آخر تحديث: الخميس 18 يوليو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
أين من تربيتنا الروح 3

أين من تربيتنا الروح 3

تاريخ الإضافة: 2001/11/23 | عدد المشاهدات: 2204

أما بعد ، أيها الإخوة المسلمون : 
ها نحن في اليوم الثامن من شهر رمضان - أي في أواخر العشر الأوائل - وتعلمون أن رمضان قُسِّم أثلاثاً : فالقسم الأول منه رحمة ، والقسم الثاني منه مغفرة ، والقسم الثالث منه عتق من النار " شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار " ، والسؤال الذي أريد أن أطرحه ، أيها الإنسان ، أيها المسلم : هل أحسست بالرحمة في ثلث الرحمة ؟ هل شعرت بأن الرحمة فيك قد ازدادت درجاتها ؟ هل ازداد قلبك نبضاً بالرحمة ؟ إذا فكرت بالرحمة فأنت تحاول أن تتحقق بما أراده رمضان منك ، وإلا فلا زال في القوس منزِع ، ولا زال هناك أيام لنتدارك . 
والحديث عن الرحمة حديث عن أساس فيك ، وإنسان بلا رحمة يساوي لا إنسان ، بل أضحى أقرب إلى الافتراس ( الحيوانات ) ، وقد ورد في الحديث الذي يرويه الطبراني ويذكر فيه أن من أشراط الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الناس . 
أعود لموضوعنا الذي بدأناه من أسبوعين وهو تربيتنا الروحية ، لأن الذي يُعنى بالروح لا شك بأنه سيكون رحيماً ولطيفاً ومع الناس رقيقاً . تحدثنا عن الروح وتربيتها ، ولا بد من التكرار في البداية لنصل إلى ما وصلنا إليه . فالروح هي تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها وطريقة عملها ، وهي مهتدية إلى الله بفطرتها ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) ، ومهمة العقيدة مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها . والإسلام يُعنى بالروح لأنها في نظره مركز الكيان البشري ونقطة ارتكازه . 
وطريقة الإسلام في تربية الروح أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله في كل لحظة وعمل وفكرة ، ومن أجل هذه الصلة المنشودة بينك وبين ربك يثير حساسية القلب بإبداع الله في صفحة الكون ، ويثير حساسية القلب برقابة الله الدائمة ، ويثير في القلب الحب والتطلع الدائم إلى رضاه ، ويثير في القلب الطمأنينة إلى الله في السراء والضراء . 
والهدف صلة مع الله . هل أنت في صلة مع الله ؟ هل تعيش معنى الحديث الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " إذا عشت ذلك فروحك قد تربّت بروح الإسلام . 
نؤكد على صلة روحنا بربها حتى نعيش الصلة حالة مهيمنة فلا ننظر ولا يهمنا إلا الله . إن أصدرنا أحكاماً فمن أجل الله ، وإن أحببنا أو كرهنا فمن أجل الله ، وإن قاتلنا ففي سبيل الله . 
الروح نقطة الارتكاز ، فلتتصل بالله لتكون سائر الأعمال الشرعية ذات روح ، وهذه الروح تعني الإخلاص ، والإخلاص يعني القبول من الله . ونتابع عن طرق تربية الروح فنقول : 
يثير الإسلام في القلب حب الله والتطلع إلى رضاه ، يثر فينا تتابع الإحسان ، فإن أحس القلب بالإحسان فتش عن المحسن . 
الإسلام - أيها المسلم - يحرك فيكَ ضرورة الوصول إلى محالِّ الإحسان . هل فيك أشياء أُحسن إليك بها ؟ لا شك نعم . فوجودك إحسان ونعمة ، وتفكيرك إحسان ونعمة . وبعد ذلك تفتش عن المحسن ، وجبلت النفوس على حب من أحسن إليها . فما عليك - أيها الإنسان - إلا أن تتحسّس بقلبك هذا الإحسان المتجلي بالوجود أولاً ، وأخيراً بالعود إلى المحسن ليتمم إحسانه حيث العلاقة المباشرة بينك وبين الله ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً ) وما بينهما من إحسانات لا تعد ولا تحصى ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ) . 
اقرأ آيات القرآن الكريم وفتش عن المحسن ، والمحسن هو الله ، وجبلت القلوب على حب المحسن ، فأحبب الله ، وإذا لم تحب الله فأنت ناكر للإحسان ، اقرأ : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) . 
أيها الإخوة : أعجبتني كلمة سمعتها من مسلم أمريكي قال : " فُجعنا وفجع العالم كله حينما ضُرب برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك لما يمثلان من محور أو قوة اقتصادية في العالم كله ، وإنما كانت الفجيعة كبيرة لأنهما يمثلان قوة اقتصادية عالمية ، وأنا أرى أن المسلمين في غفلة عن أهمية البرج الروحي الذي هو الكعبة . والإنسان اقتصاد ، ولكنه روح قبل أن يكون اقتصاداً . قد يعيش من غير اقتصاد ولكنه لا يعيش من غير روح . واعذروني إن قلت لكم : ربما - لا سمح الله - لو أصاب الكعبة ما أصاب فلن يُفجعوا . لأنهم أهملوا الروح والمرتكز والصلة مع الله ، لم يدعوا الناس إلى الروح وتدارك النقصان الذي أصابها . 
حينما نتكلم عن تربية روحية فهي تربية إنسانية نحن بحاجة إليها . علِّم ولدك بالصغر وقل له : يا ولدي ! من أنعم عليك بالعينين والقلب واليدين والرجلين والأبوين ؟ واسمع منه الجواب ، والجواب منه فطرة ، والفطرة تقول : الله . قل له : إذا كان الله قد أنعم عليك فما موقفك مع من أنعم وأحسن ؟! إنه الحب ، فلتحبَّ الله يا بني لأنه المنعم ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما السموات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) ، ( فلينر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً ) ، من أنزل المطر ؟! ( أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) منذ أيام نزل المطر وفرحنا به ، ولكن أين شكرنا ؟! ما بالنا لا نلتفت إلى شكر الله ؟! بل على العكس ، ربما يقوم البعض ويتهمنا بالرجعية إن رآنا نتداعى إلى شكر الله ، لأن مجرد ذكر الله وشكر الله يعني أنك عدت إلى الدين ، والدين رجعية في نظرهم وهم لا يريدونها . 
أيها الإخوة : صلاة الاستسقاء ليست رجعية ، لأننا نطلب المطر من رب المطر ، وهذا ليس خاصاً بالمسلمين بل هو لكل العباد ( أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) ، ( أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ) علينا أن نحرك القلب في طريق التحسس لإحسان الله ، فإذا ما رأينا الإحسان فتشنا عن المحسن وتوجهت قلوبنا للمحسن بالحب ، ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) من منا لا يحب من يقترب منه إذا كان مسؤولاً ( فإني قريب ) وإذا كان الله قريباً منك فهذا قمة الإحسان . أنت تشعر بالإحسان إذا اقترب منك رئيس الجمهورية أو الوزير المختص أو الضابط المسؤول . هل الله أكبر أم فلان وفلان ؟! إنها نعمة كبرى ( فإني قريب ) . هل تحس بقرب الله وذلك إحسان . أفلا تكفي هذه الإحسانات المتوالية لتحرك قلبك بالحب نحو ربك وبالتطلع إلى رضاه ؟! ومن أجل أن نطلب رضاه أفلا يكفي هذا ؟! 
لقد وضعنا الروح في دائرة ضيقة وأبعدناها عن ساحة المجتمع ، ولم نبق للأشياء صفة الروحية إلا كما قال بعض الناقدين الساخرين إلا للمشروبات التي تفتك بالروح والإنسان ، أسميناها مشروبات روحية ، وما أدري من أين أتينا بهذه الصفة للمشروبات ، وإذا كان ذلك من باب الأضداد فهي تسمية صحيحة لأنها تقتل الروح وتبيدها . 
أيها المسلمون : في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار فلنؤكد على أنفسنا تربيتنا الروحية ، ولنكن في آخر رمضان حققنا درجات طيبة فيما يخص التربية الروحية ، وقد وصلنا إلى حالة جيدة فيما يخص تربيتنا الروحية . 
وأخيراً : أريدك يا أخي من أجل تدعيم هذا أن تعقد صلة وجلسة خاصة بينك وبين ربك من غير الصلاة ومن غير الصيام ، أن تكون لك جلسة بينك وبين ربك ، كلم ربك بما شئت ، وأظهر له التذلل ، وابكِ ولتدمع عيناك وقل لربك : يا رب ! لئن لجأ غيري إلى غيرك فأنا الذي لا ألجأ إلا إليك ، ولئن اعتمد غيري على غيرك فأنا الذي لا أعتمد إلا عليك ، ولئن لاذ غيري بغيرك فأنا الذي لا ألوذ إلا بك . يا رب وجه قلبي إليك ، واجعل اعتمادي عليك . أنت ربي ، وأنت مقصودي ورضاك مطلوبي . يا رب ! إن لم ترحم فمن يرحم ؟! وإن لم تغفر فمن يغفر ؟! وإن لم تجبر فمن يجبر ؟! 
أسأل الله أن يوفقنا في النهاية لنكون مع الله مستجيبين كما أراد ، اللهم اجعلنا كذلك ، وانصرنا على أعداء الروح إسرائيل ومن لف لفها ، ومن أراد لروحنا الفساد والخراب . 
نِعم من يُسأل ربنا ونعم النصير إلهنا . 
أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق