آخر تحديث: الأحد 25 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
أين من تربيتنا الروح 2

أين من تربيتنا الروح 2

تاريخ الإضافة: 2001/11/16 | عدد المشاهدات: 2095
 

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون : 
ها هو رمضان قد أقبل ، وما علينا إلا أن نقول إذ أقبل : اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام . ربي وربك الله . وما علينا إلا أن نقول أيضاً : الله سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا ، وتسلمه منا متقبلاً . وما علينا إلا أن نقول : اللهم اجعلنا من عتقائك من النار ، واجعلنا من عتقاء شهر رمضان , أدخلنا الجنة من باب الريان بسلام وما علينا إلا أن نقول : اللهم بحق الصيام والقيام ، بحق السحور والفطور ، وبحق القرآن الذي نزل في رمضان ردَّ المسلمين إلى دينك رداً جميلاً ، اللهم انصر المسلمين في كل بقاع الأرض يا رب العالمين . اللهم احفظ بلادنا وشبابنا بحق رمضان والقرآن والإنسان الكامل سيدنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام . 
أيها الإخوة : رمضان شهر الروح ، ولنتابع معكم ما بدأناه عن الروح ، وتربية الإسلام والقرآن للروح ، وقلنا : إننا بحاجة إلى روح وثابة قوية نشطة ، تتصل بالعلي القدير رب العزة الجليل . 
أيها الإخوة : أرواحنا همدت وخفتت وضعفت ، ولا أقول ماتت ولكنها اقتربت من حافة الموت لأنها وهنت ، أرواحنا تتطلب غذاءً ولا غذاء ، تتطلب لباساً ولا نلبسها ، أرواحنا بحاجة إلى تربية . 
الروح تلك الطاقة المجبولة التي لا نعرف كُنهها ولا طريقة عملها وهي وسيلتنا للاتصال بالله ، فإن لم تكن لك روح فأنت مع ربك مقطوع ، وهي مهتدية إلى الله بفطرتها : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) ، ومهمة العقيدة مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها ، أي أن تساعدها على الاهتداء إلى الله ، الاهتداء الكامن في كيانها ولو حجبتها الأمراض والأعراض . والإسلام يعنى عناية خاصة بالروح لأنها مركز الكيان البشري ونقطة ارتكازه ، إنها القاعدة التي يستند إليها الكيان كله ويترابط عن طريقها ، إنها المهيمن الأكبر على حياة الناس ، والموجِّه إلى النور ويكفي أنها صلة الإنسان بالله ، وطريقة الإسلام في تربية الروح هي أن يعقد صلةً دائمة بينها وبين الله في كل عمل وفكرة وشروع وفي كل لحظة . 
والإسلام يؤمن بقدرة الروح الفائقة على التحليق والانطلاق ، ومن أجل هذه الصلة المنشودة بين الروح وبين الله والتي هي غاية الروح ، يأتي القرآن ليثير حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون لتحس دائماً بوجوده وقدرته المطلقة . 
ولقد سلك الإسلام من أجل أن عقد الصلة بين الروح وبين الله سبلاً خمساً : 
السبيل الأولى : أنه يثير حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ليحس دائماً بوجوده وقدرته المطلقة . والسبيل الثانية : أنه يثير حساسية القلب برقابة الله الدائمة عليه ، فالله مع الإنسان أينما كان وهو مطلع عليه ويعلم أسراره . السبيل الثالثة : أنه يثير في القلب المراقبة لله . والسبيل الرابعة : أنه يثير في القلب حب الله والتطلع إلى رضاه . والسبيل الخامسة : أنه يثير فيه الطمأنينة إلى الله في السراء والضراء والتقبل لهدفه . والهدف من ذلك كله أننا بحاجة إلى روح ، وتربيتنا الروحية أضحت اليوم في طي الإهمال ، فالمادية قد سيطرت علينا . ونحن نقول بأن رمضان جاء من أجل تقوية روحك ، فهو شهر الروح ، وهو شهر السر والسر روح ، وهو شهر التقوى والتقوى روح " التقوى ههنا " كما قال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم . 
نريد أن نعيش انطلاقة في تربية روحية نحن بحاجة إليها ، فطلابنا وتجارنا وجنودنا ومسؤولونا بحاجة إلى روح . إن لم نلتقِ في ساحة الروح فساحة الأجسام جد ضيقة من أجل أن تكون محتضناً لنا . إن روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت عظيمة كبيرة عامة وفيرة فالتقت بالأرواح التي رباها في ساحة التحليق مع الله عز وجل فأفرزت قوة لن نجد لها مثيلاً أو نظيراً . 
تعلمون - أيها الإخوة - أنه بالجيوش بشكل عام هنالك توجيه يسمى التوجيه المعنوي ، أي من أجل تربية الروح ، لأن الإنسان بروحه : 
أقبل على النفس واستقبل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ 
ولكن للأسف أننا فقدنا آثار التوجيه المعنوي في كل ساحات حياتنا . فهل توجه ولدك معنوياً وروحياً ، أم أنك تكتفي بتربية مادية جسدية صرفة ؟! تقول : أُنفقُ على ولدي ، وهذا مأجور عليه ولكنه ليس الأمر كله ، وإنما أن تتوجه إلى الروح ، وها هو الإسلام يقوي فينا أرواحنا ومعنوياتنا ، فهو يثير حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ، وبرقابة الله الدائمة ، وهذه نتيجة من نتائج تربية الروح ، فنحن بحاجة إلى أن يستشعر كل منا أنه مراقب من قبل الله تعالى ، وبأن الله يراه حيثما كان ، وهذا لا يكون إلا بتربية الروح ودعمها . 
كم نشكو من مخالفات في السر لأننا فقدنا الإحساس بأن الله مطلع علينا ، أصبحنا لا يأمن أحدنا ظهره أمام أخيه لأن أخاه لا يراقب الله ولا يثير قلبه للتحسس بأن الله يعلم سره ونجواه ، فلا يأمن نفسه ولا يأمن على الأشياء إلا من خلال مراقبة مادية . اللعب على القانون قائم على قدمٍ وساق ، والتحايل على الشرع قائم على قدم وساق ، والحيل على كل شئ مقدس قائمة على قدم وساق : نختان ونغتال ونخون ، ذلك أن روحنا ضعيفة ولم نتربَّ التربية الروحية على أسس سليمة . 
أيها القلب : الإسلام جاء فأثار فيك حساسية رقابة الله وأنه مطلع عليك ويراك ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ) ، استشعر هذه الآيات كما استشعرها ذاك الذي سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمىً ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) ، ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار ) ، ( يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور ) ، ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) ، ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيف خبير ) ، إن الإسلام يريد من روحنا أن تكون موصولة بربها في كل فكرة وشعور وعمل وهو يسلك السبل لتحقيق ذلك ، يثير حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ، وبرقابة الله وأن الله مطلع عليك ويعلم ما توسوس به نفسك . وها هو رمضان جاءنا من أجل تربية روحية ، فما بالنا لا نلتفت إلى ذلك . 
ثالثاً : يثير القرآن في القلب التقوى ، ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم ) ، فهل تفكر بذلك بأن الله سينبئك بكل خلجاتك وسكناتك . فكر في القرآن وآياته ( قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون ) ، اقرأ أيضاً : ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) هل يقشعر جلدك من خشية الله ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) لن يقشعر جلدك إذا مررت على القرآن كسحابة صيف ، أو إذا مررت على القرآن وعقلك بعيد عنه وروحك لا تلامسه ، اقرأ القرآن وكأنه عليك أنزل ( وبشر المخبتين . الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) ( وإذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ) ، ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً ) . 
هل رآك ولدك تخر للأذقان تبكي خشية من الله عز وجل ؟! وهل رآك تلميذك وأنت مقشعر جلدك من خشية الله ؟! إذا مررت على القرآن وعقلك بعيد عنه وروحك لم تلامسه فأنت لست من المخبتين . روحنا غدت مسدودة محجوبة ، ولذلك نتعامل بالظواهر ، وإذا بكينا بكينا بالظواهر وتركنا الأمور على أعنتها . 
نحن نريد لأمتنا وشبابنا ومناسباتنا أن يلتفت الإنسان إلى ذاته وعمقه وحضارته ، لقد قيل : إن النص حضارة ، وأنت تمتلك حضارة لأن القرآن نص ، بل هو من أعظم النصوص ، لكنك لا تريد الحضارة ، وإنما تسعى من أجل مادية أو مدنية استهلاكية . أنت تريد سيارة ليس لك يد في صنعها ، وتريد طعاماً ليس لك يد في إخراجه ، وتريد لباساً ليس لك يد في نسجها ، وتريد سياسة ليس لك فيها جهد ، وإنما همك أن تشتم فلاناً وتعيب على فلان ، وأنت تريد اقتصاداً - بالرغم من كل حرصك وجشعك - من غير أن يكون لك فيه كرم وإنفاق وعطاء ، تريد اقتصاداً محسناً وأنت تتابع في خدمتك نفسك ليس إلا . نحن نريد ولكننا لا نحقق الذي نريد ذلك أنه خوت دواخلنا من أرواح هي مركز كياننا ، فكياننا لا يقوم على مركز أو منطلق ، وأرواحنا ضائعة ، والسبيل إلى ذلك هو القرآن ولكننا لا نريد قرآناً يتلى من دون أن يُنتبه إليه ولا نريد في رمضان قرآناً في التراويح يُنتبه إلى حسن الصوت فقط وقد قلت في السنة الماضية إنني أشعر بالأسى إذ يأتي رمضان ، لأن علاقتنا مع رمضان ليست هي المطلوبة ، وإنما العلاقة المطلوبة هي تربية الروح ، لكنني أراها مع رمضان علاقة كرنفالية احتفالية ليس إلا ، تقف عند حدود شكليات الإفطار وصلاة التراويح والذهاب إلى المسجد والصلاة الجوفاء ، ثم عودة إلى قهوة أو ثلة تتجاذب معهم أطراف الحديث الذي لا يفيد ولا يؤثر إلا في التراجع والتقهقر ، ثم في آخر يوم من رمضان تسمع من يتكلم فيقول : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " فتضع نفسك أول المغفور لهم . 
إن رمضان شهر الإنسان وشهر القرآن وشهر الحضارة . واسأل نفسك : من أنت في أول رمضان ، ومن أنت في آخر رمضان ؟ هل ازددت في رمضان أم لا ؟ 
أسأل الله أن يوفقنا لرمضان ، وأن يسلمنا لرمضان لنا ، وأن ينصر إخواننا المجاهدين الذين سعوا من أجل بلادهم فقدموا أنفسهم في فلسطين وفي سائر بلاد الدنيا . 
أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق