آخر تحديث: الثلاثاء 16 يوليو 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
ندوة حقوق الإنسان في الإسلام - رابطة الحقوقيين بحلب

ندوة حقوق الإنسان في الإسلام - رابطة الحقوقيين بحلب

تاريخ الإضافة: 2007/03/25 | عدد المشاهدات: 3077

ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام محاضرة عن حقوق الإنسان في الإسلام، وذلك ضمن الندوة التي أقامتها رابطة الحقوقيين بحلب في صالة الرابطة، يوم الأحد: 25/3/2007 الساعة التاسعة مساء، والتي ضمت إلى جانبه الدكتور عبد السلام الراغب الأستاذ في كلية الآداب بجامعة حلب وأدارها الدكتور محمود مرشحة عميد كلية الحقوق بجامعة حلب -رئيس الرابطة، وفيما يلي نص المحاضرة:

حقوق الإنسان في الإسلام

المرأة، الشورى، الحرية

 

الشكر في البداية للرابطة الرابطة، الرابطة بين الإخوة الأعزاء الذين يحملون هماً ثقافياً وهماً اجتماعياً وهماً وطنياً، وبعبارة أخرى يحملون هموماً يراد من خلالها بناء هذا الوطن بناءً متيناً، وقبل الوطن بناء الإنسان بناءً متيناً.

نحن نتحدث عن حقوق الإنسان في الإسلام، وإذا أردنا أن نصوغ العبارة بشكل آخر نقول: كيف نظَّم الإسلام حقوق المرأة، ما ملامح حقوق المرأة في الإسلام ؟ وكيف نظم حق الشورى ؟ وكيف نظم أيضاً الحرية، وكيف تعامل مع الحرية كحق من حقوق الإنسان الأساسية ؟

أولاً: أبتدأ بالمرأة:

وبالنسبة لي كتبت في هذه الأمور الثلاثة ملخصاً عن كل أمر، فها أنا ذا أستعرض ما كتبته.

بالنسبة لي فيما يخص المرأة عملتُ في هذا الموضوع أكثر من عشر سنوات، كانت الحصيلة أني عملت متناً أضعه بين أيديكم الآن وقبل ذلك وضعته أمام عدد من الباحثين وقلت بأنه متن المرأة في الإسلام، كما رأيت وهذه الرؤية مني، هذه الملامح تحت عنوان:

ملامح يرسمها الإسلام للمرأة:

1 - الرجل والمرأة من أصل واحد ولا خلاف :

الله عز وجل قال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام النساء:1، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنما النساء شقائق الرجال) كما أخرج أبو داود.

2 - المرأة شخصية مستقلة فلا اندراج ولا اندماج:

ولهذا قال عز وجل في القرآن الكريم: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات... الأحزاب:35. لم يقل المؤمنين ويسكت وتندرج المرأة على سبيل التهميش بل قال: ﴿إن المسلمين والمسلمات... كي يؤكد أن المرأة شخصية مستقلة لا اندماج ولا اندراج شخصية مستقلة.

3 - المرأة تشارك وتساهم في الحياة الاجتماعية:

الله عز وجل قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر التوبة: 71، إذا كان المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر يمسّ المجتمع فالرجل والمرأة معنيان بهذا الأمر الاجتماعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعضهم أولياء بعض وأنا استنتجت من هذه الآية – ولا أريد أن أثير هذه النقطة لكنني عندما سئلتُ من قبل جمعية نهضة العلماء في أندونيسيا عندما تولت ميغاواتي سوكارنوا رئاسة الدولة أرسلوا إليَّ استفتاء يقولون فيه: هل يجوز للمرأة أن تكون رئيسة دولة فكتبت إليهم فتوى وقلت هذه ليست فتوى عامة وإنما هي بالنسبة لي مشروع فتوى وعليكم أن تناقشوها. قلت لا أرى مانعاً شرعياً من أن تتولى المرأة الرئاسة العامة وذكرت هذا ودعمت هذا الرأي بآيات وأحاديث ومن جملة الآيات التي ذكرتها هذه الآية: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض الرجل يتولى المرأة، والمرأة تتولى الرجل، وما أظن ثمة مانع شرعي يمنعنا أن نوقف تولي المرأة للرجل في هذا الميدان ونبقيه في سائر الميادين الآخرى.

4- المرأة تشارك في النشاط السياسي فأنّى لكم منعها ؟!

أنا أتحدث عن النشاط السياسي بالمعنى الوطني ولا أتحدث عن المعنى السياسي، وأنا عندما أتحدث عن السياسة أتحدث عن الوطن لذلك آمل أن يكون هذا الخط واضحاً، لأن العمل الوطني عمل نبيل لكن العمل السياسي في وقتنا الراهن ما أظن أنه يمكن أن يوصف بما وصفنا به العمل الوطني، لذلك المرأة تشارك في العمل السياسي في مجال الوطن، في مجال الرعاية العامة فأنى لكم منعها، لذلك الله جل شأنه قال: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ﴿فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم الممتحنة:12، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات لم يقل القرآن مهاجرات مع آبائهن، مع أزواجهن، لا، قال: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن الممتحنة:10. شخصية مستقلة تتعامل مع السياسة تعاملاً مستقلاً، والبيعة والهجرة مصطلحان ذوا صلة بالسياسة والوطن.

5- المرأة ذات أهلية كاملة ولا خلاف:

وكلكم تعرفون هذا وجلُّ الحاضرين أساتذة، الأهلية عندما نتحدث عنها سواء أكانت أهلية الأداء أو أهلية التحمل المرأة ذات أهلية كاملة وليست الأنوثة عارضاً من عوارض الأهلية على الإطلاق وما كانت الأنوثة في كل كتب الفقه تشكل عارضاً من عوارض الأهلية لا من العوارض المكتسبة ولا من العوارض السماوية وأنتم تعلمون أبعاد هذا الذي ذكرنا الله عز وجل قال: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن النساء: 32، ذات أهلية كاملة، هذه الأهلية عبر عنها بنفس الألفاظ التي عبر عنها للرجال ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن فهذه الآية تتدل على أن المرأة ذات أهلية كاملة ولا خلاف أهلية أداء وأهلية تحمل.

هذه البنود الخمسة تعبت في استخراجها وتمتينها أي جعلها متناً أكثر من عشر سنوات لأنتهي بعد ذلك لتشكل لوائح للمرأة في إسلامنا.

 

الأمر الثاني: الشورى:

الشورى بشكل عام في كل مجال من مجالات الحياة وبشكل خاص عندما يكون الأمر متعلقاً بأمر يهم الدولة، فالاستبدادية مرفوضة ديناً وعقلاً، ولهذا كانت الشورى أسٌّ في الحكم وأس في التحلي بالمسؤولية في مختلف صعد الحياة، إن كنت أباً فأنت مستشير ويجب أن تستشير وإن كنت مديراً وإن كنت... ومن باب أولى إن كنت حاكماً أو صاحب ولاية عامة، الشورى خلقاً مدعواً إليه في كل شؤون الحياة.

الله عز وجل قال – وأنا أحاول أن آتى دائماً بالآيات القرآنية لأن القرآن المستند الأول فيما نقوله عن الإسلام وأنا بالنسبة لي أسمي القرآن مصدراً مؤسِّساً، والحديث الشريف مصدراً مبيناً، وعلينا عندما نتحدث عن أمر ما ونأتي بدليل من السنة أن نبين الرابط بين الحديث الذي نأتي به وبين الآية التي تحتضنه أو التي يستظل بظلها هذا الحديث الشريف – الله عز وجل قال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وقال: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) ولهذا تعدّ الشورى من المبادئ الرئيسة التي أقرّها الإسلام سواء في إدارة الحكم أو في مجال التشريع وقد تناولها القرآن الكريم بصورة مشوقة عندما حكاها حالة ممدوحة تبنتها ملكة سبأ فقال: ﴿يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون وأيضاً القرآن الكريم وصف بالشورى المسلمين فقال: ﴿والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون فالقرآن الكريم في هذه الآية يورد الشورى بين فريضتين، بين فريضة الصلاة وبين فريضة الزكاة من أجل أن يؤكد على أن الشورى قضية أساسية في النظام العام وفي النظام الخاص حيث ما كنت أنت صاحب مسؤولية فيجب أن تكون الشورى لصيقة بك وإلا لن تنجح في قيامك بمسؤوليتك شئت أم أبيت، أما النص الصريح الذي يؤكد تشريع الشورى مبدأ مأموراً به فهو قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وفي إطار تفسير هذه الآية يقول الفقية ابن عطية المالكي المتوفى عام 541 هـ : الحاكم الذي لا يتشاور مع الفقهاء وأولي العلم من المسلمين يجب عزله.

وبالرجوع إلى السنة نجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أكثر الناس تشاوراً مع أصحابه ففي غزوة بدر قال: (أشيروا عليَّ أيها الناس) وكذلك فعل في قضية الأسرى وفي قضية الخندق في أحد في الحديبية. وقد نظمت الشورى في القرآن الكريم انعقاداً ودعوة وانتهاءً وهذه الآية آمل أن نستمتع ونحن نقرؤها آمل أن نتفكر ونحن نقرؤها. هذه الآيات من أروع ما يمكن أن تكون في مجال تنظيم العلاقة بين المستشير وبين المستشار بين الحاكم وبين من يستشيرهم: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم إن الله غفور رحيم على أمر جامع والأمور التي تجمعنا كثيرة اليوم لكن من يخرج يخرج من غير استئذان ومن يجمع يجمع من غير شورى فالقضية بدلاً من تكون شورى تصبح شوربة، روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في شورى ما خالفتكما).

والمستشار بناء على ذلك ليس بصاحب هوى أو استعلاء بل هو أمين على بحث وتحري للوصول إلى سداد ورشاد فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم كما روى الترمذي وأبو داود: (المستشار مؤتمن) وتابع الخلفاء الراشدون المسيرة على هذه الخطوات وكانت حياتهم مليئة بالشورى ولعلنا هنا نغتنم الفرصة لنطالب بمجلس شورى عام، فما المانع لتكون للعائلة مجلس شورى ؟ ما المانع أن تكون للقبيلة مجلس شورى ؟ ما المانع أن يكون للحاكم مجلس شورى ؟ نطالب بمجلس شورى عام ومجالس خاصة فهل أنتم مستجيبون ؟ نسأل الله أن يوفقنا لشورى تنفعنا.

حضرتني عبارة لمحمد إقبال رحمه الله، فقد قال فيما يخص الشورى: "العالم الإسلامي اليوم يحتاج إلى شورى من أجل تطبيق الشورى وإلى محاضرة - أي أن نتحاضر- من أجل الحضارة لا المحاصرة".

المحاصرة لا تنتج حضارة والمعاقرة لا تنتج عدالة، فهذه القضية معروفة وما يقبع في ذهني يقبع في أذهانكم، لكن الواحد منا إذا كان على هذه الطاولة يتكلم ما يشعر به أحياناً وما يمكن أن يقوله، وعندما يكون مستمعاً يحب أن يسمع هذا الذي يعتلج في داخله وأعتقد أن مشتركاتٍ كثيرة بيننا قائمة، فهذه الكلمات الكثيرة التي نلقيها على أسماعكم أعتقد أننا جميعاً موافقون على جلها أو أكثرها، وهذا اللقاء هو نوع من المذاكرة والمشاهدة كما يسميها الصوفية، هي نوع من إخراج ما في نفوسنا من خلال بعضنا، وما أنا بهذا الذي يلقي عليكم ليعلمكم، وما أنتم بأولئك الذين يتعلمون وإنما الكل في هذا الإطار متشاورون.

لقد قرأت حديثاً منذ أيام أعجبني كثيراً... وكلها يعجبني إلا أنني دائماً أحرص على الحديث الصحيح وأرى أن الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة يحصل كثيراً في بلدنا وللأسف الشديد، وأحياناً الواهية والموضوعة، هذا الحديث الذي قرأت حديث حسن كما يقول علماء الحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمنون بعضهم لبعض نصَحة وادّون وإن اختلفت منازلهم وأبدانهم، والفجرة بعضهم لبعض غشَشة متخاونون وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم). وبعبارة أخرى أقول الشورى نصيحة مع وِد.

 

الأمر الثالث: الحرية:

سأتحدث عن بنود في الحرية عن مقامات كما سميتها:

المقام الأول: الحديث عن الحرية في الإسلام حديث عن مفهوم حَرج، وإن شئت قل: هو حديث عن معنى دقيق، فالحرية في مواجهة العبودية التي أصطدم بها أنا كمسلم، حديث حرج لأنه في مواجهة العبودية التي تتلبسني وأتلبسها وأتجلبب بها، لذلك الحديث عنها حرج وآمل أن يكون الحديث عنها لا يعني مواجهة العبودية لله عز وجل، لأن الحرية التي نتحدث عنها ليست حرية في مواجهة العبودية لربنا وإنما نتحدث عن حرية نحن نعلم ونوقن في دواخلنا المعاني والجذور التي تبدو إلى العمق فينا وهذا ما سأتكلم عنه.

المقام الثاني: ليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يريد وما يشاء بل أن يحترم الإنسان فعل أو قول الآخر مهما كان هذا الإنسان حتى ولو لم يَرُق هذا الفعل أو القول للإنسان المحترم مادام صادراً عن عقل وتفكير ومحاورة وشورى ومشاورة...الخ. فالحرية احترام... فإن احترمتني فأنت حر... وإلا فأنت غير حر... الحرية احترام الإنسان الآخر، وأقصد بالاحترام بكل بساطة: الابتعاد عن التسفيه والسب والشتم، فليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان والفاحش والبذيء، وما كنا في يوم من الأيام سبابين، و"الحضارة لا تقوم على شتم الحضارات، وإنما تقوم على تحمل شتم أشباه الحضارات".

المقام الثالث: الحرية عنوان جماعة ومجتمع وأمة قبل أن تكون عنوان فرد: فما نصبو إليه في مجال الحرية هو أن تكون صفة للمجتمع، والأمة والجماعة قبل أن تكون صفة للفرد أو بعد أن تكون، فنحن ننشد الأمة الحرة والمجتمع الحر والجماعة الحرة والشعب الحر ولكن لا ننشد الإنسان أو الفرد الحر في المجتمع اللا حر. وللحرية في مناخ الجماعة حقوق مصونة وواجبات مرعية وأهم هذه الحقوق: حق الحياة وحق النماء وحق التعبير وحق التفكير وحق الرأي.

المقام الرابع: الحرية مطلب لا يُمنح من الإنسان إلى الإنسان، ولكنه مطلب يحققه الإنسان بحد ذاته، وعبر جهاد وكفاح، هناك عبارة لرجل أسميته فيلسوف العصر في رأيي اسمه (عبد الله العلايلي) يقول: "آلهة الأساطير تحتاج إلى نبي يمحوها حتى يردها إلى خيال طائش في حدود الخرافة، والإنسان المستأله يحتاج إلى مصلح يمحوه حتى يرده إلى طبيعته في حدود الحقيقة".

المقام الخامس: الجهاد في الإسلام هو دفاع عن الحرية بمختلف تجلياتها وصنوفها قال تعالى: ﴿فقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.

المقام السادس: إذا كانت الحرية اختياراً بين الممكنات وقدرة على هذا الاختيار، فالسؤال: مَن يشعر مَن بالقدرة على الاختيار ؟

قلت في الجواب على هذا السؤال: لا شك بأن الطرف القوي هو مَن يشعر الطرف الآخر بذلك، فالدولة هي التي تشعر الفرد بقدرته على الاختيار، والأب هم من يشعر الولد في سن معينة بقدرته على الاختيار، والله جلت قدرته هو مَن أشعرنا بالقدرة على الاختيار فقال: ﴿ونفس وما سواها. فألهما فجورها وتقواها﴾ وقال: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾.

وأذكر كجوابٍ على سؤالي مَن يشعر مَن بالقدرة على الاختيار ؟ قصةً جاءت في كتاب أخبار عمر للطنطاوي قال: إن سيدنا عمر قال له رجل: يا عمر اتق الله، فقام بعض الناس من أجل أن يسكتوا هذا الرجل. فالتفت إليهم سيدنا عمر وقال: "لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها".

وقرأت في الكتاب نفسه عن عمر أيضاً يقول: "إن رأيتم في عمر اعوجاجاً فما أنتم فاعلون ؟" قام أحدهم فقال: "قومناك بالسيف" فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من إذا رأى في عمر اعوجاجاً قومه بالسيف". ونحن نقول هذا في حالة توقان أن نطبق على أنفسنا أولاً قبل أن نقوله للآخرين هذه القضية.

الحرية تعريفها – وتعلمون أني أشتغل في المصطلحات - فالحرية في رأيي: شعور بالتمرد على ما ينافي الفطرة، يعقبه بحث جاد عن المناسب، ومن ثم تأتي الممارسة الجريئة لهذا الذي انتهى إليه البحث.

ونحن الآن قد نشعر بالتمرد على ما ينافي الفطرة ولكن لا نبحث عما يناسب الفطرة في هذه القضية وقد نبحث عما يناسب الفطرة لكن لا نحاول أن نمارس ممارسة جريئة لهذا الذي انتهى إليه بحثنا، لذلك قلت: الحرية أشياء ثلاثة:

شعور بالتمرد عما ينافي الفطرة.

الأمر الثاني بحث عما يناسب الفطرة.

الأمر الثالث الممارسة الجريئة لهذا الذي وصلنا إليه من خلال البحث.

فلا تكرهن أيها الحر على نتاجك بل علمه برفق وادعه بأناة وحلم أن يسلك الطريق الذي سلكت ولست بعد ذلك عليهم بمصيطر.

ولتسمحوا لي أن أقدم لكم مثالاً موضحاً لما عرضت، وسيكون المثال مستلهماً من القرآن الكريم، وأما بطله فنبيٌّ متفق على نبوته من قبل كل الديانات السماوية هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقد قال متمرداً: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ ثم بحث عن إله حق، فرأى القمر فقال: ﴿هذا ربي﴾ ثم عدل فرأى الشمس فقال: ﴿هذا ربي﴾ لأنها أكبر. ثم عدل وقال: سيهديني ربي إلى الحق ما دمت باحثاً جاداً في ذلك. وقد تمت الهداية وقام بالممارسة الجريئة فقال: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين﴾.

تعريف الحرية برأيي بعد هذه المقامات والبنود للحرية هو هذا الذي قلته وأيدته ودعمته بهذه الآيات عن سيدنا إبراهيم الإنسان الذي أعتقد أن اليهود والمسيحيين والمسلمين يعتقدون أنه كان إنساناً حراً، ونحن نسعى إلى حرية كحرية سيدنا إبراهيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق