آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
التوبة في شهر رفع الأعمال إلى الله

التوبة في شهر رفع الأعمال إلى الله

تاريخ الإضافة: 2009/08/14 | عدد المشاهدات: 3597

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

كلنا يعيش هذه الأيام حالة ترقب لشهر قادم، لشهر رمضان، وكل واحدٍ منا يعيش موازنات في هذه الأيام مادية، يعيش موازنات مادية بين ما يجب عليه أن يقوم به في رمضان من شراءٍ لحاجيات وسلع ولما  بعد رمضان للعيد من أمورٍ تحتاجها أسرته وأولاده وأفراد أسرته كلهم، يعيش في هذه الأيام الموازنات المادية، الصادر والوارد، ما يجب أن يحتفظ به من مال حتى يكفيه في رمضان وفيما يأتي بعد رمضان، يحاول أن يلملم نفسه من حيث المال، لكنني وأنا أقول هذا أتوجه إلى نفسي وإليكم، لا شك في أن شهر شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله فهلا قمنا بموازنات في الأسبوع الأخير من شعبان هلا قمنا بموازنات معنوية ؟ بمعنى كنت قد عاهدت ربك بلا شك في رمضان الذي مضى في العام الفائت كنت قد عاهدت ربك في هذا الشهر الكريم الفائت أن تقوم بكذا، وأن تقول كذا، وأن تفعل كذا، وأن تكون على استمرارٍ لهذا الفعل الذي رأيت آثاره الطيبة في رمضان، وعدتَ نفسك وعاهدتَ ربك على أن تقرأ القرآن بعد رمضان، وعلى أن يكون لسانك محفوظاً عن أن لا يدخل في أعراض الناس بعد رمضان لأنك تعلمت ذلك في رمضان، أريدك قبل أن يأتي رمضان هذا العام أن تقوم بالموازنة بين ما عاهدت ربك عليه ووعدت نفسك بأن تقوم به في هذه السنة التي تكاد تنتهي بعد أيام ما حققت من هذا الوعد ما حققت من هذا العهد الذي عاهدت به ربك ؟

لا شك في أن كل واحدٍ منا عاهد ربه ووعد نفسه وعاهد نفسه على أن يفعل كذا وأن يترك كذا، بينك وبين نفسك أريد أن تكون هذه الجلسة، أن تكون بينك وبين نفسك، انظر نفسك ما الذي فعلته في هذه السنة الفائتة قبل أن يأتي رمضان شهر المغفرة ؟ ما الذي فعلته من خير حتى تزيد منه وما الذي فعلته من شر وما الذي فعلته من سوء حتى تتوب منه ؟ أريدك في هذا الأسبوع من شهر شعبان أن تكون لك جلسة مع نفسك وأن تكون لك وقفة مع نفسك وأن تكون هذه الجلسة وهذه الوقفة بينك وبين نفسك يراقبها ربك، تستشعر مراقبة ربك، تستشعر اطلاع ربك عليك.

فيا أخي الكريم: لا تمرر هذه الليالي ونفسك تنتظر رمضان بفراغ، لا تنتظر هذه الأيام وأنت تهيئ نفسك من أجل أن تعاهد ربك في رمضان الذي سيأتي لأن هذا الأمر لن يغنيك شيئاً، وإنما حاول أن تنظر إلى سجلك الذي ملأته في السنة الفائتة، انظر إلى هذا السجل، إلى حسناته من أجل أن تشكر الله وأن تحمده وأن تعاهد نفسك على أن تزداد، وانظر إلى سيئات هذا السجل، ما الذي فعلته حتى تتوب من هذا الذي فعلت وكان سيئاً. هذه هي التوبة، ولذلك أحض نفسي وأحضكم على أن نتوب في الشهر الذي ترفع فيه العمال إلى الله، وأريد مع هذه الأعمال التي سترفع أن يكون بجانب كل عمل توبة، حتى أريد للتوبة أن تكون بجانب العمل الصالح، لأن الإنسان بحاجة إلى توبة من عمله الصالح خشية أن يكون قد ساورته بعض الشوائب من نية غير خالصة، من عدم تمام من أداء الفعل كما يجب أن تؤديه حسبما جاء في الشريعة، ومن أجل أن يكون العمل حتى إن كان صالحاً طيباً مباركاً من أجل أن يكون هذا العمل فيما بعد أفضل منه لأن الإنسان فيما يخص العمل الصالح في حالة ترقٍّ من حسنٍ إلى أحسن ومن صالح إلى أصلح، فأريد أن يرفع عملك حتى الصالح وبجانبه وعليه بصمة التوبة، ومن بابٍ أولى إذا ما رفع العمل السيئ فأريد أن يغلَّف بالتوبة: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيهَ المؤمنون لعلكم تفلحون﴾.

وحتى لا يكون الكلام عريضاً، التوبة على مستويين اثنين:

على مستوى الأمة، وعلى مستوى الفرد.

فيا أيتها الأمة عليكِ أن تتوبي، يا أيتها الأمة المتشكلة بدولة أو بجماعة أو بحركة أو بمنظمة أو بحزب على مختلف التشكلات التي تتشكلين بها، يا أيتها الأمة توبي إلى الله توبة نصوحاً، ولعلكم تسألونني عن أي الأمور يجب أن تتوب الأمة أكثر من غيرها ؟

حصرت الذنوب أو الآثام فوجدتها مجتمعة في ذنبين كبيرين، على الأمة أن تتوب منهما في شهر رفع الأعمال إلى الله، هذان الذنبان هما: الجهل والظلم.

أيتها الأمة على مختلف التشكلات، أيتها الدول الإسلامية، أيتها الحركات الإسلامية، أيتها الجماعات الإسلامية، أيتها المنظمات الإسلامية، أيها القائمون على الدول والمنظمات والجماعات والحركات: توبوا إلى الله من أمرين اثنين، من الجهل، فتعلموا، ومن الظلم فاعدلوا. الجهل والظلم ذنبان وإثمان كبيران هما يقبعان وراء كل إساءة ووراء كل سيئة ووراء كل رذيلة، حينما تنظر اليوم الرذائل التي نفرزها ويفرزها مجتمعنا على مستوى الأمة ستجد أن الظلم يقبع خلفها، حينما تنظر الآثام التي ترتكبها الأمة في تشكلاتها الجماعية ستجد أن الجهل يقبع وراءها، الجهل والظلم، أيتها الأمة توبي إلى الله من الجهل ومن الظلم.

وعلى مستوى الأفراد:

أيها الأفراد توبوا إلى الله من الجهل أيضاً ومن الظلم ومن كل ذنبٍ ارتكبتموه، وكل إنسانٍ أدرى بنفسه من غيره، توبوا إلى الله من الجهل فتعلَّموا، لأن رمضان شهر العلم ولأن رمضان شهر العدل ولأن الأشهر كلها شهور العلم والعدل ونبذ الظلم والجهل، فيا أيها الأمة، على مستوى الأمة توبي إلى الله من الجهل والظلم، ويا أيها الأفراد على كل واحدٍ منا أن يتوب إلى الله عز وجل من جهلٍ استحكم به ومن ظلمٍ لامس كل أفعاله، انظروا أفعالكم على مستوى الأفراد فستجدون أن الظلم بنسبة أو بأخرى يلامسها ويخامرها ويأتي عليها ويشكِّل بعض نسيجها إن لم يشكِّل كل نسيجها، توبوا من الظلم والجهل لأن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ولأن الجهل مرفوضٌ في الدنيا والآخرة، ولأن الجهل رذيلة الرذائل، ولأن الظلم رذيلة الرذائل، وتوبوا أيضاً على مستوى الأفراد على كل واحدٍ منا أن يتوب من ذنوبه وآثامه التي ارتكبها في سنته الفائتة حتى يأتي رمضان وقد رفعت أعماله ممهورةً بالتوبة، لأن التوبة أمرتم بها، التوبة أمرٌ من الله إلينا، أوليس الله قد قال: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ ؟ التوبة فريضة في كل آن، لكننا نتحدث اليوم عن توبة كبرى في نهاية السنة تشكل مجموع التوبات التي مرت في كل يومٍ علينا هذا إذا كنا نتوب في كل يوم أو في كل لحظة، وإن كنا لم نتب فلنتب في هذه الأيام توبة نصوحاً وصادقة إلى ربنا جلت قدرته.

التوبة فريضة: ﴿وتوبوا إلى الله﴾ والوعد بالمغفرة لمن تاب آتٍ من الله أيضاً، التوبة فريضة والوعد من الله بالتوبة عن عبادة والمغفرة وعدٌ من الله جلت قدرته أوليس الله قد قال: ﴿وإني لغفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ وإني لغفار على سبيل التأكيد، التوبة فريضة والوعد بقبول التوبة أكيد لأن الله وعدنا بذلك وحاشا أن يخلف الله معنا وعده: ﴿وإني لغفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ كيف تتوب يا أخي ؟

تتوب بندم، بإقلاع عن هذا الذي تفعل، تندم وتقلع عن هذا الذي تفعل وهو غير مقبول، وهو سيء، وتعزم على ألا تعود إلى هذه الفعلة أو هذا القول المخالف لما أراد الله عز وجل أن يكون عليه، الندم والإقلاع والعزم على ألا تعود وإن كانت المعصية تتعلق بإنسانٍ ما عليك أن ترد إليه حقه الذي كنت في هذا الحق ظالماً، وإن لم يكن الأمر متعلقاً بالعباد إن كان متعلقاً بنفسك وبعلاقتك مع ربك فاندم وأقلع واعزم على ألا تعود لهذا الذي كنت قد فعلته أو قلته. قد يقول قائل: ها قد ندمت وها قد أقلعت وها قد عزمت. هذه الأمور كلها في داخلك ولكنني أريد بينة أو عنواناً مادياً على ذلك، ما الدليل المادي من أجل أن تؤكد لنفسك أنك ندمت وأقلعت وعزمت ؟

الدليل على ذلك أمران: الأمر الأول: الاستغفار: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ من قال ندمت وأقلعت وعزمت، ثم أنظر إليه فلا أراه يستغفر ربه، كان الصحابة يعدُّون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مئة مرة يقول: (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، فهل تقول أنت في مجلسك بل في مجالسك كلها، بل في كل سنتك، هل قلت مئة مرة استغفاراً ؟

التوبة من أجل أن ندلل على الندم والإقلاع والعزم، يجب أن يكون هنالك الاستغفار وبعد الاستغفار العمل الصالح، لذلك استغفر حتى تدلل على ندمك وإقلاعك وعزمك واعمل صالحاً: ﴿إلا من تاب وآمن﴾ أي استغفر ﴿وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ أتريد أن يتوب الله عليك وأن يجعل سيئاتك التي كانت منك حسنات ؟ إذن استغفره واعمل صالحاً عملاً مرئياً واضحاً جلياً ولا يكفي أن تقول لي ندمت، قد يكفي هذا لنفسك لكن بالنسبة للآخرين حتى تُصدَّق بعد أن تقول ندمت وأقلعت وعزمت هنالك أمران يدللان على ذلك ويبرهنان على ذلك: الاستغفار والعمل الصالح: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾.

أتريد أن تبدل هذه السيئات التي اقترفتها وسجِّلت في سجلك لتصبح حسنات ؟ إذن ما عليك إلا أن تتوب بالندم والإقلاع والعزم وأن ترد المظالم إلى أربابها إذا كنت ظالماً الناس والدليل على ذلك استغفارٌ وعملٌ صالح: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾.

يا أمتي أذكرك ثانية وثالثة، التوبة على مستوى الأمة من الجهل ومن الظلم، وعلى مستوى الأفراد، فلنتب من جهلٍ ومن ظلم ومن كل إساءة ومن كل ما ارتكبناه من ذنب يتعلق بأنفسنا أو بالناس أو بعلاقتنا مع ربنا جلت قدرته.

أيها الإخوة على مستوى العالم الإسلامي توبوا إلى الله، كم سفكنا من دماءٍ بغير حق ؟ كم شتمنا ؟ كم سببنا ؟ كم ظلمنا ؟ كم قتلنا ؟ كم اغتبنا ؟ كم تكلمنا من كلامٍ سيءٍ ونابٍ ؟ كم فحشنا في قولنا ؟ كم غششنا في أمكنة تجارتنا ؟ كم مررنا أوقاتاً من غير أن نودعها ما يعود علينا بالنفع ؟ كم ذبحنا من أوقات، والوقت إذ يذبح من غير أن تضع فيه ما ينفعك فأنت ترتكب إثماً كبيراً  وذنباً فظيعاً عظيماً ؟ فهيا إلى ساح التوبة عبر ما قلناه لأن الله عز وجل أمرنا بذلك ووعدنا بالمغفرة وقبول التوبة بشرط تحقق شروط التوبة وتحقيقها.

في النهاية: إذا أنت تبت أتدري ما الثمرة المنتظرة بعد المغفرة ؟ سيقبل الله توبتك، ولكن هناك ثمرة أكبر، هذه الثمرة سيحبك ربك: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ التوابين الذين يتطهرون من الآثام، والمتطهرين الذين يتطهرون من الأوساخ، سيحبك ربك، أوليس محبة ربك لك ثمرة لا أعظم ولا أجمل ولا أروع، أم أنك زهدت بهذه الثمرة ؟ عندما يحبك ضابط فأراك مختالاً فخوراً، وعندما يحبك رئيس فأراك تكبر حتى لا تتسع الدنيا بقامتك ولهيئتك ولكتلتك المادية، فإذا ما أحبك إنسانٌ عابر فرحت أيما فرح، أنا أقول لك ثمرة التوبة بعد قبولها من رب العزة أن يحبك ربك هكذا قال ربك: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾.أيها الساعون من أجل أن يحصدوا محبة ربهم لهم، هيا إلى التوبة فإنها باب الوصول أن يحبك الله: ﴿فسوف يأتِ الله بقومٍ يحبهم ويحبونه﴾.

اللهم وفقنا لتوبة صدوق نصوح يا رب العزة يا إلهنا يا رجانا، وفقنا على مستوى الأمة وعلى مستوى الأفراد، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 14/8/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق