آخر تحديث: الأربعاء 14 إبريل 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
رمضان بين الماضي والحاضر والمستقبل

رمضان بين الماضي والحاضر والمستقبل

تاريخ الإضافة: 2006/09/22 | عدد المشاهدات: 7728

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رمضان آتٍ على الأبواب، ربما يكون يوم الغد هو اليوم الأول من رمضان وربما يكون اليوم التالي ليوم الغد هو الأول من رمضان، لذلك ها نحن أولاء نرحب بهذا الشهر الكريم الفضيل العظيم، مرحباً بك يا رمضان، مرحباً بك يا شهر الصيام، مرحباً بك يا شهر القيام، مرحباً بك، والترحيب صادر من قلوبٍ مسلمةٍ مؤمنةٍ آمنت بالذي فرض فيك الصيام، وآمنت بالقرآن الذي أنزل فيك، وآمنت بهذا النبي الكريم الذي أنزل عليه القرآن، وآمنت بالإسلام كله ذلك الدين الحنيف الذي سيبقى على الرغم من كل ما يتعرض له الدين الأنسب للإنسان حيثما كان الإنسان، لأن ربنا قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ فيا رمضان اسمح لي أن أتحدث عنك من خلال الأزمنة.

ماضيك يا رمضان مجيد، وحاضرك يا رمضان رشيد، ومستقبل أولئك الذين يصومون أيامك ويقومون لياليك سعيد، أما الماضي المجيد يا رمضان فهل هنالك مجد أعظم من أن القرآن أنزل فيك، هل هنالك مجدٌ أعظم من أن كتاب الله عز وجل أنزل في أيامك، في لياليك، في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهل هنالك مجد أعظم من أن غزوة بدر ومن أن يوم الفرقان كانت قد وقعت فيك، وهل هنالك مجدٌ أعظم من أن يكون الفتح قد حدث فيك، الفتح الأكبر الذي وقف في نهاية مطافه سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمام الأصنام يزيحها بعود في يده وهو يقول: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً﴾، لا أريد أن أعدد أمجادك يا رمضان، فأمجادك وأيم الحق كثيرة، وأمجادك وأيم الله عظيمة، لكنني اقتصرت على القرآن والفرقان أعني بدراً وعلى الفتح فما ثمة مجدٍ للمسلمين أعظم من هذا المجد الذي تحدثت عن بعض مفرداته فلله در ماضيك يا رمضان.

أما حاضرك فقد وصفته بالرشيد لأن فيك الصيام، وهل يجافي الرشد من يصوم ؟ لا سيما وأن الصيام امتناع عن الطعام والشراب والمعاشرة وعن الآثام والخطايا والذنوب، فـ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم.

هل ثمة رشدٍ أعظم من أن يصوم الإنسان عن المفطرات الحسية والمعنوية، الحاضر رشيد لأن فيك صياماً، الحاضر رشيد لأن فيك قياماً، لأن الصائمين يقومون ليلك يا رمضان، و: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) كما ورد عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسبما جاء في البخاري ومسلم. هل ثمة رشدٍ أعظم وأكبر من أن تجافي الذنوب والآثام أيها الإنسان ؟ هل ثمة رشد أعظم من أن تبتعد عن الغيبة والنميمة والكذب والخيانة وقول ما يسيء إلى إنسانيتك ووجودك : (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار) حاضر رشيد من خلال الصيام والقيام، من خلال الابتعاد عن الآثام، من خلال الاستجابة لنداء الملَك الذي يقول في مستهل رمضان: (يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر). هل ثمة رشد أعظم من أن الشياطين التي تحرك فيك نوازع الشر تصفد في رمضان: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار ،أو النيران أو جهنم، وصفدت الشياطين) فصوموا وقوموا وارشدوا وابتعدوا عن الآثام، عن الغيبة والنميمة والوساخة، ابتعدوا عن الإيذاء وشهادة الزور، ابتعدوا عن الشحناء والبغضاء والحقد، وابتعدوا عن اللهو. واسمحوا لي أن أقول لكم ومن أجل أن يكون الرشد كاملاً أو قريباً من الكمال: ابتعدوا حتى عن التلفاز الحلال لأنني أريدك في رمضان أن تخلو بنفسك وأن تصفو لنفسك وبنفسك، وأن تجعل من نفسك نفساً مقدامة على الخير، نفساً مضحية في سبيل نصرة الخير، ساعية إلى الفضيلة لارتدائها، هل تريدون يا إخوتي نصيحة خاصة لا تصب في مصب التحريم بل تصب في مصب التفضيل والخير، فلنبتعد في هذا الشهر حتى عن اللهو المباح، جانب التلفاز في هذا الشهر، اعدل عن التلفاز حتى عن البرامج الدينية، لا أريدك أن تكون تلميذ تلفاز في هذا الشهر لكنني أريدك أن تكون تلميذ قرآن. روي عن الإمام الشافعي، والشافعي رجل عظيم، رجل على مستوى التاريخ كله، رجل على مستوى الفقه الإنساني كله، روي عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان القرآن في كل يوم مرة أو مرتين.

أريدك تلميذ قرآن أريدك أن تحسب الوقت الذي تقضيه على التلفاز وأنا أتحدث عن الأمور المباحة ولكنني حينما أتحدث عن الأمور المحرمة أدعوك لمجانبتها في رمضان وفي غير رمضان، لكنني في رمضان أقول لك فلتجعل من رمضان فرصة لخلوة بينك وبين نفسك، فرصة من أجل أن تزيل ما علق من أدران عنك. قبل رمضان لتجعل من رمضان فترة لإزالة الأدران التي علقت بعقلك وروحك، كن تلميذ القرآن ولا تكن تلميذ التلفاز وكما قلت وأؤكد في أكثر من مرة حتى تلك البرامج التي تسمى البرامج الدينية، أتريد أن ينتج الصيام آثاره المرجوة فيك ؟ لتكن راشداً في رمضان من خلال الصيام والقيام والابتعاد عن الآثام وملازمة القرآن الكريم، الزم القرآن الكريم يا صائم، الزم القرآن الكريم يا قائم، الزم القرآن الكريم يا مسلم، فورب الكعبة إن القرآن غذاء لعقلك إن أردت العقل، ولقلبك إن أردت القلب، ولروحك إن أردت الروح، وللسانك إن أردت اللسان، ولفضيلتك إن أردت الفضيلة، ولأولادك إن أردت النجابة فيهم، ولأسرتك إن أردت العفة تحكمها والطهارة تظللها، إن تلمذة القرآن أمر منشود في رمضان وفي غير رمضان لكنه في رمضان آكد، لأن جبريل كان يدارس النبي القرآن في رمضان أكثر منه في غير رمضان.

أيها المسلمون: ما لي أرى نفسي وإياكم مبتعدين عما يدعم إنسانيتنا، يدعم عقلنا، يدعم وجودنا. لقد سهلنا وهُنَّا على أنفسنا فبعنا أوقاتنا بثمن بخس، انظر وقتك كم تبيعه بثمن بخس، أنت تضيع نفسك عندما تضيع وقتك، لأن الوقت بعضك يا هذا تجلس أمام التلفاز ساعة أو ساعتين والساعة والساعتان بعضك، وهل أنت إلا العمر وهل أنت إلا الزمن وهل أنت إلا الوقت، تجلس ساعة وساعتين وثلاث ساعات وبعد ذلك تجلس على الطعام ساعة أو ساعتين وبعد ذلك تجلس مهاتراً هذا ومناقشاً هذا نقاشاً عقيماً فتكون بذلك قد مررت أكثر من عشر ساعات ثم تنام عشر ساعات ثم بعد ذلك تحضر للهوٍ ولِما يؤذيك أربع ساعات، وتمضي عليك السنة والسنتان هكذا ثم بعد ذلك تقول بينك وبين نفسك: سبحان الله العمر يمر بسرعة ولم نفد منه شيئاً. هذا ما كسبته يداك، هذا ما جنته يداك، ارشدوا يا مسلمون، فرمضان حاضر رشيد، والرشد صيام وقيام ومجافاة للآثام وملازمة للقرآن الذي هو غذاء العقل والروح والقلب، إذا كان ماضي رمضان مجيداً وحاضر رمضان رشيداً فأكرم بهذا الذي يتمتع بماضي رمضان المجيد وحاضره الرشيد أن يكون ذا مستقبل سعيد لا شك في ذلك وما سعادة المستقبل ؟

سعادة المستقبل حصرتها في أمرين اثنين: أن تكون مع الله في حالة قبول أن يقبلك ربك فإن قبلتم فيا عزي ويا طربي، أن يقبلك ربك فهذه سعادتك، وأن تكون مع الإنسان الآخر على تعاون لبناء إنسانية خيرة، رمضان بماضيه المجيد وحاضره الرشيد سيؤدي بك إلى مستقبل سعيد، فإذا كان آخر يوم من رمضان تجلى الله على عباده قائلاً لهم: قد غفرت لكم. فهل هناك سعادة أكبر من هذه السعادة أن يقبلك ربك؟

إن قبلك إنسان هنا على مستوى الحياة إن قبلك غني من أجل أن يعطيك سعدت بهذا، إن قبلك مسؤول من أجل أن ينصبك سعدت بهذا فما بالك حينما يقبلك ملك الملوك وأغنى الأغنياء وأعظم العظماء ربنا جلت قدرته، إذاً أنت في سعادة ما بعدها سعادة وأنا أدعوك إلى إكمال مسيرة السعادة من أجل أن تلتقي مع الإنسان على أساس من قرآن وصيام وقيام وعلى أساس من نزول القرآن في الماضي وبدر والفتح لأنك تحمل رسالة رحيمة، أريدك أن تلتقي الإنسان الآخر المسلم وغير المسلم على أساس من رحمة، وربما قلت لي: تقول مع الإنسان غير المسلم، كيف ألتقي معه على الرحمة ؟ أقول: إن كان هذا الإنسان مسالماً فكن معه رحيماً على معنى الرحمة التي تفهمها وإن كان هذا الإنسان معادياً فالرحمة به أن ترده عن عدوانه، أنت ترحم ولدك حينما يريد أن يؤذي نفسه والآخرين حينما ترده عن إيذائه نفسه وإيذائه الآخر، فالجهاد في الإسلام رحمة لأننا نريد من خلاله رد المؤذي نفسه عن إيذاء نفسه، فيا هؤلاء: المستقبل السعيد أن يقبلك ربك، هل تريد أن يقبلك غيره قبل أن يقبلك هو جل وعلا ؟ لا ورب الكعبة من الذي يريد أن يقبله غير ربه ليكون سعيداً قبل أن يقبله ربه ؟ ربما كان حالنا يدل على هذا لكننا حينما نعمق التفكير وندرك الأمر إدراكاً صحيحاً سنرى أننا من غير أن يقبلنا الله لا وجود لنا، رحمك الله يا ابن عطاء الله – اقرؤوا الكتب يا إخوتي في رمضان لأنكم إن كنتم تلاميذ كتب تعلمتم أما إن كنتم تلاميذ تلفاز ومذياع فلن تتعلموا لن تتعلموا – رحمك الله يا ابن عطاء الله حينما قلت: "ماذا وجد من فقدك" إن فقدت ربك ووجدت كل شيء فما الذي وجدته ؟ لن تجد شيئاً، "وماذا فقد من وجدك" إن وجدت ربك وفقدت كل شيء فقد وجدت كل شيء لأن ربك كل شيء هو الذي يعطي ويمنع ويفرق ويجمع ويخفض ويرفع ويضر وينفع، لأن ربك هو الذي يتولاك، وإذا تولاك ربك فالآخرون لا قيمة لهم ولا خوف عليك ولا أنت بحزن يلبسك أو يخيم عليك، إن تولاك ربك فأنت في بحبوحة لا يستطيع أن ينتهكها أحد إذا تولاك ربك فإنك بأعينه وإذا كنت بأعين الله عز وجل جافتك كل مشاكل الدنيا وابتعدت عنك كل إرادات السوء التي تريد أن تتشكل لتطالك بإيذاء أو بضر.

فيا إخوتي: رمضان فرصة ولا أريد أن أتحدث في كل سنة عن ضرورة كبت الفوضى التي نحدثها في رمضان والتي تدلل على أننا لم نعرف رمضان ولم نقرأ ماضيه المجيد ولم نرد أن نكون في حاضره الرشيد ولم نرد أن نكون على موعد مع مستقبل سعيد في رمضان، فاللهم بحق رمضان وبحق صيام سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا مقبولاً واجعلنا من أهل الصيام والقيام ومجافاة الآثام والذنوب والخطايا ومن أصحاب القرآن الكريم لأن أصحاب القرآن هم أهل الله، فاللهم اجعلنا من أهلك نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 22/9/2006

التعليقات

driss

تاريخ :2007/07/21

salam

علي

تاريخ :2008/03/01

اشكركم على الخطبه

روان

تاريخ :2009/05/12

ماشاء الله خطبة رائعة وربنا يوفقكم عل نشر الخير كما وكمان وشكرا

شاركنا بتعليق