجتمعك مقصرين أريدك أن تتذكرهم بدعواتك في هذه الليلة، أريدك بعبارة مختصرة جداً أن يكون لديك حس الشعور بالآخرين فمن لم يهتم بأمر المسلمين في دعائه وعمله وقوله وثقافته وكل حركته فليس منهم، ادع الله واستغفره ولعل الدعاء الذي يأتي في رأس القائمة هو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في سنن أبي داود عندما سألت السيدة عائشة رضي الله عنها عما تقوله في هذه الليلة فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وقل أنت وتذكر إخوانك وأسرتك وبلدك والمسلمين هنا وهناك في كل مكان من هذا العالم الكبير المترامي قل: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، وأنت تقول فاعف عنا تذكّر أخاك وتذكر جارك وتذكر هذا الذي يسمى كما تسمى ويُلقب باللقب الذي تُلقّب هو أخوك بتقرير الله عز وجل هو أخوك لأن الله قال عنك وعنه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لك وله: (وكونوا عباد الله إخواناً) تذكر أحد أولئك الذين يشكلون الجيل الرائد عندما قال: "إني لأدعو لسبعين رجلاً من أصحابي في صلاتي أسميهم بأسمائهم"، ادع لك وادع للمسلمين وادع لأهلك وادع لأسرتك وادع لآبائك وادع لكل من تريد أن يكون بينك وبينه صلة طيبة. هذا أمرٌ ثانٍ أريدك أن تركّز عليه.
الأمر الثالث: لتكن بينك وبين ربك في هذه الليلة جلسة معاهدة: نعم عاهد ربك، على ماذا ؟ على أن تكون متحققاً بهذا الكتاب الذي أنزل في هذه الليلة، عاهد ربك على أن تكون تابعاً لهذا الكتاب الكريم، عاهد ربك على أن يكون القرآن الكريم سائقك وهاديك في الدنيا وسيكون سائقك وهاديك في الآخرة إلى الجنة، نعم أريدك أن تعاهد ربك ولكن ليس من لسانك فحسب، وإنما من قلبك من جوارحك من عقلك من فكرك فإن كان لديك شك في هذا الكتاب الكريم وصلاحيته من أجل أن يكون المنهاج والسائق والدليل فقدِّم هذه الشكوك لمن تراه ثقة في رأيك فلعلك في حالة تستدعي أن تعرض نفسك على طبيب أنت تثق به على طبيب عقل وطبيب روح وطبيب فكر لكنك عندما تُعاهد آمل أن تعاهد وليس في قلبك وعقلك ذرة من شك، حبة خردل من شك تجاه هذا الكتاب على أنه الكتاب المرجع والموئل والملاذ لفكرنا لعملنا لحركتنا لسكنتنا لتمسكنا به تمسكاً يفوق التمسك بأي شيء آخر، عاهد ربك، وكما قلت لكم مراتٍ عديدة أريدك يا أيها الشاب واسمع مني وإني لك ناصح أريدك وأنت تعاهد ربك أن تتذكر حق القرآن عليك، وحق القرآن عليك ثلاثة أمور: الحق الأول التلاوة، وذلك أن تُحسن نطقه وأن تحسن لفظه. والحق الثاني القراءة، والقراءة أن تحسن فهمه. والحق الثالث التدبر، والتدبر أن تحسن تطبيقه، أن تحسن إقامته في حياتك وأن تحسن تشكيله في وجودك الذي أنت فيه والذي تشكّل أنت كينونته بشكلٍ عام.
عاهد ربك على أن تكون ممن يعطي القرآن حقه تلاوة وقراءة وتدبراً، إني لك ناصح ولا تنس في كل يوم بعد هذا العهد وأثناء هذا العهد أن تدعو ربك بهذا الدعاء الذي كان يدعو به من أُنزل عليه القرآن: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وأمتك) قل بينك وبين نفسك هذا الدعاء من أجل أن يكون لك دافعاً لتنفيذ العهد الذي أبرمته مع ربك حيال القرآن الكريم (اللهم إني عبدك وابن عبدك وأمتك، ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك عدلٌ في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب همي وغمي). ردده في كل يوم وتفكر فيه في كل يوم ليكون لك دافعاً ومحرضاً، واسأل الله بعد كل ذلك أن يجعلك ممن يتحقق بهذا الذي ذكرناه عن ليلة القدر بالسلام، سلام هي حتى مطلع الفجر وأن تكون سالماًَ من كل مكروه وأن يكون مَن حولك سالمين منكَ وأن تكون سالماً منهم وأن تعيش ضمن سلام في حياتك المادية والمعنوية والفكرية والعقلية والنفسية والاجتماعية لأننا إن سألنا أنفسنا عما نحتاجه فلا نحتاج إلا للسلام الذي نبتغي من ربنا أن يرزقنا إياه ليلفنا وهل يقلقنا إلا الاضطراب ؟ وهل يقلقنا إلا الفوضى ؟ وهل يقلقنا إلا هذا التخبط الذي نعيش فيه والذي نرتمي بين جنباته صباح مساء، إن قمت ليلة القدر فسيكون الأمر سلاماً، سلامٌ هي حتى مطلع الفجر.
لقد عرفت ما يجب أن تقوم به في ليلتك هذه لتكون من أهل ليلة القدر بإذن الله وفضله ومنه وكرمه، لكنني من باب التعليق والتذكير أيضاً أرجوك ألا تنسى بيت المقدس، لا تنسَ بيت المقدس من دعوتك فبيت المقدس أمانة في عنقك وليس أمانة في عنق الفلسطينيين فحسب وإنما أنت مع الفلسطينيين تشكلون المسؤولين على مسافة واحدة من مسؤوليتكم نحو بيت المقدس، فليس الفلسطينيين مسؤولون من الدرجة الأولى عن بيت المقدس ونحن مسؤولون عن بيت المقدس من الدرجة الثانية، لا، وإنما الجميع مسؤولٌ مسؤولية واحدة ويقفون على مسافة واحدة، تذكر بيت المقدس ولعلك تسألني عن سر العناية والاهتمام ببيت المقدس، بيت المقدس هو في النهاية مصدر النصر إن رأيتم بيت المقدس منتصراً فاعلموا أن النصر جاء، وإن رأيتم لا سمح الله كما نرى اليوم بيت المقدس مخذولاً مهجوراً من قبل أهله فاعلموا أن النصر بعيد، بيت المقدس هو المحكّ، بيت المقدس هو مركز الخلافة القادمة لأمة تريد أن يكون لها وجودٌ إنساني كما كان لها وجودٌ إنساني عظيم في السابق فبيت المقدس هو الملاذ الذي سيكون ملجأ لخلافة منتظرة مرتقبة لهذه الأمة تقوم على خلافة الأرض بالسلام والأمان والاطمئنان والاستقرار والراحة والسعة والخير والفضل والإحسان، بيت المقدس هو المعيار والمحك هو السرة كما ورد في بعض الآثار ولذلك كان أولئك الذين هم على الحق، الطائفة التي هي على الحق موقعها في بيت المقدس كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قال قائل: وأين هم يا رسول الله ؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس) يا أهل بلاد الشام أنتم المعنيون عندما يقال في أكناف بيت المقدس، ولا أريدكم أن تتباهوا بالشام تباهياً لسانياً وتباهياً كلامياً ولا أريدكم أن تتباهوا بالشام على أساسٍ من تاريخ أو على أساسٍ من ماضٍ ولا أريدكم أن تتحدثوا عن الشام أعني عن بلاد الشام بزهو لأن بلاد الشام كانت في يوم من الأيام مباركة فعلاً، ولكن أريدكم أن تتحدثوا عن بلاد الشام على أنكم أنتم ستعيدون لبلاد الشام ألقها، وأنتم الذين ستعيدون بيت المقدس إلى أهله وأنتم الذين ستفجرون الطاقات القوية من أجل دحر عدوٍ لدود يتربص بنا الدوائر صباح مساء ومن أجل قبل الدحر من أجل لملمة العلاقات فيما بين المسلمين جميعاً ليكون المسلمون جميعهم وحدة متراصة يقاتلون في سبيل الله العدو المدحور صفا كأنهم بنيان مرصوص. تذكر بيت المقدس وأسأل الله أن يوفقك من أجل قيامٍ حسن من أجل أن تشكر ربك وأن تدعوه وأن تعاهده ومن أجل ألا تنسى بيت المقدس وأنه أمانة في عنقك أنت ولا أريدك أن تتخلى عن مسؤوليتك عن بيت المقدس مدعياً بأنك لا علاقة لك فلست أنت بفلسطيني ولستَ أنتَ بمقدسي ولست أنت... لا يا أخي، أنتَ مسلم وبيت المقدس أمانة في أعناق كل المسلمين على مسافة واحدة، اللهم إني أسألك بحق ليلة القدر وبحق ما أُنزل في ليلة القدر أن تردنا جميعاً إلى دينك رداً جميلاً أن تجمع بين المسلمين في الأخوة والمحبة والإيمان والعلاقة الطيبة وحسن التعامل، اللهم إني أسألك أن تجعل المسلمين موحَدين موحِدين يا رب العالمين، أسألك يا ربنا أن تجعل المسلمين متآلفين متضامنين متباذلين متعاونين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 26/9/2008
 

التعليقات

حسن عادل

تاريخ :2013/03/05

بارك الله فيكم وعليكم

شاركنا بتعليق