آخر تحديث: الأحد 09 مايو 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
هل العنف من الإسلام

هل العنف من الإسلام

تاريخ الإضافة: 2007/12/28 | عدد المشاهدات: 2991

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:
هتفت إليَّ يوم أمس إذاعة أجنبية، بعد حادث اغتيال رئيسة وزراء باكستان السابقة، فقالت الإذاعة تسألني: ما سبب أنّ العنف يأتي من جهةٍ إسلامية، بعبارة أوضح: لماذا نرى العنف لدى المسلمين، ولماذا يُلاحظ من خلال تصرفات بعض المسلمين أنهم يحبون ويفضلون ويسلكون سبيل العنف في علاقاتهم مع الآخرين ؟ وأسئلة حول هذا الموضوع.
قلت لهم: لا شك في أن عنفاً يصدر عن بعض المسلمين، ولا شك في أن بعض الجماعات الإسلامية، أو التي تقول عن نفسها أنها جماعة إسلامية، تركب ظهر العنف وتستخدمه سبيلاً ومنهاجاً، ولكن ما أريد توضيحه، ولا أريد مع التوضيح أن أتَّهم فئاتٍ أخرى من الناس بالعنف من غير المسلمين، لكنني أريد التوضيح، والتوضيح يقتضي أن أقول لكم بأنه ليس ثمة رابط بين العنف وبين الإسلام في أصوله، في مصدريه: القرآن الكريم والسنة الشريفة. ابحثوا عن أسباب للعنف خارج الإسلام، ابحثوا عن أسباب للعنف في المجال الاقتصادي، في المجال الاجتماعي، في المجال السياسي، ابحثوا عن العنف في الدائرة الإنسانية المظلومة، ابحثوا عن أسبابٍ للعنف في ضغط سياسي على أولئك الذين يتجلببون جلباب العنف، الضغط يولد الضغط والانفجار، والعنف يولد العنف المضاد، لا تربطوا بين العنف والإسلام في نصوصه الأصلية، لا تربطوا بين العنف والإسلام من حيث كونه ديناً منزلاً من الله عز وجل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، للعنف أسباب لا أريد أن أحدثكم ملياً عنها ولكن - هكذا قلت لهم - اسألوا أهل الاختصاص من علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء الواقع وعلماء الجريمة وعلماء القانون، فسترون أن القضية لا علاقة لها بما تتصورون.
الإسلام من حيث كونه ديناً، من خلال مصدريه، من خلال قواعده، من خلال أصوله الصحيحة الثابتة، لا يمكن أن يكون سبباً لعنف نرى صوره في مجتمعاتنا اليوم، قد يكون فهم الإسلام الخاطئ سبباً من أسباب العنف، وقد يكون فهم أي مبدأ فهماً خاطئاً سبباً من أسباب العنف، ولكن وهكذا أؤمن، ليس ثمة رابط يدخل تحت عنوان العلة، أو تحت عنوان السبب يربط بين الإسلام والعنف، تابعت حديثي معهم وقلت لهم: اهتفوا إليَّ بعد عشر دقائق فسأقدم لكم بعض النصوص، وبعدها بإمكانكم أن تحكموا على هذا الدين، هل هذا الدين يولد أو يأتي بالعنف، أو أن هذا الدين بريء مما يمكن أن يتهم بذلك، إن من قبلكم أو من قبل بعض أتباعه، وفعلاً بعد أن وضعت السماعة تناولت القلم، ورحت أقرأ وأكتب بعض الآيات من القرآن الكريم، وقرأت بعض الكتب التي تُعنى بموضوع الإسلام وعلاقته بالرحمة والرفق، وسطَّرت هذه الآيات التي سأتلوها عليكم مع بعض الأحاديث، وفعلاً وبعد عشر دقائق كلموني وقرأت عليهم هذه النصوص، وقلت لهم من غير تعليق، وأريدكم أن تذيعوا هذا الذي قلته لكم بكامله، فإن كان عندكم ما يناقض أو يعارض هذا الكلام فمرحباً به، لأننا نريد أن نصل إلى معرفة ما يؤدي إلى العنف حتى نتعاون على القضاء عليه، لأننا في هذا العصر بالذات سئمنا العنف، سئمنا العنصرية، سئمنا الدماء التي تراق من غير ما سبب مشروع، سئمنا العلاقات البغيضة، سئمنا العلاقات القائمة على الشجار، القائمة على الاقتتال، القائمة على السوء والفساد، سئمنا وأنا أتكلم باسم الشعوب، وباسم نفسي، وأعتقد أن كل شعوب الأرض اليوم راحت تذرف الدموع حزناً على عصرٍ تعيش فيه، عنوانه الأكبر الدم المسفوح، والكلمات الفاحشة، واللسان البذيء، والعلاقات التي لا تستند إلى إنسانية على الإطلاق، سئمنا نحن الشعوب، نحن الذين نعيش في هذا العصر، فيا أولياء الأمور، يا أيها السَّاسة، يا أصحاب السلطة على مستوى التنفيذ، على مستوى الحكم، على مستوى الدّين، نناشدكم الله، نناشدكم ضمائركم أن تكفوا أيديكم وأن تمنعوا وتجففوا ما يمكن أن يؤدي إلى العنف وإلى القتال وإلى النزاع وإلى الفجور، ولا نخاطب فئة دون فئة، ولا جماعة دون جماعة، ولا أمة دون أمة، ولكننا نخاطب وبكل حزم، وبكل قوة، نخاطب كل الفئات البشرية، نخاطب كل الأديان، نخاطب كل المذاهب، نخاطب كل المبادئ، نخاطب كل الحركات، نخاطب كل الجماعات، كفى، كفى أيها المتسلطون، أيها المسؤولون، أيها الدينيون، أعني رجال الدين، أيها السياسيون كفانا، فلقد سئمنا ورب الكعبة، ولا سيما أنه مرت سنة سابقة، وها نحن أولاء نستقبل سنة قادمة، هذه السنة التي مرت كانت سنة معبرة عن عصرنا أيما تعبير، كانت سنة دم، سنة قتال، سنة عدوان، سنة فجور، سنة تضييع. ساهم كل الناس في هذا العدوان وبهذا الفجور وبهذا الضياع، ساهم كل الناس الذين يعيشون على الكوكب هذا الذي اختاره الله لنا مساحة نعيش عليها بأمان واطمئنان، ساهم كل سكانه في هذه التركيبة وهذه النتيجة التي نحصد ثمارها اليوم، وثمارها بالنسبة للحنظل، الحنظل بجانبها حلو شديد الحلاوة.
اسمعوا قول الله عز وجل وها أنا ذا أضع هذه النصوص أمانة في أعناقكم أنتم أولاً أيها المسلمون وأمانة في أعناق أولياء الأمور وأمانة في أعناق الإنسانية الذي ينظر بعضها إلى الإسلام على أنه دين عنف من أجل جلاء الصورة، والذي ينظر بعضها إلى الإسلام على أنه المخلِّص والمنقذ من أجل التأكيد على ذلك، قال تعالى: ﴿قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم﴾ تعالي أيتها الإنسانية ﴿ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان﴾ المادي والمعنوي ﴿بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ - العدل ماضٍ على كل من حولي وما حولي إن كان عدواً فلا يجرمني شنآن هذا العدو على ألا أعدل، ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ ذلكم وصاكم به أولاً لعلكم تعقلون، ثانياً لعلكم تذكرون، ثالثاً ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. هذا قرآننا يقول هذا الكلام فليسمع المسلمون الذين تغلغل العنف فأصبح عنصراً مكوناً لدمائهم لنقول لهم: لقد أخطأتم السبيل فالعنف مرفوض في ديننا في قرآننا في سلوكنا الإنساني في تعاليم ربنا الآتية منه جل وعلا إلى البشرية عبر القرآن والكتب السماوية المنزلة من عنده على سائر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
الله عز وجل يقول: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ الله عز وجل يقول: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ الله عز وجل يقول: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ الله عز وجل يقول: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم﴾ وتابعت مع تلك الإذاعة الأجنبية أعرض عليها ما في جعبة الإسلام من نصوص تجانف العنف وتجانبه قلت لهم: الكتابان الصحيحان المعترف بهما من قبل عدد أكبر من المسلمين واللذان يرويان أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هما البخاري ومسلم، وها أنذا أروي لكم بعض الأحاديث من هذين الكتابين. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (من يُحرَم الرفق يحرم الخير) الخير كلمة واسعة جامعة فمن حُرم الرفق حرم الخير هكذا يقول النبي، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه) العفو مدعوون إليه فهل الأمة التي تدعى إلى العفو يمكن أن تكون أمة عنيفة فيما إذا التزمت تعاليم دينها ؟ التواضع خُلق مدعوون إليه والتواضع لا يؤدي إلى العنف وإنما الذي ينتج العنف هو التكبر والكبرياء، وكل متكبر مهما كان عالماً ومهما كان مسؤولاً وكل إنسان يلبس لباس التكبر مهما كان حاله فإنه حقير شئنا أم أبينا، هذا الإنسان لا يمكن أن يكون له اسم في سجل المنتجين الخيرين في سجلات الإنسانية، المتكبر هذا الذي يبغضه الله عز وجل وهذا الذي يولد العنف، لكن الإسلام يقف حيال المتكبر موقف الرفض ويقول للمتكبر أنت لست مني وأنا لست منك (وما تواضع أحد لله إلا رفعه) رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُحَّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم، والشح ليس البخل، وإنما الشح أن تمنع إنسان ما أمامك مهما كان هذا الإنسان أن تمنعه حقه، أن تكون شحيحاً في إعطاء ما يجب أن تعطيه للناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، الشحّ أن تقف أمام إنسان يستحق منك أمراً ما فتمنعه من هذا الذي يستحقه، تمنعه من حقه فإذا منعت إنساناً ما من حقه فأنت شحيح، وبالتالي هذا الشح سيأتي عليك بالهلاك عاجلاً وآجلاً.
قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) أُمرنا بالسّماحة فأنى لنا العنف، إلا إذا فهمنا الدين فهماً خاطئاً ممسوخاً، فهماً من أجل أن نمرر من خلال هذا الفهم الخاطئ مصالحنا ورغباتنا وشهواتنا واستعلاءنا ونفوذنا اللامشروع، وإلا فديننا وإسلامنا ما أظن أن واعياً اطَّلع على تعاليمه يمكن أن يقول بأنه يورث أو يأتي بالعنف، قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم: (الكلمة الطيبة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) كيف يمكن أن يكون إلقاء القتيل في الأرض مع دمه المسفوح أمراً مطلوباً أو أمراً مدعواً إليه أو أمراً مقراً من قبل الدين الإسلامي الحنيف، وهو الذي يقول بإماطة الأذى مهما كان الأذى صغيراً أو كبيراً أمطه عن الطريق صدقة، يروي البخاري حديثاً آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من لا يرحم لا يرحم) أين الرحمة في علاقاتنا ؟ دين يدعو إلى الرحمة هل هذا الدين يقر العنف ويدعو إلى العنف ؟ يقول عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى في البخاري: (من لا يرحم الناس) ولم يقل من لا يرحم المسلمين، ولم يقل من لا يرحم مواطنيه (لا يرحمه الله) فهل هذا الذي قال هذا الكلام وهو سيد الإسلام والمنزل عليه القرآن يمكن أن ننسب إليه عنفاً أو قسوة أو ضراً، (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) يقول عليه الصلاة والسلام في آخر حديث سجلته: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) هذا هو إسلامنا الذي أنتسب إليه بفخر واعتزاز، إسلام يقول غير هذا الكلام إسلام ليس هو بذاك الإسلام النابع من القرآن الكريم والسنة الشريفة: (إنما أنا رحمة مهداة) هذا عنوان إسلامنا وهذا عنوان نبينا عليه الصلاة والسلام، عنوان إسلامنا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فيا أيها الناس إسلامكم الحق الصواب الصحيح أمانة في أعناقكم وما عليكم إلا أن تقدموا للناس عبر الكلمة وعبر الفعل وعبر الحال هذا الإسلام الذي نقلت لكم بعض نصوصه والتي تصبّ في مصب الرحمة والرأفة والرعاية الإنسانية والعطاء النافع والرفق وإلا فنحن مقصرون، يا من يتحدثون عن عنف يولده الإسلام أنتم تتحدثون عن مولود غير شرعي للإسلام، العنف ليس مولوداً شرعياً للإسلام، العنف مولود ينسب للإسلام زوراً وبهتاناً حتى وإن صدر عن بعض المسلمين لكن الإسلام لا يتحمل هذا العنف الصادر عنهم وإنما يتحمل هؤلاء الذين صدر منهم العنف هم الذين يتحملون جريرة العنف جريرة الظلم ليس لأنهم مسلمون، ولكن كما بدأت الحديث أعيده، ابحثوا عن أسبابٍ للعنف في المساحة الاجتماعية، في المساحة الاقتصادية في المساحة السياسية، فستجدون أن أسباب العنف ليس الإسلام في حقيقته وإنما للعنف أسباب هي في المسائل الاجتماعية والسياسية في الضغط في الفقر في الجوع في التعذيب في القهر في كل ما يمكن أن يكون صفة سيئة قد لا يكون لها حساب راهن لكنها في النهاية ستؤدي إلى عنف وإلى انفجار.
أيها الأب لا تقهر أولادك فستربيهم عند ذلك على العنف، أيها الحاكم لا تقهر شعبك فسيكون العنف نتيجة طبيعية وعلامة فارقة لهذا الشعب، أيها الأستاذ إياك والقهر لطلابك فالنتيجة العنف، أيها الإنسان حيثما كنت يا من وليت على أي إنسان كان، إياك والقهر فالقهر نتيجته عنف، ابتعدوا عن كل مسببات العنف ولا يمكن أن أقول ابتعدوا عن العنف، فالعنف نتيجة والأجدر أن نتحدث عن أسباب العنف كما يقال، وعن تجفيفها وبذلك ندعو إلى عدم العنف، أما أن نقول ابتعدوا عن العنف فهذه دعوة منقوصة.
اللهم إني أسألك بحق حجٍ حجه الناس هذا العام، بحق الطواف، وبحق سعيٍ، وبحق وقوف بعرفة، أسألك أن تردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن ترد الإنسانية إلى رشدها وإلى صلاحها وفلاحها، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 28/12/2007
 

التعليقات

احمد

تاريخ :2007/12/31

صدقت والله ايها الشيخ الجليل فالعنف يولد العنف والضغط يولد الانفجار أسأل الله لك الحماية والسداد والتوفيق

عثمان بيطار

تاريخ :2008/01/03

لا فض فوك ياسيدي...كنت وستبقى سيد الكلمة وسيد المنبر لأننا في هذا العصر بالذات سئمنا العنف، سئمنا العنصرية، سئمنا الدماء التي تراق من غير ما سبب مشروع، سئمنا العلاقات البغيضة، سئمنا العلاقات القائمة على الشجار، القائمة على الاقتتال، القائمة على السوء والفساد، سئمنا وأنا أتكلم باسم الشعوب، وباسم نفسي، وأعتقد أن كل شعوب الأرض اليوم راحت تذرف الدموع حزناً على عصرٍ تعيش فيه، عنوانه الأكبر الدم المسفوح، والكلمات الفاحشة، واللسان البذيء، والعلاقات التي لا تستند إلى إنسانية على الإطلاق.

شاركنا بتعليق