آخر تحديث: الثلاثاء 03 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
وجوب التعرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وجوب التعرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

تاريخ الإضافة: 2004/02/06 | عدد المشاهدات: 2555

أما بعد : أيها الأخوة المؤمنون :

سمعنا أو نسمع بأن جُلَّ حجاج بيت الله يتوجهون إلى المدينة لزيارة سيد الخلق وحبيب الحق وأكرم الناس على الله عز وجل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، نقول لهؤلاء : سَلِّموا لنا على الحبيب الأعظم ، ولسان حالنا - يا أيها الزائرون - يقول :

يا راحلين إلى المختار من حلب          سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً
لقد أقمنا على عذر ألمَّ بنا            ومن أقام على عذر كمن راحا

أيها الإخوة الزائرون ، أيها المصلون على سيدنا رسول الله : ما الواجب علينا نحو هذا النبي الكريم ؟ الواجب الأهم بكل وضوح وبساطة أن نتعرف عليه ، أن نعرفه . أنادي الشباب ، أنادي النساء ، أنادي الرجال ، أنادي القادة ، أنادي كل أطياف المجتمع أقول لهم : واجب عليكم أن تتعرفوا على رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، هذا الواجب شرعي وإنساني وثقافي واجتماعي وسياسي ، وما أظن أن ساحًة من ساحات المجتمع أو أن خلية من خلايا المجتمع لا تنطق بهذا الوجوب ولا تقول بِذَيَّاك الفرض ، ولئن سألتني أيها الشاب لماذا أتعرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أقول : لأنك أولاً مطالب بالإيمان به ﴿ آمنوا بالله ورسوله النساء : 136 هكذا قال ربي عز وجل ، وكيف تؤمن بمن لا تعرف ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله البقرة : 285 أركان الإيمان كما جاء في الصحيحين : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " ، ﴿ فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير التغابن : 8 لأنك مطالب بالإيمان به .
وثانياً : لأنك مطالب باتباعه
﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم آل عمران : 31 اتبع رسول الله وكيف تتبع من لا تعرف إذا كنت لا تعرف .
ثالثاً : واجب عليك التعرف لأنك مطالب بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيف تحب من لا تعرف
﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره التوبة : 24 وقد جاء في الصحيحين فيما اتفق عليه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين " .
رابعاً : واجب عليك التعرف لأن الإنسان بحاجة إلى أسوة ، بحاجة إلى قدوة ، ومن أعظم من النبي عليه وآله الصلاة والسلام في البشرية من أجل أن تتخذه أسوة وقدوة ؟ مَنْ يا قراء العالم ، يا مثقفي العالم ، يا أيها الواعون ، يا أيها العقلاء ؟ إنا لصادقون في طلبنا إن كان ثَمَّة رجل يفوق أو يقارب أو يماثل هذه الشخصية التي نطرحها أسوة وقدوة للإنسانية فقدموها لنا ، هل هنالك شخصية تماثل النبي عليه وآله الصلاة والسلام ليس من منطلق إيماني فحسب ، وإنما من منطلق إنساني ، وإنما من منطلق بحثي ، نريد البحث عن شخصية مماثلة ، أنت مطالب إنسانياً في أن يكون لك أسوة فمن هذه الأسوة ، قل لي بربك أيها الحاكم ، قل لي بربك أيها المثقف ، قل لي بربك أيها الطالب ، قل لي بربك أيها التاجر ، قل لي بربك أيها الإنسان أينما كنت لِمَ عدلت عن النبي أسوة ؟ هل رأيت هنالك أسوة أفضل من النبي ؟ نبئنا عن هذا ، أخبرنا عنه ، حدثنا عنه ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجب أن نتعرف عليه لأنه يشبعنا بحاجة نعيشها ، هذه الحاجة تقول يجب أن يكون لك أسوة ، يجب أن يكون هنالك أسوة لك ، قال ربي ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) الأحزاب : 21 هل ثمة أسوة أقوى من هذا النبي ، قدموه ، عندما نقدم النبي عليه وآله الصلاة والسلام أسوة فمن أجل نفعنا ، من أجل عقولنا ، من أجل إنسانيتنا ، من أجل وجودنا ، فلا والله ما عبر عقل عن قوته إذ يتخذ غير رسول الله أسوة ، ولا عبر قلب عن نبضاته الصادقة إذا احتذى بغير رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، وإذا اقتدى بغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
خامساً : واجب التعرف عليه لأن الإنسان بحاجة إلى أن يُروي دافع الفضول ( التعرف على الأشخاص ) ففي داخلك دافع ، وبعضهم يسميه غريزة ، هذه الغريزة تسمى غريزة ( دافع ) التعرف على الأشخاص ، وإلا لم كانت أسماء الإشارة ، ولم كانت الأسماء الموصولة . أنت بحاجة إلى أن تقول مَنْ هذا ، و مَنْ ذاك ، ومن الذي ومن التي ، ومن ذا ومن ذِهِ ، ومن هاته ومن تِهِ ، أنت بحاجة إلى أن تقول هذا ، في داخلك غريزة ، ألا ترى أنك تبحث دائماً عن معلومات تتعلق حتى بشخص لا يهمك ، أولست إذا قرأت سطراً يحكي صفات لشخص ما تقول صفات من هذه ؟ عمن يتكلمون ؟ تريد أن تبحث ، هناك فضول فيك مفاده البحث عن سِيَرِ الأشخاص . إذا كان الأمر كذلك فهل ثمة شخصية أولى بالتعرف عليها لإرواء هذا الفضول من سيدنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام ؟ إذا كنت تقرأ كتاب العظماء ، وكتاب الأعلام ، وإذا كنت تبحث في برنامج تلفزيوني عن شخصيات يعرفك المُقَدِّم بها فأولى بك أن تتعرف على شخصيةٍ ملأت الكون ، لها ذكر عظيم في الدنيا ، ولها شأن كبير في الآخرة ، وهي التي أنتجت هذه الأمة المعتمد عليها في مستقبل منشود ، هذه الأمة التي هي الأمة المختارة ، الأمة المرجع ، ليس على وضعها الراهن لكن على وضعها المنشود المتطلب منها ، من أولى بهذا النبي من أن تتعرف عليه لتروي دافعك الذي يسمى دافع التعرف على الأشخاص ؟ اقرأ من أجل التعرف عليه لتروي هذا الدافع ، اقرأ ما قاله من عاشَرَه صلى الله عليه وآله وسلم ، اقرأ ما قاله عنه من لازمه وعرفه حتى تزداد به تعلقاً وارتباطاً ، وازديادُ التعلق به وازدياد الارتباط به رفعة لك ، عز لك ، مكانة سامية لك ، إذا نُسِبت إليه فأنت سامٍ ، إذا نُسِبتَ إليه فأنت راقٍ ، إذا نسبت إليه فأنت واعٍ ، ويزداد الوعي بقدر تحقق النسبة وبقدر ازدياد هذه النسبة .
أيها الأخ الإنسان ، أيها الأخ المسلم : رأى سيدنا علي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان دائم الرؤية له لكنه نظر إليه في لحظة ثم التفت إلى الناس فقال سيدنا علي واصفاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " كان أجود الناس صدراً ، وأصدقهم لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه ، لم أر قبله ولا بعده مثله " ونحن نشهد على مقولة سيدنا الإمام علي ، وهل هنالك أقوى من شهادة الإمام علي ، نحن نشهد على شهادتك يا إمامنا ، يا أمير المؤمنين ، نقول لم نر قبله ولا بعده مثله ، كونوا على يقين في هذا ، لن تروا قبل النبي ولا بعد النبي مثل محمد عليه وآله الصلاة والسلام ، لم أر قبله ولا بعده مثله . حتى الأنبياء فاقهم ، ولا نقول هذا من باب التعالي وحاشا ، وإنما من باب الوصف وإعطاء الشخص حقه ، يقول عليه وآله الصلاة والسلام كما روى أحمد ومسلم : " فُضِّلت على الأنبياء بِسِتٍّّ : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون " حتى الأنبياء فاقهم عليه وآله الصلاة والسلام . وهنالك كلمة سمعتها ولا أدري قائلها ، منذ فترات طويلة في مقتبل العمر ، سمعت مقولة من واعظ لم أعد أذكر اسمه قال وهو يخاطب الأمة : لقد فاق نبيكم الأنبياء فهل أنتم تعملون لتفوقوا أمم الأنبياء ، إني أراكم وقد تخلفتم عن الأمم الأخرى وتركتم نبيكم وحيداً في ساح التفوق ، لأن نبيكم يقول : " فضلت على الأنبياء بست " لكن أمته اليوم تشكو من مفضولية لا تُحسَد عليها ، من مفضولية لا تُغبَط عليها ، من مفضولية تشكو إلى الله ضعفها . إذا كان نبينا أفضل النبيين فعلى أمته أن تسعى من أجل أن تكون أفضل الأمم ، ولقد كان النبي أفضل النبيين من خلال ماذكرنا : " أعطيت جوامع الكلم " فعلى أمته أن تكون صاحبة كلام نافع ، صاحبة كلام مُجْدٍ ، على أمته أن تكون صاحبة كلام يقدم للإنسانية خيراً ، وعلى أمته أن تنصر بالرعب ، وعلى أمته أن تجعل الأرض لها مسجداً وطهوراً ، وعلى أمته أن تكون عالمية في رسالتها " وأرسلت إلى الخلق كافة " وعلى أمته أن تختم بها الأمم ، بمعنى أن تكون أمة الإسلام هي الأمة المرجع ، عندها تقف حدود التفكير والصناعة والتقدم لأنها في القمة " ختم بي النبيون " ونريد لأمة الإسلام أن تختم بها الأمة ، أي أن تكون المرجع يختم بها الأمم ، لكننا لا مرجعية لنا فيما بيننا ، ولسنا أهلاً لأن نكون مرجعاً للأمم ، ولا لبعضنا ، فأين إذاً اقتداؤنا برسول الله ، وأين محبتنا وتعرفنا واتباعنا وتأسينا برسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، أين كل ذلك .
أيها الزائرون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا عليه هناك ، وأكثروا من الصلاة عليه ، ولا أريد أن نعيش الصلاة عليه حركة لسانية فقط ، وإنما أريد أن تكون الصلاة عليه محركة ألسنتنا ، ومحركة عقولنا ، ومحركة تفكيرنا ، ومحركة كلنا من أجل وعي الرسالة التي حملناها ، ومن أجل حمل الأمانة التي ألقيت على كواهلنا وعواتقنا ، فهل نعي في النهاية زياراتنا لرسول الله عليه وآله الصلاة والسلام وهل نفكر نحن الذين نتمنى زيارته في هدف هذه الزيارة وغايتها هل نفكر ؟ أم أن القضية تَحَرُّكٌ لجسم ، لكتلة مادية ، أم أن القضية مادية بحتة نتحرك بأجسامنا ، ونُخَلِّف عقولنا في وِهاد التخلف ، نخلف تفكيرنا في وديان التزمت والعنف والبعد عن التقدم والتطور والتحسن ؟! آمل أن نزور حين نزور ، أن نزور بعقولنا وبأجسادنا ، بجوارحنا وبتفكيرنا ، بهممنا ، بغاياتنا ، بتطلعاتنا ، بآمالنا ، بآلامنا ، وإلا فالزيارة كالصلاة ، كم من مُصَلٍّ ليس له من صلاته إلا التعب ، وكم من زائر ليس له من زيارته إلا صرف المال ، وكم من زائر ليس له من زيارته إلا مثول كتلة جسمه ، وهذا لا يكفي على الإطلاق ، لا يكفي من رجل شهد بأنه لا إله إلا الله ، ومن رجل آمن بالقرآن ، بهذا الكتاب العظيم ، وآمن بهذا النبي الكريم ، وآمن بالرب المقتدر الفعال لما يريد .
على كل حال ، أيها الزائرون : سلموا لنا على الحبيب الأعظم ، وأخبروه ، وحدثوه عن ضعفنا ، وقولوا : اللهم بحق نبينا وآل بيت نبينا رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً يا رب العالمين ، قولوا أمام حضرة النبي عليه وآله الصلاة والسلام
﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً النساء : 64 استغفروا ربكم هناك ، وادعوا ربكم أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً ، وأن يجمع كلماتنا في كلمة واحدة ، وأن يجمع صفوفنا لنكون صفاً واحداً ، وأن نكون في هذا البلد بالذات أمة متماسكة ، أمة موحدة ، يرعى كبيرها صغيرها ، ويحترم صغيرها كبيرها ، ويعيش الجميع في ظلال دين الله القويم من حاكم ومحكوم ، من أي شخصية من شخصيات هذا الوطن ، فالكل عباد لله ، وعليهم أن يتوجهوا إلى الله جلت قدرته .
اسمحوا لي بالنهاية أن أتوجه بالشكر لقيادة بلدنا على إطلاق سراح بعض المعتقلين ، ولعلنا طالبنا كثيراً في أن تطلق قيادتنا الواعية سراح المعتقلين فأطلقت سراح بعضهم ، الأمل يتجدد في أن يُطلَق سراح الباقين ، وأن نعيش معاً نبتغي وجه ربنا ، كما قلت يرعى الكبير الصغير ، ويحترم الصغير الكبير ، ويجل الناس علماءهم ليس فقط في ميدان الشريعة ، بل في كل الميادين . الأمل في أن نكون لُحمَةً واحدة ، وأن يكون شعارنا ، وإن كانت كلمة الشعار أضحت كلمة غير محبوبة ، لكن آمل أن يكون شعارنا ما أردده دائماً : وطن نظيف يستظل بظل دين حنيف ، وورب الكعبة ، أيها القادة ، أيتها الشعوب : إن الإسلام لخير ، وإن القرآن لخير ، وإن نبينا لخير ، وجربوا هذا الإسلام بصدق وتوثيق وجدية فستجدون أنفسكم بخير ما دمتم متمسكين بهذا الإسلام ، اللهم ثبتنا وثبت حكامنا وشعوبنا على هذا الدين ، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق