آخر تحديث: الخميس 18 يوليو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
أين من تربيتنا الروح 1

أين من تربيتنا الروح 1

تاريخ الإضافة: 2001/11/09 | عدد المشاهدات: 2739

أما بعد : أيها الاخوة المؤمنون منذ أيام دعيت لإلقاء محاضرة عن التربية وتربية الطفل بشكل خاص ووجدتني وأنا أدعى لهذه المحاضرة أفكر ملياً . ولعلكم تسألونني بمَ كنت أفكر ؟ كنت أفكر أيها الاخوة بالقرآن الكريم طرحت على نفسي أسئلة فقلت : أليس القرآن الكريم دستوراً لنا ؟ أليس القرآن الكريم مرجعاً أساساً لنا ؟ أليس القرآن الكريم ضرورة نصية لا يمكن أن نستغني عنها ؟ أليس القرآن الكريم عنوان حضارتنا ؟ لأن حضارتنا حضارة نص . إذا كان الأمر كذلك ، إذاً فمالي لا أعود إلى القرآن من أجل تحضير هذا الموضوع الذي يتعلق بعملية هامة وهامة جداً وهي عملية التربية ، وكلنا يسعى من أجل أن يكون طرفاً لامعاً في هذه العملية ، فإما أن يكون مربياً وإما أن يكون مُرَبى . 
أخذت القرآن الكريم ورحت أقرأ فيه ولا أكتمكم إنني مررت على آيات أحسست إني أقرؤها لأول مرة ، ولا أكتمكم أنني قلت بيني وبين نفسي كم نقصر مع القرآن ، وكم نقسو على القرآن ، وكم نبتعد عن القرآن ! وأنا الذي أقرأ القرآن لا أقول أفضل أو أكثر من غيري وإنما ككثير مثلي أقرا القرآن باستمرار ، وجدت نفسي أمر على آيات وكأني أقرؤها لأول مرة ولعلكم تسألون ولم كان هذا الشعور ؟ كان هذا الشعور لأنني اقرأ القرآن الكريم بهدف استنباط ما يتعلق بالتربية وأقرأه بغرضية ، لأن القرآن الكريم جاء من أجل أن يقرأ بغرضيات متنوعة فأنا اقرأه من أجل حصاد غرض وأمر علمي تربوي ، قرأت آيات منه وكأني أقرؤها لأول مرة ، تابعت وقلت لنفسي كيف ابدأ الحديث عن التربية أمام هذه الآيات التي رأيتها .
أيها الاخوة : لا أريد أفصل عما جرى بيني وبين نفسي لكنني أختصر لأصل إلى نقطة أحببت أن أحدثكم عنها . لطالما تحدثنا عن تربية روحية ، وكلنا يريد أن يصل إلى معطيات تتعلق بهذا النوع من التربية الروحية وقفت وقلت : إن التربية الروحية أساس في سائر التربيات الأخرى ، فما هي التربية الروحية ؟ وكيف يمكن أن أحصدها إطاراً ؟ كيف يمكن أن أستخلصها هيكلاً من القرآن الكريم أو عناوين أو موضوعاً أو بحثاً من هذا القرآن العظيم من دستورنا من القرآن الكريم ؟
أيضاً خطر ببالي كيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعامل مع من يدعوهم إلى الإسلام بالقرآن الكريم ، تذكرت قصة ذلك الرجل الذي جاءه وهو مشرك ليحدث النبي عليه وآله الصلاة والسلام ويطلب منه الرجوع عن دينه إلى دين آبائه وحدث وحدث وتابع فقال له النبي عليه وآله الصلاة والسلام : أفرغت يا أبا الوليد ؟! قال نعم. قال عليه وآله الصلاة والسلام اسمع مني أعرض عليك . تُرى ما الذي عرضه النبي على هذا الرجل الذي يفكر ويتكلم قال له اسمع مني أعرض عليك : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم 0 تنزيل من الرحمن الرحيم 0 كتاب فصلت آياته قراناً عربياً لقوم يعلمون 0 بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) وما كاد رسول الله ينتهي إلا ووجد هذا الذي أمامه يقول له أناشدك الله يا محمد إلا كففت . لقد تأثر هذا الرجل وعاد ليقول كلمته المعروفة المشهورة : " والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو وما يعلى عليه " وتذكرت أيضاً هذه الكلمة وأنا أحضر لموضوع محاضرة التربية وانه ليعلو على كل مرجع ، من أجل أن يكون المرجع الأول لأبحاثنا الفكرية وفي أبحاثنا الاجتماعية وفي أبحاثنا الاقتصادية والسياسية ، ليكون المرجع الأول وأنا أضع خطين تحت هذه الكلمة حتى لا أُفهَم خطأ ، ولم أقل ليكون المرجع الأوحد لأن القرآن دستور ، والدستور حاكم والحاكمية تحكم بالإجمال ، ومواد الدستور قابلة للتفصيل وعلى أهل الفهم والذوق والاطلاع والعلم أن يفصلوا في كل الميادين التي ذكرتها معتمدين على القرآن الكريم على هذا الدستور على محكماته ومجملاته .
أيها الاخوة : وخرجت بشيء يتعلق بالتربية الروحية أحببت أن أضعه أمامكم تعريفاً للروح وطرقاً لتربية الروح ، تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) ، وهي وسيلتنا للاتصال بالله جلت قدرته وهي مهتدية إلى الله بذاتها وحقيقتها ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ، ومهمة العقيدة مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها ، أي أن تساعد الفطرة الروح في الاهتداء إلى الله الذي تصل إليه تلقائياً ، لكن العقيدة تضبطها فيما إذا ألمت بالروح ضائقة مادية فأزاحتها عن طريقها والإسلام يُعنَى عناية خاصة بالروح لأنها في نظره : مركز الكيان البشري . فأنت بالروح لا بالجسم إنسان ، لأنها في نظره مركز الكيان البشري ونقطة ارتكازه . إنها القاعدة التي يرتكز إليها الكيان كله ويترابط عن طريقها كيانك ، سرته الروح ، كما أن الحياة التي نعبر عنها بالروح الحياة المادية التي هي الروح في تنزيل من المعنيين أو في إسقاط من المعنيين كما أن الروح - أي الحياة - هي سرة كيانك المادي في تـنـزيلتها المعنوية هي سرة كيانك المعنوي ، إنها المهيمن الأكبر على حياة الناس . روحك تهيمن عليك ، وروحي تهيمن عليَّ ، وإذا كانت روحي أقوى من روحك هيمنت عليَّ وعليك ، وإذا كانت روحك أقوى من روحي هيمنت علي وعليك ، ولذلك يقال له تأثير روحي . إنها المهيمن الأكبر على حياة الناس والموجه إلى النور إنها تسعى إلى الصلة بالله جلت قدرته وطريقة الإسلام وارجوا أيها الاخوة في هذه الخطبة أن أكون محاضراً ضرورة لطلابنا لمثقفينا لأن أغلبنا يعمل في حقل التربية إن لم أقل إن كانا يعمل في نفس الحقل لأن الأب يعمل مربياً ولأن الأم تعمل مربياً ولأن رب العمل يعمل مربياً ولأن الموظف يعمل مربياً ولأن المدير في دائرته يعمل مربياً ولأن الضابط يعمل مربياً ولأن الأستاذ يعمل مربياً ولأن الرئيس يعمل مربياً وقس على ذلك كل شرائح المجتمع ، فكلنا تهمنا التربية لأننا رجالاتها ولأننا أحد أطرافها ولا أظن أننا نستغني في ساحة من ساحات حياتنا عن التربية ، أو أن التربية بعيدة عنا . 
طريقة الإسلام في تربية الروح التي هي نقطة ارتكاز الكيان البشري هي : أن تعقد صلة دائمة بينها وبين الله في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور الإسلام ، جاء من أجل أن يعقد صلة بين روحك وبين ربك في كل شؤونك وفي كل عمل وفي كل لحظة ، في كل شعور والإسلام يُؤمِن بطاقة الروح وقدرتها الفائقة على التحليل والانطلاق ، ومن أجل هذه الصلة ومن أجل أن تتحقق الصلة لأن الإسلام كما قلت لكم يسعى من أجل أن يعقد صلة بين الروح وبين الخالق في كل لحظة ، بين كل فكر في كل شعور وفي كل سكنة وفي كل حركة ومن أجل عقد هذه الصلة التي يحرص الإسلام عليها اتخذ الإسلام سبلاً و أرجو أن أكون واضحاً وان تكونوا على بينة من وضوحي ولا يمكنني أن استعرض كل السبل لكنني سأخصص الحديث في هذه الأيام وفي أيام رمضان عن التربية الروحية لأن من مهام رمضان كما نعلم أنه يربي الروح ، فما هي الروح التي نسعى إلى تربيتها ولقد ذكرت تعريفها من خلال آيات الله عز وجل الكتاب الذي أنزل في رمضان ، أعود فأكرر ومن أجل رسم ملامح الفكرة في أذهانكم : إن الإسلام يريد أن يعقد صلة بين الروح وبين خالقها في كل لحظة وفي كل فكرة وفي كل شعور وفي كل عمل ومن أجل تحقيق هذه الصلة اتخذ سبلاً : 
السبيل الأول : أثار الإسلام حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ليحس دائما بوجوده وقدرته . 
ثانياً : أثار حساسية القلب برقابة الله الدائمة فهو مع الإنسان أينما كان وهو مطلع على فؤاده عالم بكل أسراره 
ثالثاً : أثار في القلب التقوى والمراقبة لله 
رابعاً : أثار في القلب الحب والتطلع إلى رضاه 
خامساً : بعث في القلب الطمأنينة إلى الله في السراء والضراء وبعث في النفس تقبل القدر والتسليم بالقضاء 
هذه سبل أيها الاخوة من أجل أن تصل بها كمنهج إلى أن تنعقد الصلة بين روحك وبين ربك 
السبيل الأولى : أثار حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ليحس دائماً بوجوده وقدرته المطلقة ووجدتني وما ذكرت لكم قصة رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام مع هذا الذي جاءه فقرأ عليه المصطفى آيات من سورة فصلت إلا من أجل أن أقتدي بهذه الفعلة فأقول : والإسلام يسعى إلى حساسية القلب بإبداع الله أقول : ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ، اقرأ قوله تعالى : ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وانهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون . وعلامات وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) ، ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي منى الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون . ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) ، اقرأ معي : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ، ( كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر ) ، ( والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ) . 
اقرأ من أجل أن تستثار حساسية القلب لديك بإبداع صفحة هذا الكون أفلا يستحق المبدع هذا أن يكون كلامه مرجعنا في حياتنا وفي شؤوننا ، إنها تربيتنا الروحية وأكرر وأؤكد من أجل كل علماء التربية : إن تربيتنا الروحية هي التربية التي تهدف إلى ربط الروح بالله في كل فكرة ولحظة وشعور من خلال ربط الشعور ومن خلال مناهج خمسة وهو منهج أول وتتمة لهذه الحساسية بإبداع الله في صفحة الكون يتم التوجيه للحساسية بالقدرة القاهرة وأنت تسمع هذا من الذي سيقع في قلبك سيقع في قلبك أن هذا المبدع هو الخالق القاهر الذي بيده مقاليد السموات والأرض وهو الذي يدبر كل شيء وهو المرجع في كل شيء وهو من سنؤول إليه ويعلم كل شيء . هو قدرة مطلقة وأنت بحاجة إلى المطلق ولست بحاجة إلى النسبي ، حتى ولو كنت بحاجة إلى النسبي فذلك دليل ومن باب أولى على انك بحاجة إلى المطلق من احتاج إلى قليل المال أو إلى أدنى المال فلا شك أن ذلك يعني أنه بحاجة إلى مطلق المال . 
أيها الاخوة : وتتمة لهذه الحساسية كما قلنا تابعوا من أجل أن يؤكد لك أن المبدع قادر قاهر ارجع إليه وتمسك بحبله ألم تعلم وهذا خطاب للفطرة : ( ألم تعلموا أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) مَن وليك أيها الإنسان ؟ ( وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) ، ومن غير الله يقول كن فيكون إذا كان الله فهيا إليه لترتبط بروحك به لتعقد الصلة بين روحك وبينه ، لتكون عبداً محباً له . أتعيش حالة الفناء لله عز وجل فإذا أحببته كنت سمعه ولنفهم هذا : ( ولله ما في السموات وما في الأرض والى الله ترجع الأمور ) ، إلى من سترجع الأمور ؟ إلى الله . من الذي يحكم حكمه النهائي ؟ الله . أنت تريد وأنت تسعى وأنت تعمل ولكن قدراً مطلقاً هو الذي يحكم في النهاية فاعقد صلة مع المطلق مع الله ( وإلى الله ترجع الأمور ) ، ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) هذه حقيقة . ومن غير الله على كل شيء قدير ؟ من الذي يقدر على كل شيء ؟ ( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير ) . 
أيها الاخوة : اضطربت الروح لدينا فصرنا في الزمن المضطرب ، قلقت الروح لدينا ولم تعرف بمن تتصل فأضحينا في الزمن القلق انهزمت الروح فينا فأضحينا في الزمن المنهزم ، عاشت الروح لدينا لا تعرف إلا الضياع فأصبحنا في الزمن الضائع ، ترى الناس يمشون بما يفكرون هل هناك ناظم لتفكيرهم هل هناك هدف لتفكيرهم كل يمشي ولكن لا يعرف له هدفاً ، وانما يترك الأهداف تصنعها المادة أمامه سدوداً يضربه هذا السد برأسه ، وذاك بدماغه ، وآخر بيده ليخرج منه إنساناً مشلولاً ، شُلَّ هذا الإنسان وأضحى لا يعرف من أين أتى ولماذا أتى وما الذي سيفعل ؟ كل ذلك لأن تربيتنا الروحية لم نُقم لها اهتماماً ولم نعطها من وقتنا ما يعود عليها بالتحقق كل هذا لأننا ندَّعي أن الإنسان بروحه ، ولكن حكمنا على هذه الروح بالفناء أين توجهها وأين إشراقها وأين حقها ؟ أنت تأكل الطعام للجسم - هذا صحيح تتنزه من أجل جسمك - ولكن أين طعام روحك وأين رياضة روحك إذا قمت برياضة جسمية سيقول لك المدرب إن لم تقم وفق الأسس فسوف تؤدي عكس غرضها ، رياضتنا الروحية هي الصلاة ولكنها سامحوني إن قلت ربما كانت بخلاف الأسس الصحيحة وبالتالي لا تنتج الصحة الروحية المطلوبة لأن الله عز وجل أراد لروحنا أن تكون نقطة القيام البشري المرتكز الأساس النواة التي منها يتفتح الإنسان وهي في النتيجة النور الموجه أين تربيتنا الروحية وأين الهدف الذي وضعناه لتربيتنا الروحية في ثكناتنا لدى ضباطنا ولدى جيوشنا ؟ أين تربيتنا الروحية لدى طلابنا في المدارس ؟ أين تربيتنا الروحية في مدارسنا وفي شوارعنا ؟
أيها الاخوة : أريد أن لا ننسى أن روحنا لا تتطلع إلا إلى شيء واحد وهو التطلع إلى ربها لأن الله هو الذي نفخها مباشرة فينا ( ونفخت فيه من روحي ) وبالتالي لا يمكن إلا أن تنشد هذا الذي خلقت من أجله . 
هنالك طرق لتتحقق بهذه الصلة ذكرنا سبيلاً واحداً وسوف نتابع الحديث عن سبل أخرى نجني في النهاية حصاداً طيباً يعود على أرواحنا بالخير . 
اللهم انا نسألك لأرواحنا أن تكون دائمة الصلة بك بكل أحوالها وفي كل حالاتها وفي كل تصاريفها وفي كل ما يمكن أن تتحرك به ، نِعمَ من يسأل أنت ونعم النصير ، أنت أقول هذا القول واستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق