آخر تحديث: الأحد 15 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
حفظ حقوق المرأة: من سمات المجتمع الإسلامي المنشود -3

حفظ حقوق المرأة: من سمات المجتمع الإسلامي المنشود -3

تاريخ الإضافة: 2011/09/22 | عدد المشاهدات: 2369

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

رحم الله الشهداء، وجعلنا آمنين في أوطاننا مؤمنين.

أيها الأحبة:

نتكلم ونتابع الكلام عن سمات مجتمع منشود نطلبه وجميعنا يبغي أن يكون مجتمعه مجتمعاً صالحاً، ومن أجل أن تتأكد أو تتبين فيما إذا كان مجتمعك مجتمعاً صالحاً فلا بد من أن يكون هنالك معيار تعاير هذا المجتمع عليه، فإن تحقق بهذا المعيار أو انتسب لهذا المعيار انتساباً صادقاً فالمجتمع مجتمع صالح، فما المعايير التي تجعل مجتمعنا مجتمعاً صالحاً ؟ وهل مجتمعنا الراهن يطبق هذه المعايير وهذه الأسس وهذه القواعد وهذه الدلائل ؟

بدأنا برسم ملامح هذا المجتمع وتحدثنا عن سماته في الأسابيع الماضية ضمن سلسلة، ولا بد من أن أذكّر إخوتي من أن المجتمع المنشود بحسب ديننا من خلال مصدريه القرآن والسنة: السِّمة الأولى الوازع الديني أو رقابة الله، وتحدثنا عنها، السِّمة الثانية كرامة الإنسان وحفظ حقوقه، السِّمة الثالثة التعاون المتبادل بين أفراد المجتمع على البر والتقوى والخير، وها نحن أولاء اليوم نتحدث عن السمة الرابعة، أتريدون لمجتمعكم الصلاح ؟

انظروا هل هو متحقق برقابة الله ؟ هل هو متحقق بحفظ حقوق الفرد وبكرامة الفرد قائمة وموجودة فيه ؟ وهل هو متحقق بالتعاون المتبادل بين أفراد المجتمع على البر والتقوى ؟ والآن وهل المرأة فيه منصفة، لأن السِّمة الرابعة للمجتمع المنشود الصالح: إكرام المرأة وإعطاؤها الحقوق على سبيل الإنصاف وليس على سبيل المِنَّة، واسمحوا لي في البداية وإن كان الحكم سلبياً وقاسياً أن أقول: نحن في مجتمعنا هذا لا نطبق هذه الصفة ولا هذه السمة ولا هذا المعيار لأنني أقول وأرجو أن ننتبه إلى هذه السمة إكرام المرأة وإعطاؤها حقوقها على سبيل الإنصاف وليس على سبيل المنة، وأنا أعلم وكلنا كما يقال من قرية صغيرة ومن حي واحد، من يُكرم منا المرأة لا يكرمها على سبيل الإنصاف وأن هذا حقها وإنما يكرمها على سبيل المنة، يمنن عليها ويقول لها أعطيكِ وأمنحكِ وأتعب وأشتغل. إن كانت هذه البنت أختاً أو أماً أو زوجة أو بنتاً، يا أيها الناس: إن لم تُكرم المرأة وإن لم تنصف المرأة في أي مجتمع كان فلا يمكن لهذا المجتمع أن يوصف بأنه مجتمعٌ صالح، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما النساء شقائق الرجال) كما جاء في سنن أبي داود، حقوقاً وواجبات، فهل أنت توقِّع على هذا الكلام توقيع مطبّق ومؤيد وموافق أم أنك توقع بلسانك لكن عملك لا يوقع، لكن سلوكك لا يوقع، اسمع أيها الإنسان المسلم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن أبي داود أيضاً: (من كانت له أنثى) سواء أكانت هذه الأنثى بنتاً أو أماً أو أختاً أو زوجة (من كانت له أنثى فلم يئدها) أي فلم يدفنها في التراب، وإن كان الوأد تختلف صورته من مجتمعٍ إلى مجتمع، في السابق كان الوأد دفن البنت في التراب، أما الآن فأعتقد أن كثيرين منا يئدون المرأة والبنت، يمنعونها من أن تمارس حقها، يمنعونها من أن تتكلم عن نفسها، ولطالما جاءني إخوة مع أخواتهم، وهذا الأخ أصغر سناً من أخته وأقل ثقافة من أخته يكلمني باسمها، فإذا ما أرادت أن تتكلم لي نَهَرَها وقال: لا، أنا أتكلم عنكِ، وقال لي: انظر إلي هذه أختي وأنا حرٌ بها. نحن نتعامل مع المرأة هذا التعامل ! من كانت له أنثى فلم يئدها: ﴿وإذا الموؤدة سئلت بأيِّ ذنب قتلت﴾ نحن نئد المرأة، نحن ندفن المرأة، نحن نمنع المرأة من تتكلم عن نفسها، من أن تعبر عن نفسها: (من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يُهِنها) حدِّثني بربك أنت أيها الزوج كم مرة أهنت زوجتك، حدثني أيها الأخ بالله عليك كم مرة أهنت أختك، حدِّثني أنت أيها الولد كم مرة أهنت أمك، وكم مرة أهنت ابنتك ؟! حدثني وأنا أسألك: (من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها) والقضية الثالثة أخطر وكلنا واقع فيها (ولم يُؤثر ولده عليها) لم يؤثر الصبي عليها (أدخله الله الجنة). هل تؤثر ولدك الذكر على البنت ؟ نعم ورب الكعبة وكلنا يعلم ذلك عن نفسه وعن إخوته وعن جيرانه، من منكم يعطي بنته حقها من الميراث إذا كانت قد تزوجت ؟ من منكم يفضل البنت البارة على الولد العاق ؟ أنتم ونحن نفضل الذكر العاق على البنت البارة لأنها تزوجت غريباً ونحن لا نريد لمالنا أن يخرج من عائلتنا إلى عائلة غريبة، هكذا نتكلم وكأننا مُنعتقون من ربقة الإسلام وكأننا لا نسمع هذا النبي العظيم الذي قال: (إنما النساء شقائق الرجال). بالله عليكم يا أهل المدينة ويا أهل القرية، ربما قال لي بعضكم إن هذا يحدث في القرى أكثر منه في المدينة. أقول لكم وأنا الخبير إلى حدٍّ ما بشؤون المجتمع من خلال أسئلة الناس لا فرق بين مدينة وقرية، الكل ظالمون والكل يئدون والكل يهينون والكل يؤثرون أولادهم الذكور على الإناث... وبعد ذلك نأتي ونكلم الناس ونقول إن الإسلام كرّم المرأة، هذا صحيح ولكنك أنت أيها المسلم لم تكرّم المرأة لأنك لست مسلماً في تصرفاتك مع المرأة شئت أم أبيت، والواقع ينبئ عنك، وتصرفاتك تنبئ عنك، حدثني بربك أيها الزوج كم مرة ضربت زوجتك وضربت ابنتك وضربت أمك وضربت أختك ؟! أنت أيها الذي تحمل الشهادة العالية تقوم بهذا، أتريدون يا إخوة ونحن نفعل هذا الذي يخالف ديننا وأقوال نبينا أن ندعي بأننا مجتمع صالح وبأننا نريد أن نكون مجتمعاً متميزاً على مستوى الدنيا بأسرها، هذا ادّعاء لا يمتُّ إلى الحقيقة ولا يمكن أن يمت إلى البينات بصلة أو إلى البراهين أو إلى الدلائل بصلة، المرأة والرجل شقائق في الحقوق والواجبات أولاً احفظ هذا.

ثانياً: الذكر والأنثى في مجتمعنا الإسلامي المنشود يتولى بعضهم بعضاً، يمكن للمرأة أن تتولى الرجل ويمكن للرجل أن يتولى المرأة، والكفاءة هي الفيصل وليست الذكورة أو الأنوثة بعنصر من عناصر الكفاءة، الكفاءة والاقتدار والاستعداد هي الكفاءة، الله عز وجل قال، واقرؤوا القرآن الكريم، لماذا تمرون على مثل هذه الآيات ولا أقول مرور الكرام، ولكن مرور أولئك الذين لا يريدون أن يتفهموا: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ المرأة تتولى الرجل والرجل يتولى المرأة، هكذا قال الله عز وجل أيها القارؤون لكتاب الله عز وجل.

ثالثاً: الجزاء الإيجابي والسلبي واحد للذكر والأنثى، اقرؤوا قول الله عز وجل: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ أما أنت فتقول لأولادك لإخوتك لبناتك من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فلأحيين الذكر حياة طيبة أما الأنثى لأسامحنها في أحسن الأحوال، أما أن أعطي المرأة ما أعطي الذكر فهذا أمرٌ غير وارد في عقولنا وفي مجتمعنا، ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ اقرؤوا قول الله عز وجل: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ لا فرق بين هذا وذاك من حيث الجزاء الإيجابي والسلبي فلماذا تفرّقون أنتم ؟ وكأني بك يا سيدي يا رسول الله تنظر من سجف الغيب إلى زمان سيأتي فتقف في حجة الوداع كما جاء في الصحاح وتنادي أمتك، تنادي أولئك الذين هم معك بأجسامهم وتنادي أولئك الذين سيأتون إلى يوم القيامة: (استوصوا بالنساء خيراً) يعني عليكم أن تبذلوا الجهد لأن هذا يخالف ما كنتم عليه من عادات تحتاجون إلى أن تبذلوا جهداً كبيراً من أجل أن يوصي بعضكم بعضاً بالمرأة خيراً، استوصوا الألف والسين والتاء من أجل بذل الجهد، استمسك يعني عليك أن تطلب الجهد من أجل أن تمسك: (استوصوا بالنساء خيراً) تلك كانت الوصية من سيد الكائنات في حجة الوداع مع وصايا أخرى، وكأني بهذا النبي العظيم السيد السند الكريم ينظر إلى أمته ويخاف على المرأة ويخاف على هذا المخلوق من أن ينهشه الذكر، وهذا ما وقع، وأنا أردِّد هذه الوصية وصية سيدي وقائدي لأقول لأهل بلدي أتريدون الإصلاح ؟ أصلحوا فيما بينكم وبين المرأة، أصلحوا علاقاتكم مع الأنثى، مع البنت، مع الأم، مع الأخت.

سأسرد عليكم قصة وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أظنكم أنكم تتوقعون أن مثل هذه القصة يمكن أن تكون وقعت في عهد أجدادكم الكرام في عهد سيد الكائنات لأنكم لا تستطيعون أن تفعلوا فعلها اليوم على الرغم من كل ادِّعاءات التطور والتقدم، تأتي فتاة شابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي أمرها، تقول يا رسول الله إن أبي زوجني من ابن أخيه - مارس حقه بتعسّف - ليرفع بي خسيسته - من أجل مصلحة تهمه - وأنا له كارهة. فرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج واعتبره باطلاً. هل تستطيع ابنتك أن تفعل هذا معك من غير أن تجيبها ؟ لا يمكن أن تقبل هذا من ابنتك ولو كانت تحمل أعلى الشهادات ولو كانت تفوق الدنيا ثقافة وعلماً واطّلاعاً، ستقول لها بلسان الذكر المتعسف الظالم إما أن تفعلي هذا وإما أن يكون نصيبك، وبالأمس منذ خمسين سنة يمكن أن يقال لها وإما ان تُذبحي، أما الآن وإما أن تتركيني، وأن أتركك وهذا عند المتطور والمتقدم. (استوصوا بالنساء خيراً). نحن نظر إلى المرأة باختصار على أنها متعة ومتعة فقط، ولذلك إن رأيت زوجتك تتكلم فلا يصعد إلى عقلك وتفكيرك إلا أنها تخونك لأنك مُلئت وأشبعت النظرة التي مفادها أن المرأة لا يُتكلم معها إلا من أجل المتعة، ولا تتحدث إلا من أجل الجنس، ولا يُنظر إليها إلا من أجل هذا، وعلى المرأة أن تحتاط لأن كل من ينظر إليها ينظر إليها على أنها جنس فقط بامتياز، فتحجبي واختفي واجلسي لأن هذا الذكر واقف هناك وينظر إليك بعينين فيهما كل الشرر الذي يحمل الاعتداء عليكِ، ووصيتنا لبناتنا ونسائنا: الناس ينظرون إليكن بشهوة هذه النظرة الوحيدة، وعليك أنتِ أيتها المرأة أن تحتاطي وأن تتدرعي، أن تضعي درعاً وأن تحافظي على نفسك، أما أن نقول لهذا الرجل: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ أما أن نقول للذكر تأدّب، اسكت واترك هذه المرأة أن تأخذ حقها في الحياة ضمن شريعة الله فلا يمكن أن نكلم الرجل، الرجل دائماً هو الوحش الذي تتأدب المرأة بحسب وحشية هذا الإنسان، ابقَ كما أنت وعليكِ أن تتأقلمي أيتها المرأة مع هذا الرجل الذي يسمى مخلوقاً لا ينظر إليك إلا نظرة الجنس، الكلام طويل وباختصار وينتهي الأمر ولا أريد أن أزيد على الناس، لخصوا إن أردتم أن تجعلوا مجتمعكم مجتمعاً صالحاً فلا بد من سمات يتصف بها، رقابة الله أولاً، ثانياً كرامة الفرد وحفظ حقوقه، ثالثاً التعاون المتبادل بين الناس على البر والتقوى، وقد شرحنا ذلك الأسبوع الفائت، رابعاً إكرام المرأة وإعطاؤها حقوقها على سبيل الإنصاف وليس على سبيل المنة: (إنما النساء شقائق الرجال).

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نعطي كل ذي حق حقه سواءٌ أكان من عالم الإنسان أو من عالم الجماد أو من عالم الحيوان، فالإنسان العادل هو الذي يعطي كل ذي حق حقه، وفقنا يا ربنا يا ذا الحق المتين من أجل أن نكون من أصحاب الحق ومن أهل الحق، وفق مجتمعنا كله المسؤولين وغير المسؤولين، كل من يقوم على هذا المجتمع، وفقهم من أجل أن يكونا عند شريعتك الحقة منضبطين بها قائمين بها وإذا كانوا كذلك فسيكون مجتمعنا مجتمعاً صالحاً، وإلا فالادّعاء لا يُغني عن الحقيقة، نحن أمة مدعية وليست أمة منفذة، فإلى أن نصبح أمة تبدأ التطبيق والتنفيذ، أسأل الله أن يوفق مشاعرنا وعقولنا وأرواحنا لمتابعة ذلك، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 23/9/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق