آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
العمل ... أركان وصفات

العمل ... أركان وصفات

تاريخ الإضافة: 2004/07/02 | عدد المشاهدات: 2251

أما بعد ، أيها الأخوة المؤمنون :
كلنا إذا ما سئل عما يحب وعما يريد أن يدعو إليه الناس سيقول العمل ، ولعلكم حينما تسمعون مسؤولاً كبيراً أو موجهاً في مكان ما محدد أو معلماً في مصنع تسمعون الجميع يقولون ويدعون مَنْ يتوجهون إليهم بالكلام إلى العمل ، فيقولون علينا أن نعمل ، ولا يقتصر هذا الأمر لا على مسلمين ولا على مسيحيين ولا على ملحدين ، فكل الناس على اختلاف أطياف دياناتهم ومبادئهم وتوجهاتهم يريدون العمل ، هكذا يَدَّعون ، لكننا إذ نحكي هذا نريد أن نتعرف على العمل ، على طبيعته ، على مكوناته ، على المقصود منه ، على معناه ، ماذا يعني العمل ؟ ما المراد بالعمل بشكل عام ؟ ثم بعد ذلك ما العمل الذي ذكرته الآيات القرآنية الكثيرة عندما ربطته بالإيمان ودعت إليه
﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً الكهف : 107 ﴿ والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر العصر : 1- 3 العمل له ثلاثة أركان .
الركن الأول النية : أو الباعث ، والنية في إسلامنا يجب أن تكون لله عز وجل
﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً الإنسان : 9 ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى . إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . ولسوف يرضى الليل : 10-21 فالنية هي الركن الأول للعمل ويسميه الفلاسفة أو علماء الفلسفة بالعمل الإرادي ، وإسلامنا يقول : يجب أن تصطبغ هذه النية بالتوجه إلى الله عز وجل كما ذكرنا ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين البينة : 5 أن تتوجه وأن يكون الباعث هو الله ، النية هي الركن الأول للعمل .
أما الركن الثاني فحركة منتظمة : لأن العمل الإرادي يعني حركة منتظمة تصدر عن جوارحك ، ومن أجل أن يكون العمل مسلماً ويرضى عنه الإسلام يجب أن تكون هذه الحركة المنتظمة قد اتخذت لبوساً ، أمراً إلهياً فعلاً ، يجب أن تتجلبب بجلباب الشريعة يجب أن تكون هذه الحركة التي تصدر عنك والتي تشكل الركن الثاني للعمل ، يجب أن تكون مضبوطة بشرع الله عز وجل ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث عندما وجد غلاماً يأكل ووجد يده تجوب في الإناء قال : " يا غلام سَمِّ الله " أكلك عمل ، أكلك حركة ، حركة تناولك للطعام لتكن مضبوطة بضوابط الشرع " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " والله عز وجل قال :
﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً لقمان : 18 وليكن مشيك منضبطاً بضوابط الشرع ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك ان أنكر الأصوات لصوت الحمير لقمان : 18-19 لتكن حركتك التي هي الركن الثاني من أركان العمل والتي هي المقوم الثاني من مقومات العمل حتى يكون عملك مرضياً من حيث دينك وإسلامك ومن حيث ربك ومن حيث شريعتك يجب أن تنضبط هذه الحركة بضوابط الإسلام ، بعدئذ تكون الحركة منتظمة ، فانتظام الحركة يعبر عن إنسانيتها وانضباطها ، وضبطها بالشريعة الإسلامية يعبر عن أسلمتها ويعبر عن إسلامها ﴿ واغضض من صوتك ، ﴿ واقصد في مشيك وهكذا فالركن الثاني للعمل بعد النية الحركة المنتظمة المضبوطة بأوامر الشرع وبأحكام الشرع وبقواعده . لا فرق في العمل بين صغير حركة منتظمة تصدر عنك وبين كبير حركة تصدر عنك ، لا فرق على كل الحركات المنتظمة التي تعبر عن إنسانيتك بانتظامها على اختلاف أحجامها ، وإياك أن تحقر من الأفعال شيئاً فتخرجه عن ساحة الضبط وعن قانون الضبط ، لا تَسْتَهِن بفعلة صغيرة فتقول هذه فعلة صغيرة لا أريد أن أجعلها تحت قانون الضبط أو تحت قانون التقيد بشريعة الإسلام ، لأن الاسلام يحكم كل حركاتك كبرت أو صغرت ، عظمت أو حقرت ، لأن الاسلام يريدك بكلك ، بكل ما يصدر عنك ، يريدك في حركاتك المنتظمة مهما كانت صغيرة أو كبيرة أن تكون منضبطة بشريعه الله عز وجل . البسمة يجب أن تكون منضبطة ، والخطوة ، واللقمة ، وكل ما يمكن أن يعبر في انطلاقه منك عن إنسانيتك مهما كان " لا تحقرن من المعروف شيئا " فيما يخص الافعال أو الحركات الايجابية المنتظمة و المنضبطة " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق أو بوجه طليق " وفيما يخص الحركات المنتظمة غير المنضبطة " إياكم ومحقرات الذنوب " لا تحقرن أيضاً من الذنوب شيئاً فتفعله .
أما الركن الثالث للعمل فالغاية :
﴿ وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون الذاريات : 56 والغاية جودة في النية وفي الحركة ، إذا كانت نيتك خالصة بالمائة مائة وكانت حركتك المنتظمة مضبوطة ضبطاً شرعياً إسلامياً فأنت عبد بالمائة مائة ، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالص النية في كل ما يصدر عنه من حركة وكانت نيته خالصة بالمائة مائة وكانت حركاته كلها المنتظمة المعبرة عن إنسانيته مضبوطة بالمائة مائة بشرع الله عز وجل قال الله له ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده الإسراء : 1 تحقق بالغاية وهي العبودية لله عز وجل وقال : ﴿ الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً الكهف : 1 إن العمل في الإسلام نية لله ، حركة منتظمة مضبوطة بشرع الله ، غايةٌ هي جودة وتحسين . النية لتكون خالصة قدر ما نستطيع ، وتحسين للحركة لتكون منضبطة قدر ما نستطيع ، عند ذلك نتحقق بالعبودية ، فمن كان جيداً وجاداً في نيته وفي حركته في نيته إذ كانت خالصة لله وفي حركته إذ كانت منضبطة بشرع الله فهو عبد والعبودية هي في النهاية من حيث النتيجة ومن حيث الأثر ( أنا عبد ) فمن الذي تَحَقق نتيجة لهذا ؟ ما الذي تحقق حين نقول إن رسول الله عبد ؟ الذي تحقق هو الاطمئنان ، فالعبودية في أصل معناها اللغوي الاطمئنان والاستقرار . غاية وجودة ، ولكن هذه الجودة تنتج اطمئناناً ، هذا الاطمئنان يعيدك للنية ، لعمل آخر تؤسسه وفق نفس النظام الذي أسست عليه عملك السابق ، ولذلك قال ربنا عز وجل ﴿ فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب الشرح : 7-8 ها أنت قد قمت بعمل نسمي هذا العمل مسلماً ، الثمرة اطمئنان ، العبودية لله اطمئنان ، هذا الاطمئنان يعزز عندك العود الأحمد من أجل أن تقوم بعمل آخر يشابه العمل السابق من حيث نيته لله ومن حيث حركته المضبوطة بشرع الله ، ومن حيث تحسين هذه النية ، ومن حيث تحسين هذه الحركة ، تحسين هذه النية لتكون لله خالصة بأكبر نسبة ممكنة ، ومن أجل تحسين الحركة لتكون منضبطة بشرع الله ما استطعنا ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم هذا العمل هو المطلوب في ديننا ، فإذا لم تكن النية لله أو إذا لم تكن الحركة منضبطة بشرع الله هذا العمل لا يسجل قبولاً في صفحة الثواب هناك عند الله عز وجل ، ولذلك قال الله عزوجل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً الفرقان : 23 لماذا ؟ أعطينا أجره هنا في الدنيا وأما في الآخرة فلا يقبل الله إلا ما كان مسلماً ﴿ إن الدين عند الله الاسلام آل عمران : 19 فالله لا يقبل إلا ما كان مسلماً ، وهناك في صفحة القبول والجزاء ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً الفرقان : 23 هكذا يجب أن نفهم العمل حينما ندعو إلى العمل ، وها نحن نخاطب دعاة العمل الآخرين الذين لا يتقيدون بنظام العمل المسلم نقول لهم : نشترك وإياكم في ضرورة النية فنيتكم لمن ؟ نحن نقدم متعلقاً للنية ، نحن نقول الله نيتنا ، فلماذا لا تجعلون نيتكم لله ، وما البديل عن الله حتى يكون متعلقاً بنيتكم ؟ لمن تتجهون ؟ إن لم يكن لله فلمن إذاً ؟ نحن نناقش الآخرين ونقول لهم : فما بالكم إذا كانت النية عندما تكون لله سيعود هذا على الحركة بزيادة انتظام وبزيادة فاعلية ، المهم أن نسأل الاخرين ما متعلق نيتكم ، وفيما يخص الحركة المنتظمة ما القواعد المتبعة التي تضبطون بها حركتكم المنتظمة ، ما القواعد ، ما الشريعة ؟ نحن نقدم شريعة ، ومثالنا في ذلك مثال إنسان يتكلم لغةً عربية لكنه لا يراعي نحواً ولا صرفاً نأتيه فنقول له : تتكلم اللغة وتريد حين تتكلم أن تُفهِمَ من أمامك مرادك ، نحن نزيد على هذا ونقول لك اضبط هذا الكلام ، أنت تتكلم ولا يؤثر الضبط على كلامك بل في العكس يفعله أكثر ، اضبط كلامك ، اضبط ألفاظك بقواعد اللغة العربية ، وهل يؤثر عليك شيئاً ، لن يؤثر عليك شيئاً ، ولن ترفض إلا وأنت معاند ، ولذلك الله عز وجل قال عن أولئك الذين يعملون ولكنهم لا يتجهون بنياتهم لله عز وجل ولا يضبطون حركاتهم ، وما يضرهم هذا لو أن نيتهم كانت لله ، ولو أن حركاتهم ضبطت بشرع الله ، ما ضرهم ذلك بل بالعكس نفعهم هذا ، فالله عز وجل يقول : ﴿ إن يتبعون إلا أهواءهم هؤلاء أتباع هوى وليس هناك من منطق ولا من مبدأ ، وإلا فليأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين ولا برهان لهم .
ايها الأخوة في هذا الوطن الغالي : عندما نتنادى إلى العمل وهذا أمر رائع ، ينبغي أن يقوم في أذهاننا أن العمل الذي نتنادى إليه وهذا ما نخاطب به المسؤولين وغير المسؤولين وهذا ما ننادي به الجيش والضباط والطلاب والأطباء والمهندسين والمعلمين : على الجميع حينما يتنادون إلى العمل وليس ثمة أحد لا يدعو إلى العمل : علينا جميعاً أن نتنادى إلى العمل وفق معطيات وصفات العمل في الإسلام : النية لله والحركة المنتظمة المضبوطة بشرع الله ، والعبودية . جودة في النية وجودة في الحركة وفي الضبط ، ويأتي بعد ذلك الاطمئنان والاستقرار ليكون نتيجة معززة لمعاودة العمل من جديد .
فاللهم إنا نعوذ بك من الهم والحَزَن ، ونعوذ بك من العجز والكسل ، ونعوذ بك من الجبن والبخل ، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال . إلى العمل يا أبناء وطني ، إلى العمل بأركانه وصفاته ، إلى العمل بضبطه القرآني ، هذا القرآن من أجل أن يضبط حركتنا ، هذا القرآن من أجل أن يجعل نيتنا خالصة ، هذا القرآن من أجل أن يحكم علينا بالعبادة ، وبالتالي سيسكب في داخلنا اطمئناناً واستقراراً وراحة ، ومن الذي لا يرغب في الاطمئنان والاستقرار والراحة ؟ انظروا سيدَ العباد وسيد البشر كيف كان مطمئن القلب ثابت الجنان ، يقول للسيدة عائشة رضي الله عنها : " أفلا أحب " وقد تورمت قدماه ، قام الليل يصلي : " أفلا أحب - يا عائشة - أن أكون عبداً شكوراً " ربِّ طمأنني فلأشكر ربي على هذا الذي وصلت إليه نتيجة عملي ، لأن الموفق هو الله . فاللهم إنا نسألك عملاً متقبلاً عندك في الآخرة وفي الدنيا يا رب العالمين ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق